فإن التائب تقبل توبته ما لم يحدث مانع من قبولها، والذي يمنع
[ ١٥ ]
قبول التوبة شيئان: ١ - حضور الأجل ٢ - وطلوع الشمس من مغربها.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨].
قال علي بن أبي طالب ﵁: «لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه، فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ».
وهناك شرط آخر ذكره الإمام القرطبيُّ - ﵀؛ قال: «وقد قيل: من شروطها الاعتراف بالذَّنب وكثرةُ الاستغفار».
أخي المسلم: تلك الشروط ركائزُ قويةٌ لتوبة يرجو بها صاحبها وجهَ الله تعالى .. ولا خير في توبة لا تقوم على تلك الدعائم.
والإتيان بتلك الشروط لابد منه لتوبة صافية صحيحة ..
ولكن تجد الكثيرين وهم ينوون التوبةَ لا يستكملون تلك الشروط، وهؤلاء مَثَلُهم كمثل رجل بنى بنيانًا فأقام بعض دعائمه وأهمل بعضها!
فقَدِّر لبنيان كهذا هل سيستمر ثابتًا؟ !
فإنه حتمًا سيخر على بانيه!
فلتبن أخي لنفسك توبةً تستكمل شروطها وتؤسِّس دعائمها على أساس قويٍّ راسخ ..
[ ١٦ ]
وما على العبد إن هو راجع نفسَه وبحث بين ثناياها حتى يعلم صدقها من كذبها؟ !
ولكن الناس تعوَّدوا التهاونَ في كلِّ شرط يردُّ النَّفسَ عن هواها ويُلزمها طريق الجد!
وأما تلك الشروط التي فيها حفظ للحقوق الدنيوية فتجد الناس حازمين فيها، يطلبون فيها أعلى درجات الكمال! ! وكل ذلك من ضعف البصيرة وتشتُّت نور الإيمان والإقبال على دار الغرور.
ومن استنارت بصيرتُه سعى لإدراك الباقي وأعرض عن الفاني، فاجعل أخي ديدنك دائمًا النظر في حقوق الله تعالى أولًا ثم النظر في حقوقك، ومن كان هذا وصفُه لم يضيع اللهُ حقوقَه ولم يَكله إلى نفسه .. وهَوَّنَ الله له سائر أموره، ورفع درجتَه يوم لقائه.
فانظر أخي في تلك الشروط نظرَ مشفق على نفسه باحث لها عن سبيل نجاتها.
وإن العاقلَ مَنْ حاسب نفسَه على تفريطها .. وألزمها المحجَّةَ الواضحة إن هي تنكَّبَت الطريق.
وصدق التوبة طريق إلى صدق العمل .. وصدق العمل طريق إلى حسن الخاتمة، وحسن الخاتمة طريق إلى الجنة.