لا بديل -إذن- عن التربية إن أردنا تغييرًا حقيقا، ومن ثم فإن على جميع الدعاة والعاملين للإسلام أن يكون هذا هو هدفهم الأساس حين يتعاملون مع الناس، وأن يوحدوا جهودهم ولا يبعثروها في غير هذا المجال حتى تبدأ الأمة في اليقظة الحقيقية ..
[ ٨ ]
لابد وأن يكون عمل كل من يريد خدمة الإسلام من خلال التواجد بين الناس يأكل مما يأكلون منه، ويشرب مما يشربون، وليس ذلك فحسب بل عليه أن يكون هدفه من تواجده بينهم هو التربية وإحداث أثر إيجابي دائم في ذواتهم من خلال المحاور الأربعة للتربية.
إن المطلوب من خلال التواجد بين الناس ليس فقط مساعدة الفقراء، أو البحث عن عمل للعاطلين أو مواساة المبتلين، أو الصلح بين المتخاصمين، أو افتتاح مراكز لتحفيظ القرآن، أو عقد الندوات، أو ، فكل هذا مع أهميته إلا أنه لا بد أن يوضع في سياق المنظومة التربوية التي تهدف إلى التغيير الشامل والدائم في شخصية المسلم كما أسلفنا، وألا يتم التعامل معها على أنها جُزُر منعزلة ووسائل منفصلة عن بعضها البعض.
من هنا نقول بيقين: إن معركة الإصلاح والتغيير الحقيقي للأمة روحها التربية، ولابد أن يتم تطويع جميع الوسائل لخدمة هذا الأمر، فإن تركنا هذه المعركة فسنظل في أماكننا نراوح بين أقدامنا، ونشتكي من كثرة المحن والابتلاءات التي تمر بالأمة، وسيعلو صراخنا ونحيبنا، وترتفع أيدينا بالدعاء والتضرع إلى الله كلما أصاب المسلمين جرح جديد، وسيعلو صوت الدعاة في الفضائيات وعلى المنابر بأهمية العودة إلى الله، وتغيير ما بالنفس، ثم تهدأ العاصفة ويستقر الجرح في جسد الأمة ويتعود على وجوده الجميع، ثم يتكرر الأمر بعد ذلك مع جرح جديد وهكذا
فإن قلت: ولكن هل من الضروري تربية الأمة جميعا؟!
ليس المطلوب أن يكون جميع الأفراد على مستوى عال ورفيع من الصلاح، فسيظل هناك السابق بالخيرات، والمقتصد، والظالم لنفسه، ولكن يبقى من الضروري توافر الحد الأدنى للصلاح في الأمة.
فالمطلوب هو إصلاح المجتمع بأن تشيع فيه روح الإسلام ومعانيه، وأن تغلب عليه مظاهر العفة، والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، ونكران الذات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستشعار المسؤولية تجاه الأمة والبشرية، وفي المقابل تختفي منه مظاهر السلبية والأنانية والإعجاب بالنفس والتفسخ الأخلاقي، والإباحية ، وهذا لن يتم إلا بجهد تربوي متقصد يبذله الدعاة والعاملون للإسلام مع الناس كلٌ يعمل في محيطه.