لا يمكن للأمة أن تؤدي أمانة البلاغ، ومن ثم الشهادة على الناس إلا إذا تمثلت في أبنائها معاني الرسالة؛ فيستمدون منها -بعون الله- القوى الروحية الدافعة للعمل والجهاد، ويستشعرون من خلال تطبيقها الصحيح معنى العزة بالله، فتفيض عليهم السعادة في كيانهم، فينطلقون راشدين لتحقيق مراد ربهم بأن يكون الدين كله لله.
وحين يهملون تطبيق الرسالة: تنحط اهتماماتهم، وينكفئون على ذواتهم، ويصبح جُلَّ تفكيرهم في كيفية تحصيل متطلبات الطين، وشهوات النفس.
من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة لرفع العقوبات عن الأمة، وتغيير ما حاق بها ونزل بساحتها؛ هو إصلاحها من الدخل "إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد: ١١].
فإن لم يحدث ذلك؛ فستظل العقوبات والمحن تتوالى عليها، ولن يرفعها مجرد الدعاء أو المساعدات للمنكوبين -على أهميتها- بل لابد من دفع ضريبة التغيير الحقيقي.
وحتى لو هدمت المساجد، وقُتل النساء والأطفال هنا وهناك فلن يُرفع البلاء إلا إذا سرنا في طريق التغيير "وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا" [الإسراء: ٨].
والتغيير المنشود يشمل كيان الإنسان بمحاوره الأربعة:
أولا: تغيير وإصلاح المفاهيم والتصورات في العقول، وإعادة بناء اليقين الصحيح فيها.
ثانيا: إصلاح الإيمان في القلوب وتقوية الإرادة.
_________________
(١) صحيح، رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٢٣).
[ ٧ ]
ثالثا: ترويض النفس وجهادها على لزوم الصدق والإخلاص لله ﷿، مع نكران الذات والتواضع غير المصطنع.
رابعًا: التعود على بذل الجهد في سبيل الله.
وسيأتي -بإذن الله- بيان ذلك كله بشيء من التفصيل في الصفحات القادمة.
عندما تكتمل هذا الحلقات الأربع، سيحدث -بإذن الله- التغيير الحقيقي للفرد، ومن ثم الأمة.
والتغيير المطلوب ليس تغييرًا لحظيا بل تغييرًا يحدث أثرًا إيجابيًا دائمًا، وهذا يستلزم التربية الصحيحة لأفراد الأمة؛ هذا إن أردنا إصلاحًا حقيقيًا.
ولنعلم جميعا بأنه مهما ألقيت الدروس والمواعظ، ومهما نشرت المقالات، إلا أنها -مع أهميتها- لن يكون لها نفع حقيقي ودائم إلا إذ مورست من خلال منظومة تربوية تُعني بإحداث أثر إيجابي دائم -وليس لحظيا- ينتج عنه ظهور المؤمن الصالح المصلح.