إن النفس البشرية تنزع إلى الطبيعة البدنية وتُغْوى باللذات والشهوات الجسمية، والمعاصي تُضعف القلب عن إرادة الخير، وبذا تقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ منه بالكلية، والمعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضًا.
وما ذاك إلا لعدة أسباب منها:
أولًا: اعتماد العبد على سعة رحمة الله - تعالى - وكرمه وعفوه حتى إن بعض المذنبين من الناس إن كلَّمْتَه ناصحًا أو زاجرًا له عن الآثام رد عليك بأن رحمة الله واسعة وغفرانه يسع الذنوب كلها، ونسي هذا المسكين أن الله - ﷿ - كما أنه واسع المغفرة؛ فهو - ﵎ - شديد العقاب!! وأنه لا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند المكابر.
ثانيًا: أن الشهوة لذة ناجزة والنزوع عن هذه اللذة العاجلة لخوف فوت الآجلة شديد على النفس.
[ ٥٦ ]
ثالثًا: التسويف والاغترار بالأماني، وقد حذَّر الله من ذلك في غير ما آية من كتابه الكريم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
رابعًا: الحرص على جمع المال، وصرف الجهد لتحصيله، وتركيز الفكر حوله، وانشغال القلب بموارد المال ومصادره مما قد يؤدي إلى الغفلة عن المصير المحتوم، ونسيان الاستعداد لما بعد الموت. قال - ﷺ -: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (١).
خامسًا: الغفلة والجهل اللذان يدفعان العبد إلى الفرح بشهوته المحرمة، وهذا الفرح دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها.
سادسًا: استصغار الذنب مما يسبب عدم الخوف من الله.
* * *
_________________
(١) رواه «البخاري» (٦٠٧٢ - ٦٠٧٣) في الرقاق: باب ما يتقى من فتنة المال، ومسلم (١٠٤٨) في الزكاة، باب لو كان لابن آدم واديان لابتغى ثالثًا.
[ ٥٧ ]