لكي ندرك أكثر وأكثر غاية العلم علينا أن نتذكر غاية وجود الإنسان على الأرض والتي تتمثل في تحقيق العبودية الحقة لله ﷿ وما تشمله من معان مختلفة يقف على رأسها: طاعته سبحانه، وخشيته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والأنس به، ودوام الإنابة إليه، والاستسلام له، والاستعانة به، والتضحية من أجله، وإقرار شرعه.
ولأن هذه المعاني لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المرور من باب «المعرفة» بالله ﷿كما أسلفنا- كانت غاية العلم هي: «التعرف على الحقائق التي تصل بالمرء إلى تحقيق العبودية لله ﷿ بمعانيها المختلفة».
بهذا ندرك مفهوم العلم النافع ومدى ارتباطه بتحسين المعاملة مع الله ﷿، وبهذا المفهوم -أيضًا- يمكننا التعرف على مدى قُرب أو بعد العلوم المختلفة من العلم النافع، مع الأخذ في الاعتبار أن معرفة الأحكام الشرعية، وما يرضي الله ﷿ وما يبغضه من الأهمية بمكان، وهي تحتل المرتبة التالية للعلم بالله ﷿ وآياته وأفعاله في خلقه، وذلك لضرورتها في تحقيق العبودية الحقة له سبحانه، فالذي امتلأ قلبه خشية لله ﷿ يحتاج أن يعرف ما الذي يُرضي ربه فيفعله، وما الذي يبغضه فيتجنبه.
لذلك فإن من جمع العِلمين (العلم بالله، والعلم بأحكامه) فقد حاز قصب السبق في ركب العلماء، ويلي ذلك العلم بالله دون العلم بجميع أحكامه، أما الصنف الثالث والذي يتمثل فيمن يعلم الأحكام وليس لديه علم حقيقي بالله، فهذا الصنف مذموم لأنه قد يُطَوِّع هذا العلم في اتجاه هواه وكل ما يجعله محل رضى الناس فيكون ذلك سببًا في هلاكه والعياذ بالله.
قال سفيان الثوري: «كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله وليس بعالم بأمر الله، وعالم بالله عالم بأمر الله يخشى الله فذلك العالم الكامل، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله لا يخشى الله فذلك العالم الفاجر» (١).