أما بخصوص القلب: فلكي يتنور، ويصبح قلبًا سليما لابد من دوام إمداده بالإيمان حتى تتحرر إرادته من أسر الهوى، ومن ثم يسهل على صاحبه اتخاذ القرار بالعمل الصالح في أي وقت، وأي اتجاه.
وليس المطلوب لتحقيق مستهدف «التربية الإيمانية» هو الإكثار من الأوراد والأعمال الصالحة فقط دون النظر إلى كيفية أدائها والأثر الناتج عنها، بل المطلوب هو الاجتهاد في حضور القلب وتحركه وانفعال المشاعر وتأثرها وتجاوبها مع العمل، فأوقات التأثر هي أوقات زيادة الإيمان "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا" [الأنفال: ٢].
والتأثر «عنوان» حركة القلب والمشاعر مع العمل، وهو يختلف باختلافها، ففي الدعاء يسمي تضرعا، وفي الصلاة خشوعا، ومع آيات الوعيد: خوفًا ورهبةً، ومع آيات الوعد والرجاء: فرحا واستبشارًا وهكذا وعندما لا يحدث التأثر والانفعال مع العمل فهذا معناه أن القلب لم يستفد منه بزيادة الإيمان فيه، وهذا قد يفسر لنا سبب التناقض في شخصية البعض ممن تراه محافظا على الصلوات، ومكثرا من النوافل والأوراد ومع ذلك فهو لا يتورع عن الكذب، أو الغش، وقد تراه يحرص على المال ويسيء معاملة من حوله.
فالتشخيص الصحيح لهذه الحالة أن أثر الأعمال الصالحة لم يصل للقلب، ولم يزد الإيمان فيه، ومن ثم لم يثمر تحسنا في السلوك، لذلك كان من دعائه ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع» (١).
وكان ابن عباس ﵄ يقول: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ (٢).
ويقول ابن رجب: كان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان أفضل من الكثير مع الغفلة وعدم الإتقان. وقال بعضهم: إن الرجلين ليقومان في الصف، وما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض (٣).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٤٦).
(٢) الزهد لابن المبارك برقم (٩٢٧).
(٣) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٣٥٢.
[ ٣٣ ]