لعل هذا الحديث عن الإيمان وعلاقته بالسلوك يفسر لنا ظاهرة ابتعاد الفعل عن القول، والعمل عن العلم.
فكلما ضعف الإيمان تمكن الهوى؛ لأن مساحة القلب واحدة؛ ليترتب على ذلك آثار سلبية خطيرة تزيد وتنقص بحسب درجة ضعف الإيمان.
فمن آثار ضعف الإيمان: أنك قد تجد شخصا كثير الحديث عن القيم، والمثل، والأخلاق، لكنه يمارس عكس ما يتحدث عنه، وفي بعض الأحيان تجده وقد اعتراه الضيق من حاله وواقعه لكنه لا يستطيع تغييره لأن هواه قد سيطر على إرادته واستولى عليها.
ومن آثار ضعف الإيمان أيضًا: الترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه، والتساهل والتباطؤ في تنفيذ أوامر الشرع، والبحث عن الرخص والأعذار، وتبني الآراء المرجوحة والضعيفة لإيجاد المبرر والمسوِّغ للتفلت من التطبيق الصحيح للدين.
ومن آثاره: شدة الاهتمام بالدنيا، والحرص على تحصيلها، وارتفاع سقف الطموحات فيها، وانشغال الفكر بها، مع كثرة أحلام اليقظة بالثراء والرفاهية.
ومن تلك الآثار: شدة الحرص على المال والحزن الشديد على نقصانه، ودوام إحصائه، وكثرة التفكير في سبل إنمائه، واستيفاء المرء لحقه المالي التام من الآخرين، وفي المقابل قد نجده يحاول التملص من أداء واجباته والتزاماته المالية كاملة تجاههم.
ومنها: شدة تركيز المرء في أمور الدنيا، فتجده متابعًا جيدًا لأسعار العملات، والأراضي، والعقارات، والسيارات
ومنها: ضعف الورع، والوقوع في دائرة الشبهات، والاقتراب من دائرة المحرمات كاستسهال الكذب وعدم قول الحقيقة كاملة، وعدم الوفاء بالعهود والمواعيد.
ومنها: الحسد، حيث تتجه نظرة المرء إلى دنيا غيره - وبخاصة أقرانه - أكثر من اتجاهها إلى دينهم، وتترجم هذه النظرة شعوره الداخلي بالضيق عندما يرى عليهم علوًا جديدًا في الدنيا.
[ ٢٠ ]
ومنها: ضعف الشعور بالمسئولية تجاه الدين وقضايا الأمة، وينعكس ذلك على أداء الفرد في الدعوة، فتجده متراخيًا في القيام بالواجبات، يتحين أي فرصة للهروب من التكاليف .. كثير الأعذار، كثير النقد لغيره.
ومنها كذلك: ضعف الأخوة في الله، فالأخوة قرينة الإيمان تزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات: ١٠].
ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم الاكتراث بتضييع الوقت في توافه الأمور، والمجالس الفارغة، ومشاهدة الفضائيات.
ومنها: عدم الانضباط بضوابط الشرع في المعاملات المادية بين الأفراد، وبخاصة بين الشركاء "وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" [ص: ٢٤].
ومنها كذلك: عدم الحزن على فوات الطاعة، أو الوقوع في المعصية ..
يقول عبد الله بن مسعود: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا (١) (أي: نحاه بيده أو دفعه).