فإن كان الأمر كذلك، وإن استمرت غفلتنا عن حقيقة وجودنا، وعن أهمية استخدام العقل في الاتجاه الصحيح، فمن المتوقع أن مشاعر الحسرة والندم ستتملكنا عند الموت، وبعد انكشاف الغطاء الذي يفصل بين عالم الغيب وعالم الشهادة .. سيشتد الندم على تضييع العمر وعدم الانتفاع بالعقل في الوصول إلى معرفة الله ﷿ "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: ٢٢].
ويكفيك تأكيدًا لهذا المعنى قوله ﷺ بعد نزول الآيات: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ" [آل عمران: ١٩٠]: «ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر بها» (١).
ولعل المثال التالي يقرب لنا المعنى أكثر وأكثر:
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحهما.
[ ١٦ ]
لو أن رجلًا سافر إلى مكان ما للنزهة والاستجمام، وأقام في حجرة بأجمل فندق في هذا المكان .. هذه الحجرة تطل على مناظر ساحرة خلابة ما بين نهر جار، وحدائق غناء، ومناظر مبهرة تخطف بالأبصار ..، وكل جهة من جهاتها بها عدد كبير من النوافذ المغلقة والمغُطاة بالسُتُر، فما كان من هذا الرجل إلا أن سأل عن النافذة التي تطل على مدخل الفندق، والساحة المحيطة به حيث تقبع سيارته، وظل طيلة وجوده ينظر من هذه النافذة فقط ويراقب حركة القادمين والمغادرين، ويطمئن على سيارته، وبعد انتهاء مدة إقامته، وبينما هو يغادر الفندق إذا به يلتقي بصديق له كان يقيم في نفس المكان، وإذا بحالة من الانبهار تسيطر على هذا الصديق والتي ترجمتها كثرة حديثه لصاحبنا عن المناظر الخلابة التي رآها، وأشعة الشمس وهي تتعانق مع صفحة الماء، وألوان الأزهار التي تسر الناظرين و..، ويستمر حديث الصديق وصاحبنا يقف مذهولًا، فهو لم يرَ أي شيء من هذا لأنه لم يحاول فتح النوافذ التي تمتلئ بها حجرته، واكتفى بفتح واحدة منها لم تنقل له عُشر معشار ما رآه صديقه!!
بلا شك ستتملك صاحبنا مشاعر الحسرة والندم على ما فاته من متعة، وسيظل يقول في نفسه: يا ليتني حاولت فتح النوافذ الأخرى، يا حسرتي على الإجازة التي لم أستفد بها إلا يسيرًا.
هذا الحسرة لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى جانب حسرة من ينشغل طيلة حياته بطين الأرض، ويستخدم جزءًا يسيرًا من عقله للحفاظ على حياته الطينية دون أن يحاول فتح نوافذه ليطل من خلالها على العالم الكبير الذي خُلق لأجله.