يقوم الإرشاد باللعب على أسس نفسية لها أصولها في ميادين علم النفس العام وعلم النفس النمو وعلم النفس العلاجي.
فاللعب بصفة عامة هو أي سلوك يقوم به الفرد دون غاية عملية مسبقة. وتحاول
[ ٣٨١ ]
نظريات اللعب تفسير لماذ لا بد أن يلعب الأشخاص في كل الأعمار، فنجد منها نظرية الطاقة الزائدة التي تعتبر اللعب تنفيسا ضروريا للطاقة الزائدة عند الفرد. وهناك نظرية الغريزية التي تقول: إن اللعب يستند إلى أساس غريزي، فهو نشاط ضروري لتدريب وتهذيب الغرائز والدوافع مثل المقاتلة والعدوان، وهناك نظرية التلخيص ما كان يعمله أجداده، بل يلخص تاريخ الجنس البشري كله، وهناك نظرية تجديد النشاط بالتسلية والرياضة كشيء ضروري بعد التعب والإجهاد في العمل.
ونحن نعلم في علم نفس النمو أن اللعب يكاد يكون "مهنة الطفل" ويعتبر أحد الأساليب الهامة التي يعبر بها الطفل عن نفسه، ويفهم عن طريقها العالم من حوله، وهو أيضا نشاط ضروري في كل الأعمار، ولكنه يختلف في مراحل النمو المتتالية، ففي الطفولة المبكرة يكون بسيطا وعضليا وفرديا، ثم يتجه إلى المشاركة الجماعية مع أصدقاء اللعب ويشاهد اللعب الإيهامي، ويتمايز لعب الذكور عن لعب الإناث، فالبنت تدلل عروستها كما تدلل الأم طفلها، والذكر يلعب بالطائرة والصاروخ كما يتعامل معها الرجال. وفي الطفولة المتأخرة تظهر بعض الألعاب الجماعية، ثم تظهر الهوايات وتبرز الميول والاهتمامات. وفي المراهقة المبكرة تبدأ المباريات واللعب الجماعي والترفيه وتتضح روح الجماعة، وفي المراهقة الوسطى والمتأخرة يظهر التمسك بقواعد اللعب.
وفي علم النفس العلاجي: نجد أساسا متينا يقوم عليه الإرشاد باللعب، فاللعب حاجة نفسية اجتماعية لا بد أن تشبع. واللعب مخرج وعلاج لمواقف الإحباط في الحياة اليومية، فالطفل الذي لا يختاره أقرانه في موقف قيادي، قد يجد مخرجا في وضع لعبة في صف ويقودها ويتولى الموقف القيادي الذي افتقده، واللعب نشاط دفاعي تعويضي، فالطفل الذي يفتقد العطف والاهتمام داخل المنزل يعوض ذلك عن طريق اللعب مع رفاق يحبونه ويهتمون به خارج المنزل، واللعب الإيهامي المفرد يدل على فشل في التوافق مع الحياة الواقعية، واللعب يعتبر تمثيلا صادقا يعرض متاعب الأطفال.
حجرة اللعب:
تخصص في عيادة أو مركز الإرشاد حجرة أو حجرات للإرشاد باللعب، تضم لعبا متنوعة الشكل والحجم والموضوع، وتمثل الأشخاص والأشياء الهامة في حياة الطفل والتي توجد في مجالهم السلوكي وتعتبر بمثابة مدروسة لسلوك الطفل، ولقد تخصصت الكثير من
[ ٣٨٢ ]
الشركات العالمية -كما في اليابان مثلا- في صناعة لعب الأطفال المدروسة عمليا بحيث تناسب النشاط الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي للأطفال في كافة الأعمار.
ويلاحظ أن اللعب والأدوات التي توجد في حجرة اللعب يجب أن تكون غير قابلة للكسر ولا تكون غالية الثمن.
ومن أمثلة اللعب التي تضمها حجرة اللعب: الدمى والتماثيل التي تمثل أعضاء الأسرة ورجال الشرطة والسلطة، واللعب التي تمثل الحيوانات والطيور، وقطع تمثل مواد البناء وقطع الأثاث المنزلي والأدوات المنزلية، وقطع قماش تمثل الملابس والمفروشات، ولعب تمثل وسائل المواصلات المتنوعة، ولعب تمثل الأسلحة المختلفة، علاوة على أحواض الرمل والماء والدلاء والجواريف، وطين الصلصال، والأقلام والألوان وورق الرسم، وبعض الأقنعة، والأدوات الأخرى التي يألفها الطفل مثل الأرجوحة والأراجوز، وبعض الأدوات الموسيقية، وتزود حجرة اللعب بالكراسي والمناضد المناسبة للأطفال.
