تقدم خدمات الإرشاد النفسي لجميع المواطنين، وفي كل المؤسسات الاجتماعية. لكن المؤسسات التربوية تحظى بالنصيب الأوفر، لأنها هي المؤسسات التي يوكلها المجتمع لتربية
[ ٣٧٢ ]
المواطنين الصالحين الأصحاء جسميا ونفسيا. ولذلك نجد من طريق الإرشاد طريقة اتخذت لنفسها اسما من هذا الواقع، وهي طريقة الإرشاد خلال العملية التربوية، التي تعتبر أكثر الطرق فائدة وعملية بالنسبة للمربين.
ولقد اهتم الكثيرون من الكتاب بطريقة الإرشاد خلال العملية التربوية، فنجد الكثير من الكتب بهذا العنوان، تركز على الإرشاد في المدرسة، ونجد الكثير من المدارس تتخصص في التربية الإرشادية أو التربية العلاجية١ كذلك اهتم الكثيرون من الدارسين والباحثين بهذه الطريقة "تيلور Taylor؛ ١٩٧١".
ولا تقصد هذه الطريقة أن تتحول العملية التربوية إلى عملية إرشاد نفسي، ولكنها تقصد إلى إدماج خدمات الإرشاد النفسي ضمن العملية التربوية.
والإرشاد خلال العملية التربوية هو تقديم الخدمات الإرشادية مندمجة في ومن خلال العملية التربوية ككل في إطار برنامج محدد، بحيث تتفق أهداف العملية الإرشادية مع أهداف العملية التربوية ككل.
أسس الإرشاد خلال العملية التربوية:
نحن نعلم أن التربية عملية حياة يتعلم فيها الفرد الحياة عن طريق نشاطه وبتوجيه وإرشاد من المربي، والفرد -وهو يعيش حياته- يحتاج إلى إشراف على نموه ويحتاج إلى العلم والتربية، وهو أيضا -وهو يعيش حياته- يحتاج إلى تعلم مهارات اجتماعية، ومن مسئوليات المدرسة كما نعلم تقديم جرعة تربوية شاملة تؤدي إلى النمو العام، في تعاون مع الأسرة ووسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات التربوية.
والتربية عملية هامة توجه لتحقيق التوافق النفسي بصفة عامة كهدف هام ضمن أهدافها. ويجب تعليم الفرد كيف يحقق التوازن بينه وبين البيئة والمجال الذي يعيش فيه حتى يشعر بالسعادة شخصيا واجتماعيا كإنسان صالح. ويعرف هذا الاتجاه التربوي باسم "التربية من أجل التوافق".
والتربية عملية تهتم بإعداد الإنسان الصالح القادر على مواجهة وحل المشكلات العامة والاجتماعية والشخصية في الحياة.
كذلك فإن هناك تشابها "وليس تطابقا" بين العملية التربوية وعملية الإرشاد النفسي هدفا ووظيفة واستراتيجية ومنهجا، فكلتاهما تسعيان إلى تحقيق التوافق والسعادة في
_________________
(١) ١ من الأمثلة على ذلك: The Marianne Frostig School of Education Therapy، Los Angles. التي تهتم بصفة خاصة بتربية وإرشاد وعلاج من لديهم صعوبات في التعلم والمعوقين.
[ ٣٧٣ ]
الحياة بطريقة أفضل في إطار فلسفة المجتمع ككل، وكل من العملية التربوية وعملية الإرشاد تتضمن عملية التعلم التي يكون فيها المتعلم نشطا يعمل الكثير لنفسه بتوجيه وإرشاد المربي أو المرشد الذي أصبح اسمه "المعلم المرشد".
وهناك الحاجة الملحة إلى إدخال برامج الإرشاد النفسي التنموي والوقائي إلى جميع المدارس ولجميع التلاميذ، وخاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة.
وفي جميع المدارس هناك أمور هامة تحتاج إلى خدمات الإرشاد مثل اتخاذ القرارات بخصوص الخطط التربوية وسلم التعليم والمراحل التالية وترك المدرسة والذهاب إلى العمل إلخ.
