أنبأنا محمد قال: أنا أحمد قال: أخبرني محمد بن خفيف فيما كتب إلي قال: حدثني عبد الله بن الفضل حدثني أبو عبد الله القاضي قال: حدثني أبي قال:
كان عندنا ببغداد رجل من التجار صديق لي وكان كثيرا ما أسمعه يقع في الصوفية قال: فرأيته بعد ذلك يصحبهم وأنفق عليهم جميع ما ملك.
قال: فقلت له: أليس كنت تبغضهم؟ قال: فقال لي: ليس الأمر على ما توهمت قلت له: كيف؟ قال: صليت الجمعة يوما من الأيام وخرجت فرأيت بشرا الحافي يخرج من المسجد مسرعا.
قال: فقلت في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد ليس يستقر في المسجد! قال: فتركت حاجتي فقلت: انظر أين يذهب.
قال: فتبعته فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهم خبز الماء قال: قلت انظر إلى هذا الرجل يشتري خبز الماء! قال: فتقدم إلى الشواء فأعطاه درهما وأخذ شواء فزادني عليه غيظا. ً
قال: وتقدم إلى الحلاوي واشترى فالوذجا بدرهم.
[ ١٣٠ ]
فقلت في نفسي: والله لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل.
قال: فخرج إلى الصحراء وأنا أقول: يريد الخضرة والماء.
قال: فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه قال: فدخل قرية وفي القرية مسجد وفيه مريض قال: فجلس عند رأسه وجعل يلقمه.
قال: فقمت لأنظر القرية قال: فبقيت ساعة ثم رجعت فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد قال: فقلت وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخا فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيش عملت بنفسي وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي قال: اجلس حتى يرجع.
فجلست إلى الجمعة القابلة. قال: فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيء يأكل المريض فلما فرغ قال: له العليل: يا أبا نصر! هذا رجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة فرده.
قال: فنظر إلي كالمغضب وقال: لم صحبتني؟ قال: فقلت: أخطأت قال لي: قم امش.
قال: فمشيت إلى قرب المغرب قال: فلما قربنا قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا قال: اذهب ولا تعد.
قال: فتبت إلى الله - ﷿ - وصحبتهم وأنا على ذلك.
[ ١٣١ ]