خلق الله ﷿ الإنسان وجعل تكوينه يشمل أربعة مكونات رئيسية هي: العقل والقلب والنفس والجسد.
والإنسان يبدأ رحلته على الأرض -منذ خروجه من رحم أمه- بهذه المكونات الأربع وهي غير مكتملة النمو، بل جعلها الله سبحانه تبدأ صغيرة، محدودة الإمكانات، لتنمو بعد ذلك بما أودع فيها من خاصية النماء.
ونماء هذه المكونات يستلزم دوام إمدادها بالغذاء الذي يناسبها.
فالجسد يخلق صغيرًا ضعيفًا، ولكي ينمو لابد له من غذاء متنوع يلبي احتياجاته ويترك فيه أثره الدائم، وينتج عنه دومًا طاقة تدفع صاحبه للنشاط والحركة.
ومع ضرورة إمداد الجسد بالغذاء المناسب لابد كذلك من دوام توجيه نشاطه وحركته بالطريقة التي تساهم في نجاح المرء في أداء وظيفته على الأرض.
وما ينطبق على الجسد ينطبق على العقل والقلب والنفس، فلابد لهذه المكونات الثلاثة من تربية وإنماء حتى تكتمل وتصلح ويساهم كل منها بأثره في تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي يقوم بوظيفته الأساسية؛ ألا وهي معرفة ربه وعبادته وخشيته بالغيب، وإقامة دينه في نفسه، ثم في نفوس المسلمين، وأن يجتهد في تبليغه للبشر جميعًا.
وكما أنه من الضروري استمرار تعاهد البدن وإمداده بما يصلحه حتى يستمر في النمو والتمتع بالصحة والحيوية؛ كذلك لابد من تعاهد العقل والقلب، والنفس بالإمداد بما يصلحهم، ودفع ما يضرهم حتى يستمر نموهم المعنوي في الاتجاه الصحيح، وبخاصة أن كلًا منهم يبدأ الحياة كما يبدأ الجسد .. محدود الإمكانات والقدرات، ولديه قابلية للنماء، فالعقل يبدأ الحياة وهو فارغ من أي مخزون معرفي "وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا" [النحل: ٧٨].
_________________
(١) حسن، رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٣٣٤٨).
[ ٣ ]
والقلب يولد على الفطرة كما قال ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (١).
والنفس تبدأ رحلتها في الحياة ولديها القابلية للفجور والانفلات، وكذلك القابلية للاستكانة والتطويع "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" [الشمس: ٧، ٨].
ولئن كان أمر تعاهد البدن وتربيته لا يحتاج إلى توجيه دائم -فيما يخص الغذاء- باعتبار أنه أمر محسوس وظاهر؛ إلا أننا لا نتعامل مع عقولنا وقلوبنا وأنفسنا بنفس الدرجة من الاهتمام لأننا -من ناحية- لا نراهم بأعيننا، ولا نكاد نستشعر احتياجاتهم.
ومن ناحية أخرى فإن هذه المكونات الثلاثة يحدث لها نمو ولكنه -في الغالب- ليس بالشكل المطلوب، أو في الاتجاه الصحيح، فعلى سبيل المثال:
العقل -بعد الولادة- يبدأ في استقبال المعلومات من كل الاتجاهات دون تمييز بين صحيحها وسقيمها، ثم تبدأ هذه المعلومات شيئًا فشيئًا في تشكيل يقينه ومعتقداته ونظرته للحياة ومفرداتها.