الإعجاب بالنفس كما يُعرفه عبد الله بن المبارك: «أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك» (٥).
فعندما يرى المرء أنه يملك أشياء ذاتية لا يملكها غيره، وأنه يفَضُلُهم بها فقد تلبس بالعجب.
وعندما يرى المرء أنه يملك أشياء ذاتية يمكنه -من خلال الاستعانة بها- تحقيق ما يريد فقد تلبَّس بالعجب.
فإن قلت: ولكني بالفعل عندي أشياء ليست عند غيري .. عندي صوت حسن، عندي سرعة بديهة، عندي مقدرة على الاستيعاب.
في الحقيقة هذه الأشياء ما هي إلا إمكانات وهبها الله لك، فهي ملك لربك "إِنَّا للهِ" [البقرة: ١٥٦].
وقد أعارك إياها لأجل مسمى "للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ" [المائدة: ١٢٠].
وسيستردها منك متى شاء "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ" [آل عمران: ٢٦]،"إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" [مريم: ٤٠].
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٥٤).
(٢) صحيح، رواه الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وأورده الألباني في صحيح الجامع (٦١٥٧).
(٣) حسن: أخرجه الطيالسي عن ابن عمر، وأورده الألباني في صحيح الجامع (٣٠٤٥).
(٤) الأخفياء لوليد سعيد باحكم ص ١٢٩ - دار الأندلس الخضراء- جدة - نقلا عن تاريخ الطبري ٣/ ٣٨٥.
(٥) سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ٤٠٧ - مؤسسة الرسالة- بيروت.
[ ٢٦ ]
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الإمكانات لا يمكنها بذاتها أن تُحدث وتنشئ النتائج، فالله ﷿ هو الذي يبث فيها الفاعلية لحظة بلحظة، وآنًا بآنٍ "وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى" [القمر: ٤٣].
"هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ" [يونس: ٢٢].
فكيف تُعجب بشيء ليس ملكك؟ وكيف تفرح بشيء لا يمكنك استخدامه ولا تفعيله بدون مدد الله؟
إذا أردت أن تعجب وتفرح، فافرح بربك الذي وهبك هذه الإمكانات، ومكنك من استخدامها "فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ" [آل عمران: ١٧٠].
هذا بخصوص الإعجاب بالنفس وبإمكاناتها.
أما الإعجاب بالعمل فهو أن ينسب المرء أي نجاح يحققه لنفسه، وينسى أن الله ﷿ هو المتفضل عليه بالإعانة والتوفيق والإمداد.
قال المحاسبي: «العجب هو حمد النفس على ما عملت أو علمت، ونسيان أن النعم من الله ﷿» (١).
(والعجب خاطر يهيج في داخلك يدعوك لاستعظام عملك واستكثاره، فتقول في نفسك: لقد قويت وصبرت واستطعت فعل كذا .. لقد جاهدت .. لقد فهمت كذا .. صمت في يوم شديد الحر .. لقد أنفقت كذا، فرحًا من نفسك بقوتها، معظمًا لها، مع نسيان نعمة الله عليك في القيام بذلك) (٢).