وعندما ننظر إلى حال المصلحين الذين كان لهم أثر إيجابي في تاريخ
الأمة، نجدهم قد حققوا التوازن بين الاهتمام بتحصيل الزاد وبين الحركة وبذل الجهد في سبيل الله.
يقول القاضي ابن شداد عن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي:
وأما الصلاة، فكان -﵀- شديد المواظبة عليها، حتى إنه ذكر يوما أنه من سنين ما صلى إلا جماعة، وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ من الليل، وإلا أتى بها قبل قيام الفجر، وكان -﵀- يحب سماع القرآن العظيم، وكان خاشع القلب، غزير الدمع، إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته (٦).
وعندما نقرأ في رسائل الإمام المجدد حسن البنا، نجد أن هذا المعنى واضح تمام الوضوح في كلامه.
يقول -﵀- في رسالة إلى أي شيء ندعو الناس:
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٤٧٩.
(٢) رواه أبو داود.
(٣) رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي.
(٥) البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٥٠.
(٦) رهبان الليل لسيد حسن العفاني ١/ ٤٣٥، ٤٣٦.
[ ٣٦ ]
إن مهمة المسلم الحق لخصها الله ﵎ في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" [الحج: ٧٧، ٧٨].
هذا كلام بيِّن لا لبس فيه ولا غموض .. يأمر الله المسلمين أن يركعوا ويسجدوا وأن يقيموا الصلاة، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة.
ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر الدعوة وتعليمها بين الناس.
وقد كشف الله عن سر هذا التكليف وحكمة هذه الفريضة، فبين لهم أنه اجتباهم واصطفاهم دون الناس ليكونوا سُوَّاس خلقه، وأمنائه على شريعته، وورثة رسول الله ﷺ في دعوته .. وتلك هي المهمة الجماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعا .. أن يكونوا صفا واحدًا، وكتلة وقوة، وأن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ البشرية ويهديها سواء السبيل.
ثم أوضح الحق ﵎ للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف الفردية من صلاة وصوم .. بالتكاليف الاجتماعية، وأن الأولى وسيلة للثانية، وأن العقيدة الصحيحة أساسهما معا، حتى لا يكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون لآخرين مندوحة عن القعود عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولون بعباداتهم، مستغرقون في صلتهم بربهم.
ويستطرد قائلا:
أيها المسلمون .. عبادة ربكم، والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون، وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعا فإليكم أسوق قول الله ﵎: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ" (١) [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].