وبالإضافة إلى ذلك، فلا توجد مدرسة ليس فيها مشكلات تحتاج إلى عملية الإرشاد على المستوى العلاجي مثل مشكلات التعلم وبعض المشكلات المدرسية والانفعالية.
أساليب الإرشاد خلال العملية التربوية:
تتبع كافة الأساليب لدمج خدمات الإرشاد النفسي في العملية التربوية بكافة أنشطتها من خلال المناهج المدرسية داخل الفصول وخارجها، وفيما يلي أهم أساليب الإرشاد خلال العملية التربوية.
الإرشاد خلال المناهج:
يهتم المنهج المدرسي في المدرسة التقدمية الحديثة بحاجات التلاميذ وحاجات المجتمع، باعتباره مجموع الخبرات التي يمد بها التلاميذ لإشباع حاجاتهم الفردية والاجتماعية، ويهتم المنهج بمشكلات النمو العادي العامة التي توجد لدى معظم التلاميذ.
ويرى بعض واضعي المناهج الذين يشتركون في تخطيط برنامج الإرشاد النفسي أن المنهج المحوري يمكن أن يدور حول حاجات ومشكلات التلاميذ، إلى جانب الحياة التعاونية اللازمة للحياة في المجتمع، وبذلك يجمع بين التربية والإرشاد، ويحبذون إعداد وحدات دارسية تدور حول حاجات التلاميذ النفسية والاجتماعية مندمجة مع برامج الدراسة العادية، وتكون هذه الوحدات إما مضافة للمواد الدراسية أو محورا تدور حوله المادة المستقاة من عدة مواد دراسية، ومن أمثلة هذه الوحدات: "الصحة" وتتناول الصحة النفسية والجسمية، ودراسة الأسرة والعلاقات الإنسانية، ومشكلات النمو والزواج، والمسئولية الاجتماعية، ومشكلات أوقات الفراغ "سعد جلال، ١٩٧٦".
وهناك الكثير من المواد الدراسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمجالات الإرشاد النفسي مثل العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، فمثلا في المواد الاجتماعية بصفة عامة
[ ٣٧٤ ]
والجعرافيا بصفة خاصة يمكن تناول اقتصاديات الدولة وعالم المهنة وأنواع العمل الموجود والمطلوب والتدريب المهني إلخ، وهذا يفيد في مجال الإرشاد المهني، وهكذا بالنسبة لمجالات الإرشاد الأخرى وحتى في دروس اللغات يمكن الاستفادة منها في كتابة التقارير الذاتية للتلاميذ وتناول موضوعات مثل "مستقبلي".
وهناك الدور الهام الذي تلعبه المكتبة وما فيها من مصادر للمعرفة بالنسبة للكثير مما يحتاجه الطلاب في عملية الإرشاد، ويمكن الاستفادة من ساعات المكتبة والقراءات الحرة وما يقوم به الطلاب من إعداد مجلات المدرسة ومجلات الأسر والفصول والحائط في الإرشاد بالقراءة.
كذلك تفيد جمعيات ونوادي المواد المختلفة مثل جمعية المواد الاجتماعية ونوادي العلوم حين توجه أنشطتها لتخدم أهداف الإرشاد النفسي.
الإرشاد خلال النشاط المدرسي:
يتنوع برنامج النشاط المدرسي "الممركز حول التلميذ" فيشمل الجمعيات المختلفة التي تضم إليها الطلبة، بما في ذلك الرحلات العلمية والترفيهية، والحفلات إلخ، ويمكن تنظيم جميعات خاصة مثل جمعيات الندوات حيث يدعى متحدثون لتناول الموضوعات التي تهم الطلاب شخصيا وتربويا ومهنيا، وجمعيات الأفلام حيث تعرض أفلاما هادفة تتعلق بمجالات الإرشاد المتنوعة بالنمو بصفة عامة وهكذا، وهذه الأنشطة يمكن تنظيمها بحيث تتيح فرصة ممارس خبرات واكتساب مهارات وتنمية مواهب وهوايات وتشجيع النشاط الابتكاري بالإضافة إلى نمو التفاعل الاجتماعي السليم مع الرفاق والمعلمين وغيرهم.
