ليس المقصد من بذل الجهد في سبيل الله ترك الدنيا، والتفرغ للدعوة؛ فالإسلام لا يصادم الفطرة، بل يلبي احتياجاتها دون إفراط أو تفريط كما قال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «.. فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا» (١).
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٣٠ ]
فمن الضروري أن يكون هناك جزءًا معتبرًا من حركة المسلم مخصصًا لتلبية احتياجاته، واحتياجات من يعولهم دون إخلال بواجباته الدعوية كما سيأتي بيانه. ولكي يستفيد المرء من هذا الجزء المعتبر من الجهد المبذول؛ من المناسب أن يتعلم ويكتسب بعض المهارات التي من شأنها أن تحسن أداءه، والتي يطلقون عليها مسمي «تطوير الذات»، ومن أمثلة تلك المهارات:
إدارة الوقت، التواصل مع الآخرين، التخطيط، فن التعامل مع الزوجة والأولاد، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة الحذر من الانبهار بهذا الأمر والانسياق وراءه بالدرجة التي تشغل الوقت والفكر، وتبعد المسلم عن مهمته الأساسية في إصلاح نفسه ودعوة غيره.
إن هذه المهارات ينبغي أن تكون كالمُحسِّنات للطعام، فهي لا تصنع شخصية متكاملة، ولا تبني فكرا، ولا تنور قلبا، ولا تزكي نفسا.
بالفعل هي تُحسِّن الأداء -بعون الله- ولكن لابد من وضعها في مكانها الطبيعي في سلم أولويات التربية حتى لا ينساق المرء وراء بريق شعاراتها، وبما تحققه من نجاح سريع في بعض الجزئيات، فتأتي عنده بنتيجة عكسية، ويظن أن إتقانه لعدد من المهارات كفيل بتكوين شخصيته، وتقويم سلوكه، وأن ما ينقص الأمة هو الاهتمام أكثر بهذه المهارات .. كل ذلك قد يحدث نتيجة الفراغ الداخلي، وعدم وضوح الرؤية لطبيعة وظيفة المسلم على الأرض.
ونعود فنؤكد بأن هذا الكلام ليس معناه الزهد في هذا (الفن) بل معناه وضعه في حجمه الطبيعي، فالحكمة ضالة المؤمن أنَّي وجدها فهو أولى الناس بها.
بذل الجهد في سبيل الله:
بالإضافة إلى حركة المرء لتلبية احتياجاته المعيشية؛ فإن على المسلم أن يكون له جهد وحركة في سبيل الله من خلال محورين أساسيين: