من هنا يتأكد لدينا أن العلم النافع هو الذي يؤدي إلى تحقيق التوحيد قولا وعملا، أو بمعنى آخر: هو الذي يؤدي إلى تحسين المعاملة مع الله ﷿ فيزداد المرء له خشية وطاعة ومحبة وإنابة واستقامة على صراطه المستقيم، فإن لم يُؤدِّ العلم الذي يتعلمه المرء إلى ذلك صار علما غير نافع.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «أعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع»، وفي حديث آخر قال: «سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع» (٢)، وهذا يدل -كما يقول ابن رجب- على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع في القلب فهو علم غير نافع (٣).
ويقول سفيان الثوري: إنما فُضِّل العلم لأنه يُتَّقى الله به، وإلا كان كسائر الأشياء.
وكان الإمام أحمد يقول: أصل العلم خشية الله، وقال كثير من السلف: ليس العلم كثرة الرواية وإنما العلم الخشية (٤).
وفي حكم ابن عطاء: «العلم إن قَارَنْته الخشية فلك، وإلا فعليك».
وعندما سئل الإمام أحمد عن معروف الكرخي، وقيل له: هل كان معه علم؟ فقال: كان معه أصل العلم، خشية الله ﷿ (٥).
ومن الملاحظ أن كلمة العلم في القرآن كثيرًا ما تدور حول هذا المعنى كقوله تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [فاطر: ٢٨].
_________________
(١) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٤٠، ٤١ - الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة.
(٢) صحيح الجامع الصغير (٣٦٣٥).
(٣) شرح حديث أبي الدرداء (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا) لابن رحب الحنبلي.
(٤) المصدر السابق.
(٥) مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٧٨٧.
[ ١٤ ]
وقوله: "أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ" [الزمر: ٩].