التداعي الحر أو "الترابط الطليق" يعتبر أصلا من الإجراءات الرئيسية في التحليل النفسي، ولكنه يعتبر كذلك من الإجراءات المشتركة في كل طرق الإرشاد والعلاج النفسي.
[ ٢٧٥ ]
ويهدف التداعي الحر أساسا إلى الكشف عن المواد المكبوتة في اللاشعور واستدراجها إلى حيز الشعور.
عملية التداعي الحر:
في التداعي الحر، يترك المرشد للعميل الحرية في أن يطلق العنان لأفكاره وخواطره واتجاهاته وصراعاته ورغباته ومشاعره تسترسل من تلقاء نفسها دون تخطيط ودون اختيار أو تحفظ ودون قيد أو شرط، متناولا تاريخ حياته وخبراته الماضية، دون تقيد بمعناها أو تماسكها أو تسلسلها وحتى دون التقيد بالمنطق، ويطلق العميل العنان بحرية للأفكار تتداعى وتترابط بطلاقة مهما بدت تافهة أو معيبة أو مخجلة أو محرجة أو بغيضة أو مؤلمة أو مستهجنة أو سخيفة أو غريبة أو عديمة الصلة بالموضوع.
ويشبه فرويد Freud العميل أثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق بالجالس بجوار شباك قطار يصف لشخص آخر "المرشد" المناظر المتغيرة المتلاحقة التي يراها ذاكرا كل شيء وأي شيء.
وأثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق يكون المرشد يقظا لما يبدو على وجه العميل من انفعال أو لما يأتيه من حركات عصبية، أو لما يتورط فيه من فلتات اللسان١، أو لما يعتريه من تلعثم أو تردد أو تحرج أو تأخر أو تغير شديد أو توقف مفاجئ في تسلسل التداعي وترابطه، أو لما قد يدلي به من تعليق أو اعتراض على عملية التداعي -وهذه عملية مقاومة- مما يدل على أن العميل يحاول -لا شعوريا عادة- تجنب مواجهة موقف أو خبرة معينة، وهنا يجب أن يتدخل المرشد ليشجع أو يوجه أو يفسر أو يطلب المزيد محاولا الحث على الاسترسال في التداعي الحر والترابط الطليق.
_________________
(١) ١ من أمثلة فلتات اللسان أن إحدى العميلات كانت كبيرة السن ولا ترغب في تحديد تاريخ ميلادها، أبدلت تحديد تاريخ الجلسة الماضية بتحديد تاريخ الميلاد الذي تحرص على عدم ذكره، فبدلا من تاريخ الجلسة وهو ٢٧ /١١/ ١٩٧٤ ذكرت ٢٧ /١١/ ١٩٣٠ وقد اتضح أن تاريخ ميلادها ٢١/ ١٢/ ١٩٣٠. ومن أمثلة فلتات اللسان أيضا ما جاء على لسان عميلة كانت تقرأ ما كتبته عن نفسها بأسلوب السيرة الشخصية "وأقضي أياما طويلة أفكر في ليالي الحب والغرام والمني والأحلام "مع نطق "المنى" بمعنى السائل المنوي". وهكذا تفلت كلمة الحق وتظهر على اللسان دون قصد أثناء الكلام. وفي بعض الأحيان تكون فلتة اللسان بمثابة شرارة انبعثت من نار مستورة تحت الرماد فترشد إلى تلك النار. ولقد قال علي ﵁: "ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر من فلتات لسانه وصفحات وجهه" ويحدث هذا أيضا في زلات القلم. ومن أمثلة زلات القلم ما كتبته امرأة على طلب "مرافقة" الزوج في إعارته خارج مصر أنها ترايد "مراقبة" الزوج.
[ ٢٧٦ ]
وهكذا يؤدي التداعي الحر إلى استخراج الخبرات اللاشعورية إلى حيز الشعور، وإلى الإدراك الشعوري لتلك الخبرات التي لم تكن متاحة شعوريا، وبمعنى آخر فإنه يؤدي إلى استعادة كل ما استبعد بطريق الكبت من اللاشعور إلى الشعور.
وعندما يتم ذلك يعمل المرشد على تدعيم ذات العميل بدرجة تجعلها قادرة على أن تسيطر على القلق الذي يحركه استدراج المكبوت من اللاشعور إلى الشعور.
وبعد ذلك يتم تفسير ما كشف عنه التداعي الحر أو الترابط الطليق.
هذا وتتأثر عملية التداعي الحر بأربعة متغيرات هي: المثيرات الخارجية، والمثيرات الحشوية الحسية، والمواد الشعورية "مثل ما يريد وما لا يريد العميل أن يقوله مما أودع عن قصد في مستودع مفهوم الذات الخاص"، والمواد اللاشعورية المكبوتة، وهذه المتغيرات تتفاعل أثناء إخراج الأفكار والخبرات والأحداث بحرية وانطلاق مرتبطة بأفكار أخرى سابقة تتصل بدورها بالأفكار المكبوتة في اللاشعور.
تعليقات على التداعي الحر:
هناك عدة تعليقات على التداعي الحر أو الترابط الطليق، فهذه كارين هورني Horney ترى أنه مرغوب فيه ولكنه ليس ضروريا في عملية الإرشاد أو العلاج، وتقول إنه ليس من الضروري أن يتناول كل شيء يرد إلى الذهن، ولكنه يمكن أن يقتصر على الاسترسال التلقائي غير المراقب للخبرات الداخلية، ويرى أوتو رانك Rank أنه لا داعي للتداعي الحر لأنه يلفت نظر العميل إلى ماضيه الأليم مع تركه عاجزا عن مواجهة مشكلاته الحالية.
[ ٢٧٧ ]