أخي المسلم: الرجوع إلى الله تعالى في كل حين ليس بصعب، وليعلم العبد أنه متى أراد التوبة والرجوع إلى ربه تعالى فسيجده قريبًا منه، سامعًا لصوته .. غافرًا لزَلَّته ..
فيا من أسرفتَ في الذنوب .. ويا من أوبقتك المعاصي، أين أنت من باب ربك تعالى؟ !
أين أنت من رحمة غافر الذنوب؟ !
[ ٧ ]
أين أنت من قابل التائبين؟
أين أنت من جابر كسر المذنبين الراجعين؟ !
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
قال ابن عباس - ﵄: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ﷿!
وفي الأثر: لما أهبط الله ﷿ إبليس لعنه الله قال: بعزتك إني لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده!
قال الرب تعالى: «وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها».
أخي المسلم: لا تنسَ أنَّ الله تعالى غنيٌّ عن تعذيب عباده ولا يضرُّه عصيان العاصي، ولا تنفعه طاعة المطيع ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
أخي: كثير أولئك الذين ييأسون من رحمة الله تعالى بسبب ما ارتكبوه من الذنوب والمعاصي ونسوا أن الله تعالى يحبُّ من عباده إذا أذنبوا أن يتوبوا إليه ويستغفروه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]؛ فأين المذنبون من هذا
[ ٨ ]
كلِّه؟ ! فإنك أيها العاصي لن تجد أرحم بك من الله تعالى.
فها هو - ﵎ - يدعوك إلى التَّوبة وقد فتح لك بابها، فلا تكن من القانطين.
قال النبي ﷺ: «إن الله - ﷿ - يبسط يدَه بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». رواه مسلم.
قيل للحسن البصري - ﵀: إن الرجلَ يُذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، إلى متى هذا؟ !
فقال الحسن: لا أعرف هذا إلا من أخلاق المؤمنين!
أخي المسلم: فلا ينبغي لعاقل أن يقنط من رحمة الله تعالى .. ولا يقل: "إن ذنبي كبير". وليعلم أن ذنبَه مهما كان كبيرًا فلن يكون أكبرَ من رحمة الله تعالى ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: «فلا يَحلُّ لأحد أن يَقْنطَ من رحمة الله، ولا أن يُقنط الناس من رحمته؛ لذا قال بعض السلف: وإن الفقيهَ كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله».
فبادر أيها المذنب ثم بادر بالدخول إلى رحمة الله من باب التوبة، ولتعلم أن هذا الباب لا يُغلق إلا يوم أن تبلغ الروح الحلقوم!
قال النبي ﷺ: «إن اللهَ يَقْبَلُ توبةَ العبد ما لم يُغرغر». رواه أحمد والترمذي/ صحيح الترمذي (٣٥٣٧).
[ ٩ ]
وعن مغيث بن سمي قال: كان رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي فبينما هو يسير ذات يوم إذ تفكر فيما سلف فقال: اللهم غفرانك. ثلاث مرات، فأدركه الموت على تلك الحالة فغفر اللهُ له.
فيا أيها العاصي ارحم نفسك ولا تكن من الغافلين عن رحمة الغفور الرحيم ..
أخي: أليس من سعادة التوَّابين أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
أخي: أليس من سعادة التوَّابين أن الله تعالى يفرح بأوبة الراجعين وإقبال المذنبين!
فالتوبة .. التوبة .. وها هو الباب مفتوح وربُّك تعالى يبسط يده بالليل والنهار لقبول التائبين .. وإقالة المذنبين.
* * *