بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحّمَّدٍ، وَآلِهِ.
الأصل في التوكل (١) قولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧].
وقال المؤمنون: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
وقال ربَّنَا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ٤].
وقال: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ إلى
_________________
(١) لعل من المفيد هنا أن أذكر -بإيجاز- معنى التوكل في اللغة والشرع؛ حيث لم يبينه المؤلف: فهو: في اللغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة، مادة (وك ل): التوكل: تَفَعُّل من الوكالة، بفتح الواو وكسرها: إظهار العجز في الأمر، والإعتماد على غيرك. وقال ابن منظور في لسان العرب، مادة (وك ل): وَكَلَ بالله وتوكَّل عليه، واتَّكل: استسلم له. وفي الشرع؛ جاء في تعريفه عبارات متنوعة للعلماء من السلف فمن بعدهم، ذكر المؤلف منها عن الإِمام أحمد، لما سئل عن التوكل؛ قال: هو: قطع الإستشراف بالإياس من الخلق. ورُوي عن السلف أقوال متقاربة، يكمل بعضها بعضًا، وأجمع تعريف للتوكل ما ذكره الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم، ص ٤٠٩) بقوله: هو: صدق اعتماد القلب على الله -﷿- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة. ولا يكون المؤمن متوكلًا على الله حق توكله إلا بالثقة بالله، وحسن الظن به سبحانه، والتسليم لأمره.
[ ٣٣ ]
قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
وقال مخبرًا عن نبيه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤، ٨٥].
وروى ابن أبي الدنيا (١) باسناده عن عمر: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانا" (٢).
وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" (٣).
وبإسناده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يدخل الجنة من
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن عبيد، أبو بكر البغدادي، عمل مؤدبًا لعددِ من الأمراء، وكان بليغًا واعظًا، له تصانيف كثيرة في الزهد والرقائق غالبها مطبوع، قيل: له ثلائمائة مصنفٍ، قال الذهبي: فيها مخبآت وعجائب. (ت ١٢٨ هـ) -﵀-. انظر: تاريخ بغداد للخطيب (١٠/ ٨٩)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٣٩٧).
(٢) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ١) عن عبيد الله بن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. وأخرجه: أحمد في مسنده (١/ ٣٠) وأبو داود (رقم ٢٣٤٤) وابن ماجة (رقم ٤١٦٤) وابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٠٩) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٥٤) كلهم من طريق عبيد الله بن هبيرة به بلفظه. وصححه ابن حبان والحاكم، والألباني في تخريج كتاب مشكلة الفقر للقرضاوي (ص ٢٤).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٩) من طريق محمد بن كعب عن ابن عباس. وأخرجه: عبد بن حميد في مسنده (رقم ٢٢٥) وأبو نعيم س في حلية الأولياء (٣/ ٢١٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٠١) صححه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لمسند الحارث (٢/ ٩٦٧) كلهم من طريق محمد بن كعب به بلفظه، مع زيادة في أوله وآخره.
[ ٣٤ ]
أمتي سبعون ألفًا بفير حساب؛ لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "اللهم اجعله منهم". قام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "قد سبقك بها عكاشة" (١).
وبإسناده عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: "الطيرة من الشرك، ولكن الله يذهبها بالتوكل" (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٢٥) من طريق هشام عن الحسن عن عمران. وأخرجه مسلم (رقم ٢٢١) من طريق الحكم بن الأعرج عن عمران، بلفظه. والحديث متفق عليه من حديث ابن عباس، أخرجه البخاري (رقم ٦١٧٥) ومسلم (رقم ٢٢٠).
(٢) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٤١) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود. وأخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٣٨) وأبو داود (رقم ٣٩١٠) والترمذي (رقم ١٦١٤) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٩١) والحاكم في مستدركه (١/ ٦٤) كلهم من طريق زر عن ابن مسعود به بلفظه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم والألباني، كما في صحيح الترغيب والترهيب للمنذري (رقم ٣٠٩٨).
[ ٣٥ ]
فصل