إذن فالنفس هي العقبة الكؤود بيننا وبين الله ﷿، ولقد خلقها الله -﷿- بهذه الصفات ليختبر مدى صدق عبوديتنا له، فلولا وجودها لما وجد العبد أي مشقة في القيام بالطاعة، والإخلاص لله ﷿.
وشهوات النفس الجلية قد ضبطها الشرع وحددها من حيث الحلال والحرام والمباح والمكروه، لذلك فمن السهل على صاحب الإيمان الحي أن يلتزم -بعون الله- بهذه الضوابط.
أما الشهوات الخفية فمع تحذير الشرع الشديد من الاسترسال معها إلا أن الكثيرين لا ينتبهون إلى هذا التحذير ولا يتعاملون معه مثل تعاملهم الحذر والمنضبط مع الشهوات الجلية، وذلك لأن الشهوة الخفية ألذ وأحب إلى النفس من الشهوة الجلية.
ومن أهم الشهوات الخفية التي تسكر النفوس، وتجعلها في حالة من السعادة والنشوة: الشعور بالرضا عن النفس، والتميز عن الآخرين، وعلو المنزلة عندهم، وإذا أردت تخيل هذه المشاعر فما عليك إلا أن تتذكر حالك عندما تتعرض للمدح من غيرك
[ ٢٥ ]
ومن صور الشهوات الخفية التي تحرص عليها النفس: علو المنزلة عند الناس من خلال تحسين وتجويد العمل أمامهم، وذكر ما خفى من الأعمال الإيجابية لهم، كل ذلك قد يفعله المرء من أجل استنطاق مدحهم وثنائهم عليه، وعلو المنزلة عندهم، ومن ثم استجلاب الشعور بالرضا عن النفس وما أدراك ما شعور الرضا عن النفس وما فيه من لذة وحلاوة!!
وليس حرص المرء على إظهار عمله أو التحدث عنه هو وحده الذي يستجلب به مشاعر الرضا عن نفسه، بل هناك ما هو أخطر من ذلك لإمكانية ملازمته لكل عمل - في السر والعلن- ألا وهو إعجاب المرء بعمله أو إمكاناته، واستعظامه لهما.
هذا الأمر إذا ما تجاوب معه الإنسان واستسلم له فإنه يؤدي به إلى الغرور، والانخداع بنفسه ويؤدي به كذلك إلى الكبر والتعالي على الآخرين، ورفض الانصياع للحق والاعتراف بالخطأ، ويكفي أن إبليس رفض أمر الله ﷿ بالسجود لآدم بسبب تمكن هذا الأمر منه "قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ" [الأعراف: ١٢].