استخدام اللعب في التشخيص:
يمكن دراسة سلوك الطفل عن طريق ملاحظته: أثناء اللعب بهدف تشخيص مشكلاته، ومن المهم أيضا ملاحظة سلوك الطفل أثناء اللعب خارج حجرة اللعب وخارج جلسات الإرشاد حين يعود الطفل إلى بيته وأسرته.
ويلاحظ أن الطفل المضطرب نفسيا يسلك في لعبه سلوكا يختلف عن الطفل العادي الصحيح نفسيا. فالطفل عادة يعبر رمزيا أثناء لعبه عن خبراته في عالم الواقع. ويعبر الطفل المضطرب نفسيا عن مشكلاته وصراعاته وحاجاته غير المشبعة وافعالاته المشحونة أثناء لعبه، وهو يسقط كل ذلك على الدمى واللعب، وهذا يسهل تشخيصها.
[ ٣٨٣ ]
وأثناء اللعب الجماعي والتفاعل الاجتماعي مع الرفاق "ومع الدمى"، يمكن معرفة الكثير عن المشكلات وأسبابها وخاصة في العلاقات الاجتماعية بصفة عامة والأسرية بصفة خاصة.
ويستفيد المرشد من الكثير مما يلاحظه على سلوك الطفل أثناء اللعب، ومثل: سن رفاق اللعب، ومدى الاستمتاع باللعب، والحالة الانفعالية أثناءه، وتحديد الشخصيات في اللعب، ومدى ظهور دلائل الابتكار، مع تحديد درجة السواء والاضطراب في كل حالة.
وقد تستخدم بعض اختبارات اللعب الإسقاطية كوسيلة هامة في التشيخص، ومن أمثلتها اختبار العالم١، وضع مارجريت لوفن فيلد، وتقنين شارولت بوهلر Buhler، ويتكون من لعب صغيرة كالدمى والحيوانات والبيوت والأشجار والأسوار والعربات إلخ، ويمكن أن يكون بها قرية أو مدينة أو مزرعة أو حديقة حيوان أو غابة أو مطار إلخ، واختبار المشهد أو المنظر وضع جيرد هيلد فون شتابس Staabs، ويتكون من مجموعة من اللعب والدمى يمكن ثنيها، وتمثل شخصيات لها اتصال بحياة الطفل، وكذلك على عدد من الحيوانات الأليفة والمفترسة والأدوات إلخ، مما يساعد الطفل على التعبير عن انفعالاته ورغباته الشعورية واللاشعورية "سيد غنيم وهدى برادة، ١٩٦٤".
استخدام اللعب في الإرشاد:
يلجأ المرشد إلى اللعب كطريقة هامة لضبط وتوجيه وتصحيح سلوك الطفل.
ويستخدم اللعب لدعم النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي المتكامل والمتوازن للطفل، فهو يقويه جسيما ويراوده بمعلومات عامة ومعايير اجتماعية ويضبط انفعالاته.
ويستخدم اللعب في إشباع حاجات الطفل مثل حاجاته إلى اللعب نفسه حين يلعب، وحاجاته إلى التملك حين يشعر أن هناك أشياء يتملكها، وحاجته إلى السيطرة حين يشعر أن هناك أجزاء من بيئته يسيطر عليها، وحاجاته إلى الاستقلال حين يلعب في حرية ويعبر عن نفسه بالطريقة التي يفضلها من دون توجيه من الآخرين.
_________________
(١) ١ استخدمته لوسيل لويس برسوم "١٩٧٩" في "دراسة لاستجابات أطفال الحضانة لبعض أدوات اللعب" رسالة ماجستير، كلية التربية جامعة عين شمس.
[ ٣٨٤ ]
ويتيح اللعب فرصة التعبير والتنفيس الانفعالي عن التوترات التي تنشأ عن الصراع والإحباط، ويظهر ذلك عندما يعبر الطفل عن مشكلاته وهو يتعامل مع اللعب "حركة وكلاما" وحين يكرر مواقف تمس مشكلاته الانفعالية ويعبر عن انفعالاته ويفرغها.
وقد يجد الطفل أثناء لعبه حلا لصراعاته وحتى مشكلاته، فمثلا في بعض الأحيان قد يهمل الطفل دمية تمثل شخصا معينا أو يرفضها أو يحطمها إلخ، وهذا كله له أهمية بالغة في فهم انفعالاته وتنفيسها "موزر وموزر Moser & Moser؛ ١٩٦٣".
