من هنا نقول أن العلم الحقيقي الذي ينبغي أن ينشغل به العقل -أول ما ينشغل- هو العلم بالله ﷿، وأن أي علم آخر ينبغي أن يكون تاليا له، منطلقًا منه.
إن علم التوحيد الحقيقي هو «الباب الأعظم» الذي ينبغي أن ندخل منه جميعًا، وبعد ذلك ندخل إلى العلوم المختلفة حتى نتمكن من الاستفادة الحقيقية منها في تحقيق العبودية لله ﷿، فإن لم يحدث هذا، وبدأ المرء في تعلم العلوم المختلفة متجاوزًا العلم بالله ﷿ فإن مقصود هذه العلوم لن يتحقق بالصورة المطلوبة.
فعلى سبيل المثال: عندما يتعلم المرء العلوم الكونية قبل تعلمه العلم بالله ﷿ فإنه لن يستطيع -بتلقائية- أن يربطها بالله ﷿، ومن ثم لن تزيده معرفة به سبحانه، وإن تكلف ذلك.
أما إذا تعلمها بعد دخوله من «الباب الأعظم» للعلم فإنه سيستفيد بها استفادة عظيمة في الاستدلال على الله ﷿ وأسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة عليه، فيزداد بهذه العلوم معرفة بربه ومن ثم خشيته وهذا ما يؤكده قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [فاطر: ٢٧، ٢٨].
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٣٦٧) المقدمة.
[ ١٥ ]
وما ينطبق على العلوم الكونية ينطبق على العلوم الأخرى، فالعلم بالتاريخ علم مهم ولكن ينبغي أن يكون تاليًا ومنطلقًا من العلم بالله ﷿، فنرى من خلاله أفعاله سبحانه، وسنته في خلقه عبر الحقب والأزمنة السابقة فيزداد تعرُّفنا عليه، وخشيتنا له، وتعلقنا به.