من أهم عناصر نجاح العملية التربوية: وجود الاستعداد للتلقي والتوجيه والتغيير لدي الفرد.
هذا الاستعداد يكون كبيرًا في الصغر، ويتناقص بمرور الأيام والشهور والسنين.
وتحليل ذلك أن الطفل بعد ولادته يبدأ شيئًا فشيئًا في تحسس خطواته في الدنيا فيفاجأ أنه يحتاج إلى الكثير والكثير كي يستطيع التعامل مع الموجودات المختلفة.
_________________
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٤٨٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٢٧٩ - مكتبة العبيكان.
[ ٤٠ ]
ينظر لمن حوله فيجدهم يحسنون التعامل مع كل شيء .. مع الماء، مع النار، مع الأبواب والنوافذ، مع التلفاز والأجهزة المختلفة، بينما لا يستطيع هو أن يفعل مثلهم، لذلك ينظر إليهم نظرة إجلال وإكبار، ويضعهم في مقام الأستاذية والتوجيه، فيسلم لهم قياده، ويُملِّكهم من ذاته بالكلية ليمدوه بخبراتهم وما تعلموه في الحياة، وما يعتقدونه من مفاهيم وأفكار سواء كانت صحيحة أم خاطئة -وفي الغالب تكون أول جهة لذلك التوجيه هي الأبوان اللذان تتفتح عيناه في الدنيا فيجدهما أمامه.
فالابن في السن الصغيرة ينظر إلى أبويه نظرة استعظام، لما يراه منهما من قدرة على التعامل مع الأشياء ولأنهما أيضا مصدر شعوره بالراحة والأمان والشبع، لذلك فهو يتأثر بهما تأثرًا بالغا، ويأخذ منهما كل ما يمكن أخذه في هذه السن .. وفي هذا المعنى يقول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١).
فعلى سبيل المثال: الطفل الذي يولد في الصين يولد وهو لا يعرف الصينية لكنه يجد أبويه ينطقان بأصوات لا يعرفها، وتؤدي هذه الأصوات إلى حدوث التفاهم بينهما، وقيام كل منهما بأفعال نتيجة سماعه لها، فهو يسمع أمه تقول شيئًا فيحضر أبوه شرابا (الماء)، ويسمعها تقول شيئًا آخر فيحضر طعامًا، وهكذا، فيؤدي ذلك إلى زيادة شغفه لتعلم هذه الأصوات، فينصت لهما، ويتعلم منهما ليكتسب بمرور الوقت القدرة على الفهم والنطق والتعامل باللغة الصينية.
هذا الطفل لو ولد في الهند لتعلم الهندية، ولو ولد في مصر لتعلم العربية، فالابن يعتبر أبويه هما عالمه ومصدر توجيهه، لذلك يستسلم لهما، ويأخذ منهما كل ما يمكن أخذه من أقوال وأعمال وردود أفعال، وتعامل مع الأشياء مهما كانت نوعية هذه الأمور.
وكلما كبر سن هذا الطفل قل احتياجه للآخرين وقلَّ كذلك استعداده للتلقي منهم، وتبدلت نظرته لغيره من نظرة انبهار بما عندهم إلى نظرة عادية، فقد أصبح يمتلك رصيدًا لا بأس به من المعرفة والتجارب والمعتقدات تمكنه من السير في الحياة والتعامل مع مستجداتها. فإذا ما قلَّ احتياجه للآخرين قلت رغبته في التلقي منهم، وهذا لا يحدث في يوم وليلة بل يتناقص شعوره بالاحتياج للآخرين تدريجيًا بعد مرور سنوات عمره الأولى .. هذا التناقص يعكس تقلص مساحة الفراغات الموجودة في شخصيته.