أخي المسلم: لقد نادى الله تعالى عباده نداءَ رحيم إذ يقول تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
قال الإمام القرطبي: (وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى فلا تتركوا التوبة في كل حال).
وعن هذه الآية قال الإمام ابن القيم ﵀: وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ..
وقال طلق بن حبيب - ﵀: إن حقوقَ الله أعظم من أن يقوم بها العبد ولكن أصبِحُوا تائبين وأمسوا تائبين.
[ ٥ ]
أخي: الرجوع إلى الله تعالى خُلُقٌ ثابت للمؤمن؛ فهو في كل أحواله راجع إلى الله تعالى .. منيبًا إلى ربه ﵎.
أخي: أليس عجيبًا أن يخبرنا النبي ﷺ عن نفسه: أنه يتوب إلى الله في يومه أكثر من مرة؟ ! !
قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة!» رواه مسلم.
ذاك هو نبينا ﷺ يخبرك بكثرة إنابته ورجوعه إلى الله تعالى وهو الذي غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فكيف بك أيها الإنسان؟ ! !
أخي: الرجوع إلى الله ضرورةٌ تحتاج إليها كحاجتك إلى الطَّعام والشَّراب! وإلا فأين أنت من قول الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيَّنوا للعرض الأكبر؛ يومئذ تُعرضون لا تخفى منكم خافية».
أخي المسلم: ذاك هو خلق المسلم الصادق، محاسبة النفس .. ومراجعة الطريق الصحيح .. وسَوقُه لهذه النفس اللجوء إلى طاعة ربها تعالى .. حتى تستقيم على الهدى والرشاد.
قال الحسن البصري - ﵀ وهو يقف عند قوله تعالى ﴿لَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوَّامَةِ﴾: لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز
[ ٦ ]
يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه.
أخي المسلم: اجعل التوبة دائمًا من شغلك .. ولا تستح وأنت تطرق باب ربك تعالى في صباحك ومسائك.
أخي: كما أنك تفكر في صباح كل يوم في معاشك وزادك في الدنيا .. ففكر أيضا في رجوعك إلى الله تعالى؛ فتزوَّد ليوم معادك؛ فإن من أراد السفر إلى مكان تفقَّد متاعَه وزادَه، فأكمل الناقص، وسفرك إلى الله تعالى خير ما تتفقد من أجله التوبة والرجوع إلى الله في كل حين .. ومن علم أنه راجع إلى الله تعالى تهيأ لذلك بما يليق بهذا اللقاء .. فقبيح بك أن تلقى الله - تعالى - على حال لا يرضاها! فما حُجَّتُك يومها؟ ! وما عُذْرُك أمام مَنْ لا تخفى عليه خافية؟ ! !
* * *