لو كان العقل هو الذي يحرك الإنسان، لكانت المعرفة العقلية وحدها تكفي كدافع للسلوك إلا أن الأمر ليس كذلك، فمع أهمية المعرفة وضرورتها كبوابة أساسية لتحقيق العبودية ومن ثم الاستقامة؛ إلا أنها لا تكفي لتغيير السلوك .. لماذا؟!
لأن الذي يصدر الأوامر بالحركة الإرادية داخل الإنسان هو القلب وليس العقل.
_________________
(١) أي معلومة يتلقاها الإنسان من خلال سمعه أو بصره أو حواسه المختلفة تذهب إلى جزء في العقل يسمى (العقل المدرك) أو (الشعور)، فإذا قبلها العقل المدرك انتقلت إلى الجزء الآخر من العقل وهو (الغير مدرك) أو (اللاشعور)، والذي يشكل منطقة العلم الراسخ، أو اليقين، أو المعتقدات، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، ولكي يستقر مدلول المعلومة في منطقة اللاشعور لابد من تكرار مرورها على العقل المدرك مرات ومرات فيمررها إلى (اللاشعور) حتى تستقر فيه .. مثال: تعلم قيادة السيارة: في البداية يتم تحصيل المعلومات بالعقل المدرك، واستخدامها به كذلك وهذا يظهر من خلال تركيز السائق الشديد في القيادة وعدم التجاوب مع أي أحداث تحدث حوله، وبعد تكرار وتكرار مرور معلومات القيادة إلى العقل غير المدرك يحدث استقرار لمدلولها فيه، ومن ثم يمكن للسائق أن يقود السيارة بلا تفكير، بل إنه يمكنه الحديث مع من حوله وهو يقود السيارة، ومثال آخر: تعلم أحكام التجويد وممارستها: في البداية يكون بالعقل المدرك وبعد ذلك يكون بالعقل غير المدرك، وينطق القارئ الآيات بترتيل دون تفكير في مواضع أحكام التجويد.
[ ١٨ ]
فالقلب يعد بمثابة مركز الإرادة واتخاذ القرار، ومنه تنطلق الأوامر بالأفعال الإرادية وما على الجميع إلا التنفيذ .. قال ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب» (١).
هذا القلب تتجاذبه قوتان: «قوة الهوى» وما تميل إليه النفس وتشتهي، وقوة «الإيمان» (أو التصديق والاطمئنان) بما في العقل من أفكار وقناعات، والأقوى منهما وقت اتخاذ القرار هو الذي يستولي على الإرادة، ويوجه القرار لصالحه.
فعندما يسمع المسلم أذان الفجر ويريد أن ينهض من نومه للصلاة فإن صراعًا ينشب داخله، بين إيمانه بأهمية ضرورة القيام لصلاة الفجر وبين هوى نفسه وحبها للراحة والنوم وعدم التعرض للمشقة، فإن استيقظ فإنما أيقظه إيمانه الذي كان أقوى من الهوى في هذه اللحظة، وإن نام فإنما أنامه هواه الذي كان أقوى من إيمانه في هذه اللحظة.
وعندما تقع عين المسلم على وجه امرأة أجنبية عنه، فعليه أن يغض بصره، فإن لم يفعل، فذلك معناه أن هوى نفسه في إطلاق البصر والنظر إلى المرأة في هذه اللحظة كان أقوى من إيمانه بالله، وضرورة طاعة أوامره بغض البصر.
* * فالإيمان هو الدافع للسلوك الإيجابي "وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" [الحج: ٣٢].
* * والهوى هو الدافع للسلوك السلبي "فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ" [القصص: ٥٠].
معنى ذلك أنه إن لم يحدث للمعارف والقناعات الموجودة بالعقل اطمئنان وتصديق قلبي بالقدر الذي يقاوم الهوى المضاد لهذه القناعات وينتصر عليه؛ فإن هذه القناعات لن تترجم إلى سلوك عملي، ومن ثم يصبح كلام المرء وقناعاته في جانب، وسلوكه في جانب آخر.
فلا يكفي المرء اقتناعه بالفكرة لكي يمارس مقتضاها في واقعه العملي، بل لابد من تحويل هذه الفكرة إلى إيمان عميق في القلب ينتصر على الهوى.
ولا يكفي كذلك وجود إيمان بالفكرة في القلب لكي يثمر السلوك المترِجم لها، بل لابد وأن يكون الإيمان أقوى من الهوى المضاد لهذه الفكرة حتى يستطيع الانتصار عليه وقت اتخاذ القرار.
فعلى سبيل المثال: لكي يصبح الإنفاق في سبيل الله سلوكًا دائمًا للعبد؛ لابد من تمكن الإيمان والتصديق والاطمئنان القلبي بأهميته، وفضله حتى يستطيع المرء -بإذن الله- مواجهة قوة هواه الشديدة لحب المال والحرص عليه والشح به.
مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التغذية الدائمة لهذا الإيمان حتى يتمكن المسلم من المقاومة المستمرة لهوى نفسه وشحها.