إذا كان الكثير من الناس ليسوا مجرمين، بل وفيهم خير مخبوء لكنهم ضلوا الطريق الصحيح؛ فإن على أصحاب الرسالة أن يبذلوا غاية جهدهم في توصليها إليهم وإلى غيرهم فيكونوا سببا في إنقاذهم من النار.
[ ٥ ]
وليس معني هذا أنه ليس على هؤلاء الجاهلين مسئولية في البحث عن الطريق الصحيح، فالمسئولية مشتركة بينهم وبين أصحاب الرسالة عليهم أن يبحثوا عن الحق، وعلى أصحاب الرسالة أن يجتهدوا في توصيل الحق إليهم .. من هنا ندرك قيمة الجهاد في الإسلام والحكمة من كثرة الحث عليه في الكتاب والسنة، وتفضيله على كثير من الأعمال .. فجوهر الجهاد هو بذل الوسع والطاقة في سبيل الله، وإقامة دينه، وتبليغ دعوة الإسلام -دون إكراه- فيكون وسيلة لإنقاذ البشرية وإسعادها بالإسلام "وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [الحج: ٧٨].
إن الجهاد هو الوسيلة العظيمة لتبليغ الدعوة وتوصيلها إلى الناس جميعا، ومن خلال قيام المسلمين به يتم إنقاذ الكثيرين من الضلالة والنار "انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [التوبة: ٤١].
وعندما سُئل رسول الله ﷺ: ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟
قال: «لا تستطيعونه»، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: «لا تستطيعونه».
ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد» (١).
وغني عن البيان أن للجهاد صورًا كثيرة يجمعها معنى «الجهاد» وهو: بذل الجهد في سبيل الله، تأمل قوله تعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" [آل عمران: ١٥٧]، فلقد جمع الله ﷿ في هذا الآية بين من يقتل في سبيل الله وبين من يموت دون قتال وهو في سبيل الله، وجعلهما مشتركين في الأجر.
إن توصيل رسالة الله ﷿ للبشر يحتاج إلى بذل حقيقي للجهد وتضحية عظيمة بالغالي والنفيس، وصبر وثبات على المحن والعقبات التي تعترض طريق توصيل الرسالة، فلا راحة للمسلمين حتى يكون الدين كله لله.
يقول الإمام حسن البنا: فرض الله الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة حازمة لامناص منها ولا مفر معها، ورغب فيه أعظم الترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، فلم يلحقهم في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم، ومن اقتدى بهم في جهادهم، ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم وتوعد المخلفين القاعدين بأفظع العقوبات، ورماهم بأبشع النعوت والصفات ووبخهم على الجبن والقعود، ونعى عليهم الضعف والتخلف، وأعد لهم في الدنيا خزيًا لا يرفع إلا أن جاهدوا، وفي الآخرة عذابا لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهبا (٢).