إلى من ملأت الغفلة قلبه .. إلى من أسرت الشهوة فؤاده ..
[ ١٧ ]
أيها الغافل! إلى متى الغفلة؟ !
أيها المذنب! إلى متى الخوضُ في أوحال المعاصي؟ !
هل لك في توبة صادقة تمحو بها أدران الذنوب؟ ! هل لك في توبة نصوح تغسل بها أدران المعاصي؟ !
هي التوبة النصوح أغلى من كلِّ غال .. وأنفس من كل نفيس!
قليل أولئك الذين يوفَّقون إليها .. والأكثر يتوبون ثم يرجعون ..
أخي المسلم: أتدري ما هي التوبةُ النصوح؟
قال الإمام القرطبي ﵀: «وأصل التوبة النصوح من الخلوص؛ يقال: هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع».
فحقيقة التوبة النصوح: هجرُ للذنوب والآثام بغير عودة ..
وإليك أقوال العالمين العارفين وهم يدلونك على حقيقة التوبة النصوح:
قال عمر بن الخطاب - ﵁: «يذنب العبد ثم يتوب فلا يعود فيه».
وقال ابن عباس - ﵄: «ألا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه».
وقال ابن مسعود - ﵁: «الرجل يذنب الذنب ثم لا يعود فيه».
وقال سعيد بن المسيب - ﵀: «ما تنصحون بها
[ ١٨ ]
أنفسكم».
وقال قتادة - ﵀: «هي الصادقة الناصحة».
وقال مجاهد - ﵀: «يستغفرون ثم لا يعودون».
وقال الضحاك - ﵀: «أن تتحوَّل عن الذنب ثم لا تعود له أبدًا».
أخي المسلم: تلك هي التوبة النصوح كما أخبرك عنها العارفون، وقد اجتمعت أقوالهم في معناها، وإليك أيضًا هذه الباقة من كلام أهل العلم يُعَرِّفونك بحقيقة التوبة النصوح:
قال محمد بن كعب القرظي - ﵀: «يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيئ الخلَّان».
وقال شقيق البلخي - ﵀: «هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة ولا ينفك من الندامة لينجو من آفاتها بالسلامة».
وقال أبو بكر الدقاق - ﵀: «التوبة النصوح هي: رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات».
أخي المسلم: إن أثر التوبة النَّصوح على المعاصي أشد من أثر الصابون على الثوب الدنس!
والعبد إذا تاب توبة نصوحًا انعكس ذلك في أعماله وأقواله .. فاعتزل الحرام .. وهجر البغيض من الأقوال؛ فكان ذلك بابًا له إلى عمل الصالحات .. وهذا من علامات التوبة الصادقة: أن ترى
[ ١٩ ]
صاحبها على حال هي أحسن من حاله الأولى ..
أخي: إذا فكرت في حقيقة التوبة النصوح وجدتَها نادرة الوجود!
فالتائبون كثيرون .. ولكن قليل أولئك الذين يَصدقون في توبتهم!
وكيف لا تكون نادرة وقد عرَّفها جماعة من الصحابة - ﵃ - فقالوا: (هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع!)
أخي المسلم: صدق العزيمة دواء لكل داء، وبصدق العزيمة يستطيع العاصي أن يقلع عن كل ذنب! وبضعف العزيمة يقع المرء في أمور وأخطاء قبيحة!
ولك أن تنظر في حال هذين الرجلين أيهما أصدق عزيمة!
رجل استيقظ عند بزوغ الفجر .. وفي البرد الشديد .. في وقت تشتاق فيه النفوس إلى الدفء والنوم، ثم توضأ في ذلك البرد .. ثم خرج من بيته وفراشه الدافئ إلى بيت من بيوت الله تعالى ليلبِّي نداء ربه تعالى: حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. والبرد يلفح وجهَه وأطرافه!
ما الذي دعى هذا الرجل إلى ذلك؟ !
أليست هي العزيمة الصادقة في السعي إلى مرضاة الله تعالى؟ !
وهنالك رجل آخر سهر أول ليله في اللهو وهوى النفس! حتى
[ ٢٠ ]
إذا بدت علامات الفجر رمى بنفسه على فراشه .. فاجتمع عليه السهر وحب النوم والدفء وشدة البرد مع ضعف العزيمة!
فأي الرجلين عندك أصدق عزيمة وأوفر مروءة؟ !
وقس على ذلك كل عمل صالح .. فإن من ألزم نفسه بالصلاة في المسجد، تعودت ذلك وهان عليها .. ومن تساهل في ذلك شق عليه وكان الذهاب عنده إلى المسجد كحمل جبل على كاهله!
أخي المسلم: فحقيقة التوبة النصوح عزم صادق على ترك المعاصي، يقابله عزم صادق على فعل الصالحات.
فكن ذا عزم وصدق في توبتك لتستقبل حياة جديدة؛ إذ إن التوبة النصوح كفارة لما مضى من الذنوب.
قال ابن مسعود - ﵁: التوبة النصوح تكفر كل سيئة.
فاصدق أيها المذنب في رجوعك إلى الله تعالى تجد ربك تعالى راضيًا عنك.