وعلى المسلم أن يكون له جهد معتبر يبذله في الدعوة إلى الله "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ" [يوسف: ١٠٨].
فلا يكفي أن يكون المسلم صالحا في نفسه ليحقق العبودية الحقة الكاملة لله ﷿، بل لابد من قيامه بواجب تبليغ رسالة ربه، ودعوة خلقه إليه "قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا - إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ" [الجن: ٢٢، ٢٣].
وليس هذا أمرًا اختياريا، بل هو تكليف إلهي لأمة الإسلام منذ أن اختارها الله ﷿ لتقود البشرية وتسعدها بالإسلام.
إنه تكليف إلهي بالشهادة على الناس "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: ١٤].
_________________
(١) الأذكار للنووي ص ٢٧، ٢٨ - دار الهدى- الرياض.
[ ٣١ ]
ولكي نشهد على الناس شهادة صحيحة لابد من تبليغهم الرسالة أولا على أحسن ما يكون التبليغ، ثم التعرف على موقفهم من هذه الرسالة، فإذ ما سَأَلَنا الله ﷿ يوم القيامة عن هذه الشهادة كان الجواب المفترض أن نجيب بمثله: إننا قمنا بتبليغ الرسالة إلى قوم (كذا) و(كذا) فاستجاب بعضهم ولم يستجب الآخر.
من هنا نقول بأن تربية الفرد لا تكتمل إلا إذا كانت له حركة وجهد يبذله في تبليغ رسالة ربه ودعوة خلقه إليه.
يؤكد الإمام حسن البنا على هذا المعنى فيقول: كلف الله المؤمنين بمهمة، وألقي على عاتقهم بواجب هو: هداية البشر إلى الحق، وإرشاد الناس جميعا إلى الخير، وإنارة العالم كله بشمس الإسلام، فذلك قوله ﵎: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [الحج: ٧٧، ٧٨].
معني هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة.
ويستطرد قائلا تحت عنوان: وصاية المسلم تضحية لا استفادة.
ثم بين الله ﵎ أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله فليس له فيها شيء، وإنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس، وذلك قوله تعالى: "إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" [التوبة: ١١١].
ومن ذلك نرى أن المسلم يجعل دنياه وقفا على دعوته ليكسب آخرته جزاء تضحيته.
ومن هنا كان الفاتح المسلم أستاذًا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور وهداية ورحمة ورأفة، وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين وتحضُّر وإرشاد وتعليم (١).