ويستخدم اللعب أيضا لتحقيق أغراض وقائية وذلك مثلا عن طريق تقديم الطفل لخبرة ميلاد طفل جديد، حتى يتقي شر ردود الفعل المعروفة حين يفاجأ بهذا الميلاد.
ويحتاج الإرشاد باللعب إلى مرشد ذي شخصية وقدرات تناسب التعامل مع الأطفال، يحتاج إلى فهم وصبر وحساسية ومرح وشعور بالوالدية. وقد يشرك المرشد الوالدين أو غيرهما من أفراد الأسرة أو أعضاء هيئة التدريس في المدرسة أو رفاق الطفل في جلسات الإرشاد باللعب.
ويلاحظ أن المرشد قد يصبح موضوعا لطارئ التحويل الموجب أو السالب، وهنا يتصرف مستغلا التحويل بما يساعد الطفل، ثم يحلل التحويل ويضع الأمور في نصابها.
أساليب الإرشاد باللعب:
يكون المرشد العلاقة الإرشادية المناسبة مع الطفل، ويهيئ مناخا نفسيا ملائما يسوده التقبل، ويصحب الطفل إلى حجرة اللعب، ويتبع المرشد أحد الأساليب الآتية في الإرشاد باللعب:
اللعب الحر: وهو غير محدد Unstructured تترك فيه الحرية للطفل لاختيار اللعب، وإعداد مسرح اللعب وتركه يلعب بما يشاء وبالطريقة التي يراها دون تهديد أو لوم أو استنكار أو رقابة أو عقاب. وقد يشارك الرشد في اللعب وقد لا يشارك، وذلك حسب رغبة الطفل وقد يتخذ المرشد موقفا متدرجا فيكتفي أول الأمر بملاحظة الطفل وهو يلعب وحده ثم يشترك معه تدريجيا ليقدم مساعدات أو تفسيرات لدوافع الطفل ومشاعره بما يتناسب مع عمره وحالته.
اللعب المحدد Structured: وهو لعب موجه مخطط، وفيه يحدد المرشد مسرح اللعب ويختار اللعب والأدوات بما يتناسب مع عمر الطفل وخبرته، وبحيث تكون مألوفة له حتى
[ ٣٨٥ ]
تستثير نشاطا واقعيا أو أقرب إلى الواقع، ويصمم اللعب بما يناسب مشكلة الطفل. فمثلا في حالة مشكلة أسرية لطفل ريفي تتكون أسرته من والديه وإخوته الستة من الجنسين وآخرهم طفل وليد بالإضافة إلى جديه، تعد الدمى التي تمثل هؤلاء جنسا وعددا، وتعد كذلك الأدوات التي تمثل المنزل الريفي والبيئة الريفية من حيوانات وأشجار إلخ، ثم يترك الطفل يلعب في مناخ يسوده العطف والتقبل. وغالبا يشترك المرشد في اللعب، وهو حين يفعل ذلك يعكس مشاعر الطفل ويوضحها له حتى يدرك نفسه ويعرف إمكاناته ويحقق ذاته ويفكر لنفسه ويتخذ قراراته بنفسه.
اللعب بطريقة الإرشاد السلوكي: هناك بعض الحالات التي يستخدم فيها اللعب بطريقة الإرشاد السلوكي، فمثلا في حالات الخواف من حيونات معينة يمكن تحصين الطفل تدريجيا بتعويده على اللعب بدمى هذه الحيوانات في مواقف آمنة سارة متدرجة ومتكررة حتى تتكون ألفة تذهب بالحساسية والخواف مبدئيا، ويمكن أن يلي ذلك زيارات لحديقة الحيوان لمشاهدة هذه الحيوانات في استرخاء دون خوف.
فوائد الإرشاد باللعب:
لا شك أن الإرشاد باللعب طريقة مفيدة متعددة المزايا، وفيما يلي أهم فوائد الإرشاد باللعب:
- هو أنسب الطرق لإرشاد الطفل.
- يستفاد منه تعليميا وتشخيصيا وعلاجيا في نفس الوقت.
- يتيح خبرات نمو بالنسبة للطفل في مواقف مناسبة لمرحلة نموه.
- يساعد الطفل على الاستبصار بطريقة تناسب عمره.
- يتيح فرصة التعبير الاجتماعي في شكل "بروفة" مصغرة لما في العالم الواقعي الخارجي.
- يعتبر مجالا سمحا يتيح فرصة التنفيس الانفعالي ويخفف عن الطفل التوتر الانفعالي.
- يمثل فرصة لإشراك الوالدين والتعامل معهما في عملية الإرشاد.
[ ٣٨٦ ]