لكي ينجح الدعاة والعاملون للإسلام وكل من يتوق لخدمة الإسلام .. لكي ينجحوا جميعًا في تغيير وإصلاح الأمة لابد من أن يبدأوا مع أنفسهم فتتمثل فيهم معاني الإسلام التي يريدون أن يربوا الناس عليها.
إن الخطأ الشائع الذي يقع فيه بعض الدعاة هو مطالبة الناس بشيء لا يفعلونه هم مع أنفسهم، فتفقد كلماتهم الروح والحرارة والتأثير في الآخرين.
لذلك فإن نقطة البداية الصحيحة لتربية الأمة تنطلق من وجود الفرد المسلم المتوهج الذي تتمثل فيه معاني الإسلام والحرقة على الدين، وبدون هذه البداية لا يمكن للعملية التربوية أن تنجح.
فعلى سبيل المثال: لو أردنا إشعال مجموعة من الفحم فإننا -في الغالب- نقوم بإحضار فحمه مشتعلة ومتوهجة ونضعها وسط مجموعة الفحم، ثم نقوم بتحريك الهواء عليهم جميعا فينتقل الإشعاع والتوهج من الفحمة المتوهجة إلى بقية الفحم فإن كان توهج الفحمة -الأساسية- متوسطا كان الأثر على بقية الفحم محدودًا وضعيفا، وإن كان التوهج ضعيفا فمن المتوقع ألا نري أثرًا لتوهج في عموم الفحم، وقد تنطفئ الفحمة ذات التوهج الضعيف بمرور الوقت، فعلي قدر توهج الفحمة «الأساس» يكون الأثر على من حولها.
[ ٩ ]
من هنا يتضح لنا بأنه وإن كان تغيير الأمة تغييرًا إيجابيًا كما يحب ربنا ويرضي يستلزم تربية أفرادها على معاني الإسلام؛ فإن نجاح هذه التربية مرهون بوجود أفراد متوهجين بدأوا بأنفسهم وساروا بها في طريق التغيير، وقطعوا فيه شوطا معتبرا حتى يستطيعوا -بعون الله- أن يأخذوا بأيدي الناس ويسيرون بهم في الطريق الذي سبقوهم بالسير فيه.
تبقى نقطة أخيرة في هذه المسألة وهي أن البعض قد يفهم من هذا الكلام أن تربية الناس على معاني الإسلام من خلال المحاور الأربعة السابق ذكرها (المعرفية -والإيمانية- والنفسية- والحركية) يستلزم تحققها بشكل كامل فيمن يريد ممارستها.
لا شك أن الأفضل هو ذلك، ولكن لصعوبة تحققه فينا يبقي الحد الأدنى لممارسة التربية مع الآخرين هو أن نربيهم على ما تحقق فينا بصورة مرضية، وكلما استكملنا جديدًا في أنفسنا قمنا بتربيتهم عليه، وبذلك يمكن أن يقوم بأمر تربية الأمة عدد كبير من الدعاة والعاملين للإسلام، وكل من يتوق إلى خدمة الدين .. فالفتى عليه أن يقوم بتربية الأطفال على ما تحقق فيه، والشاب يقوم بتربية الفتيان على ما تمثل فيه، والرجل يقوم بذلك مع الشباب، والنساء مع الفتيات والأطفال وذلك في كل مكان يتيسر فيه المعايشة والتعاهد، ويأتي على رأس ذلك: المسجد فهو المحضن التربوي الأول الذي ينبغي أن يستفيد منه الجميع في إنجاح العملية التربوية بإذن الله.
فإن قلت: أريد تفصيلا أكثر للمحاور الأربعة التي سأقوم بتربية نفسي ومن حولي عليها .. كان الجواب: هذا مما ستتضمنه الصفحات القادمة بمشيئة الله.
* * *