وتتبنى بعض المدارس "نظام الأسر" كنظام تربوي للنشاط المدرسي، حيث تتكون عدد من الأسر المدرسية لكل منها رائد من هيئة المدرسة وأمين سر وأمين صندوق من الطلاب، وينضم لكل منها عدد من الطلاب حيث تستوعب جميع طلبة المدرسة ويمثل كل منها جميع الفصول والصفوف وينتظمون في لجان فرعية مثل اللجنة الثقافية واللجنة الرياضية ولجنة الرحلات ولجنة الحفلات إلخ، وتكون كل لجنة فرقا عملية ورياضية واجتماعية وفنية، ويكون لكل أسرة وكيل منتخب يمثلها في كل فصل وفي الأسرة المدرسية يتجلى نشاط الطلاب وفاعليتهم في مجتمع صغير متماسك يقوم على التعاون البناء والتنافس الهادف والنظام واتخاذ القرارات وتحمل المسئوليات، ويلاحظ أنه في العادة يكون لكل أسرة زيها ونشيدها، وتقوم بدورها في الحكم الذاتي للمدرسة، وفي تنشيط أوجه النشاط المدرسي، وواضح أن هذا كله له ميزته الكثيرة التي تعود بالفائدة تربويا وإرشاديا.
[ ٣٧٥ ]
وهكذا نجد أن النشاط المدرسي يتيح فرصة تعامل المعلمين والمرشدين مع تلاميذهم في جو اجتماعي مناسب لعملية الإرشاد بعيدا عن حدود الفصل والمواد الدراسية وفي إطار من النشاط المحبب إلى الطلاب، وكذلك فإن النشاط المدرسي يمثل قنطرة عبور بين المدرسة والأسرة والمجتمع، ويمكن من التعاون بين مصادر هذه الجهات الثلاث مما يساعد في عملية الإرشاد ويثريها، ويتمثل ذلك في مجالس الآباء والمعلمين، والآباء والمرشدين.
الإرشاد في الفصول:
المعلم وتلاميذه في الفصل يكونون جماعة عادية، والتلاميذ العاديون في أي فصل يحتاجون إلى الإرشاد كحاجة أساسية.
وهناك الكثير من أوجه النشاط التربوي التي يستطيع المعلم المرشد أن يقدم خدمات الإرشاد النفسي في الفصل من خلالها، وبعض هذه الخدمات قد يقدم على مستوى الفصل كجماعة، وبعضها قد يقدم على مستوى فردي، والمعلم في هذه الحالة يجب أن يتخلص من قيود التقيد بالتدريس، التقليدي الذي يحصر نشاطه في تدريس المادة الدراسية فحسب.
والمعلم في الفصل يقوم بعملية الإرشاد ولو على أساس المنهج الوقائي، فيتناول مشكلات الشباب ومشكلات المدرسة ومشكلات الأسرة إلخ.
وهناك فصول تضم فئات خاصة من الطلاب، مثل المتفوقين أو المتخلفين دراسيا أو بطيئي التعلم أو المشاغبين أو المعوقين كالعميان أو الصم أو البكم، وهؤلاء يحتاجون إلى معلم مرشد يطوع العملية التربوية بحيث تتضمن الإرشاد النفسي الملائم للفئة الخاصة التي يتعامل معها.
ويمكن تنظيم فصول خاصة للإرشاد الجماعي لبعض الحالات الخاصة التي تحتاج إلى اهتمام وتركيز خاص، ويطلق عليها في إطار المدرسة -كما في أمريكا مثلا- اسم "الحجرات المنزلية Homerooms أو "الدراسات الخاصة" Special Courses.
[ ٣٧٦ ]