قبل أن نبدأ رحلة استكمال ما ينقصنا، علينا أن نتذكر حقيقة مهمة وهي أن الله ﷿ هو الذي يزكي ويربي، فهو سبحانه: "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" [الزمر: ٦٢].
وأمر صلاحنا وفلاحنا في خزائنه "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ" [الحجر: ٢١].
ولقد جعل سبحانه أهم سبب لإمداد الإنسان بما يصلحه هو: وجود الرغبة الأكيدة لديه، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (٢).
فالحديث يؤكد على أن الهداية من عند الله، وأنه سبحانه يمنحها من يسألها ويريدها، ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: "وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [النور: ٢١].
فالله ﷿ هو الذي يُزكي .. هذه هي الحقيقة، ولكن يُزكي من؟!
يزكي من يراه مستعدا ومريدًا للتزكية، ولهذا ختمت الآية بقوله: (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
فالإمداد بحسب الاستعداد، وعلى قدر الصدق في طلب الشيء يكون المدد من الله ﷿، كما قال ﷺ: «إن تصدق الله يصدقك» (٣).
فمن يرد الخير بصدق يدله الله عليه ويمنحه إياه «ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه» (٤).
ومن يصدق عزمه في طلب العفة يعفه الله «ومن يستعفف يعفه الله» (٥).
ومن يصدق عزمه في طلب العلم يعلمه الله «إنما العلم بالتعلم».
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير (٦٢٢٢).
(٢) رواه مسلم.
(٣) صحيح، رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤١٥).
(٤) حسن، أخرجه الخطيب البغدادي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٢٨).
(٥) رواه البخاري ومسلم.
[ ٤٣ ]