إذن فالحكمة العظمى من خلق العقل هو استخدامه في التعرف على الله ﷿ من خلال التفكر في مخلوقاته والتعرف على ما تحمله من معلومات عنه -سبحانه- "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [البقرة: ١٦٤].
_________________
(١) روائع إقبال ص ١٢٢ - لأبي الحسن الندوي- دار القلم.
(٢) المصدر السابق ص ١٣٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٤٠.
(٤) المصدر السابق: ص ٩٢.
(٥) المصدر السابق: ص ٩٣.
[ ١٢ ]
وكثيرًا ما يذكِّر القرآن بأهمية استخدام العقل في التفكر والاعتبار لفهم آيات الله المبثوثة في كونه: "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [النحل: ١٢].
وحين يُعطل المرء عقله، ولا يستخدمه فيما خلق من أجله فقد سفِه نفسه، وظلمها ظلمًا عظيمًا لأنه بذلك قد سار بها إلى الهاوية .. تأمل معي حال أهل النار -والعياذ بالله- وهم يتذكرون أسباب هلاكهم وضياعهم "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" [الملك: ١٠] .. والملاحظ أنهم لم يذكروا كفرهم أو شركهم أو معاصيهم وهم يؤنبون أنفسهم على ما وصلوا إليه، بل ذكروا تعطيلهم لعقولهم عن الاستخدام الصحيح.
نعم، لو استخدموا عقولهم وتفكروا في آيات الله المرئية في كونه، والمقروءة في رسالاته، لتعرفوا على ربهم، ومن ثمَّ لأطاعوه وعبدوه ولما كفروا ولما أشركوا، ومن ثم لما دخلوا النار، لذلك كان التعقيب الإلهي على اعترافهم بالحقيقة "فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ" [الملك: ١١].
بالفعل: إن ذنبهم الأكبر هو هذا الذنب، وما الكفر، وما الشرك، وما الكبر، إلا توابع لتعطيل العقل، فالذي يعطل هذه النعمة العظيمة فإنما يحرم نفسه من خير عظيم كان في متناول يده، ومن ثم تنحط مرتبته، ويهبط ويهبط حتى يصبح "أَسْفَلَ سَافِلِينَ" [التين: ٥].
"أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" [الفرقان: ٤٤].
وصدق عباس العقاد حين قال: «التفكير فريضة إسلامية».