الرضا عن النفس والإعجاب بها مرض خطير يعرف طريقه جيدًا إلى النفوس إن لم يتم الانتباه إليه والتحصُّن ضده، والوقوف له بالمرصاد.
ولنعلم جميعًا أنه ليست العبرة في أداء المرء للعمل الصالح فقط، بل في إحسان هذا العمل، وألا تخالطه آفة تفسده، وأعظم آفة تفسد العمل هو إعجاب المرء به، واستعظامه له، والإدلال به، واستشعار صاحبه أن له منزلة خاصة عند الله، أو عند الناس بسبب قيامه بهذا العمل "وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ" [المدثر: ٦].
لابد وأن يكون شعارنا ونحن نقوم بالعمل قول العبد الصالح: "وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ" [الأحقاف: ١٥].
_________________
(١) الرعاية لحقوق الله للمحاسبي ص ٤٢٠ - دار اليقين- المنصورة.
(٢) المصدر السابق ص ٤٢١، ٤٢٢.
(٣) الزهد للإمام أحمد.
(٤) صحيح الجامع الصغير (٥٣٠٣).
(٥) المدخل لابن الحاج ٢/ ٢٥ - دار الكتب العلمية -بيروت.
[ ٢٧ ]
أو بعبارة أخرى: على المرء أن يعمل العمل وأن يجتهد في أن يكون توجهه وقصده ونيته التي تحركه للقيام بهذا العمل هو ابتغاء رضى الله، وليس هذا فحسب، بل عليه أن يستعين به سبحانه على أداء هذا العمل "فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ" [هود: ١٢٣] وبعد العمل، عليه أن يفرح بربه أن أعانه ووفقه للقيام بهذا العمل "قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" [يونس: ٥٨]، وعليه كذلك أن يلازمه الشعور بالتقصير في جنب الله، ومن ثم الاستغفار لأن هذا العمل لا يليق بجلاله، ولا يوفي ولو جزءًا يسيرًا من حقه سبحانه، ودَينْه المستحق عليه .. دين النعم المتوالية بالليل والنهار بشتى أنواعها.
ويدل على أهمية ملازمة هذا الشعور للعبد بعد نجاحه في أداء الطاعة قوله تعالى: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ" [البقرة: ١٩٩] وقوله: "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" [سورة النصر].
جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد أن نبي الله موسى ﵇ مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فأوحى الله إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه (١).
فإن لم نفعل ذلك، وإن سكن المرء إلى نفسه، واستعان بإمكاناته عند أداء العمل، ولم يستعن بربه استعانة حقيقية، ولم ينسب الفضل إليه، وأعجب بنفسه بعد العمل، فقد عرَّض هذا العمل للإحباط والعياذ بالله.