وفي المقابل .. كلما قوى الإيمان تحسن السلوك بشكل تلقائي، واقتربت المسافة بين القول والفعل، وكيف لا والإيمان الحي يولد دومًا طاقة، وقوة دافعة للقيام بأعمال البر المختلفة حسبما يقتضيه الوقت والظروف.
الإيمان هو الشجرة المباركة التي تثمر -دومًا- ثمارًا طيبة "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ - تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا" [إبراهيم: ٢٤، ٢٥].
الإيمان يدفع المرء لبذل أقصى ما يمكن بذله في سبيل رضى ربه، فتراه حريصًا على دعوة الناس، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر.
صاحب الإيمان الحي شخص إيجابي، شُعلة من النشاط، لا يهدأ، ولا يكل، ولا يمل من تبليغ دعوة ربه ودلالة خلقه عليه .. نجده دومًا مسارعًا لفعل الخيرات في كل الاتجاهات .. ينتظر أي باب يفتح أمامه للتقرب إلى الله ليلج فيه.
روى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلى، فمررنا يوما ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" [البقرة: ١٤٤].
حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ، فنكون أول من صلى (في اتجاه الكعبة)، فتوارينا فصليناها، ثم نزل النبي ﷺ، وصلى بالناس الظهر يومئذ (٢).
كلما ازداد الإيمان ودخل نوره القلب، انفتح القلب وانشرح ودبت الحياة فيه، وشعر صاحبه بالسكينة والطمأنينة، وزاد انتباهه ويقظته، وكلما استيقظ القلب من غفلته زاد تشميره للسعي نحو الآخرة، وقل اهتمامه بالدنيا ورغبته فيها، واشتدت رغبته فيما عند الله، وانعكس ذلك في تعامله مع المال، فيزداد إنفاقه له ..
في يوم من الأيام، وبينما كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه إذ تلا عليهم قوله تعالى: "مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ" [الحديد: ١١]، فإذا بأحد الحاضرين وهو «أبو الدحداح» يقول لرسول الله ﷺ: أيستقرضنا الله؟
فيجيبه ﷺ: «نعم».
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٠٨).
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ١٦٨ - مكتبة العبيكان.
[ ٢١ ]
فيقول له: لقد أقرضت ربي حائطي (بستاني) ..
هذا البستان كان به من النخل ما يقارب الستمائة نخلة.
وانطلق الرجل إلى البستان، وما إن وصل إليه حتى نادى على زوجته: يا أم الدحداح هيا بنا نخرج من البستان فقد أقرضته ربي.
فقالت المرأة الصالحة لزوجها: ربح البيع أبا الدحداح .. ربح البيع أبا الدحداح (١).