تعليق
ذكر أحمد في غير موضع وقد سئل عن الزهد في الدنيا فقال: قصر الأمل (١).
والوجهُ فيه ما نقلته من خط أبي بكر عبد العزيز (٢) في جزء ترجمته العلم، بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: مر بنا النبي - ﷺ - ونحن نصلح خصًّا لنا، فقال: "ما هذا؟ ". فقلت: خصٌّ لنا وَهَى فنحن نصلحه. فقال - ﷺ -: "ما أرى الأمر إلا أسرع من ذلك". وفي لفظ آخر: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (٣).
وبإسناده (٤) عن أبي سعيد الخدري قال: اشترى أسامة بن زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار إلى شهر، قال: فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ألا تعجبون من أسامة اشترى إلى شهر! إن أسامة لطويل الأمل؛ والذي نفسي بيده ما طرفت عينايَ فظننت أن شفري يلتقيان حتى أُقبض، ولا رفعت طرفي إلى السماء فظننت أنِّي واضعه حتى
_________________
(١) ذكره: أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٤٢) وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩١).
(٢) غلام الخلال، وقد تقدمت ترجمته (ص ٣٩).
(٣) أخرجه: أحمد (١٠/ ٤) وأبو داود (رقم ٥٢٣٦) وابن ماجه (رقم ٣٣٧٣) والترمذي (رقم ٢٣٣٥) وقال: حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر في تخريجه لمسند أحمد. والخصُّ: بيت يعمل من الخشب والقصب، سمي بهذا لما فيه من الفُرَج والثقوب. انظر: النهاية في غريب الحديث لإبن الأثير ٢/ ٩٩ - (ح ص ص).
(٤) يعني بإسناد أبي بكر عبد العزيز، غلام الخلال، في الجزء المذكور، ولم أجده، ولذا خرجت ما يأتي من الأحاديث المنقولة عنه من مصادر السنة المتوفرة.
[ ٧١ ]
أُقبض، ولا لَقَمتُ لقمةً فظننتُ أنِّي أُسيغها حتى أغصَّ فيها من الموت". ثم قال: "يا بني آدم، أن كنتم تعقلون فعدُّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين" (١).
ذكر أبو عبد الله، ابن بطة (٢) في أماليه بإسناده عن أبي ذرٍّ أن النبي - ﷺ - قال: "ألا إن الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون لما في يديك أوثق منك لما في يدي الله -﷿-، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أتت أصبتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنها أُبقيت لك" (٣).
وبإسناده (٤) عن جعفر بن محمد (٥)
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٤) وقال: غريب من حديث عطاء وأبي بكر، تفرد به محمد بن حمير. وأخرجه البيهقي في الشعب (رقم ١٠٥٦٤). وقوله: "شفريَّ": طرفيّ الجفنين، وقوله: "لا أُسيغها": لا أبتلعها بسهولة. وقوله: "أغص بها": أشرق بها، فتتوقف في الحلق.
(٢) عبيد الله بن محمد، العكبري، محدث، فقيه من كبار الحنابلة، قيل: لزم بيته أربعين سنةً، فصنف كتبًا تزيد على المائة؛ منها: الإبانة الكبر. ط، والتفرد والعزلة وغيرهما، قال الذهبي: كان صاحب حديث؛ لكنه ضعيف من قبل حفظه. (ت ٣٨٧ هـ) -﵀-. ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ١٤٤) والعبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٣٧).
(٣) أخرجه: الترمذي (رقم ٢٣٤٠) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فيه عمرو بن واقد، منكر الحديث. وأخرجه ابن ماجه (رقم ٤١٠٠) وضعفه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٨)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٧٩): الصحيح وقفه. وضعفه الألباني كما في ضعيف ابن ماجه (رقم ٣١٩٤).
(٤) يعني: بإسناد الإمام ابن بطة، في الأمالي التي ذكرها المؤلف آنفًا، ولم أعثر عليه، وخرجت ما يأتي من الأحاديث المنقولة عنه، من مصادر السنة المتوفرة.
(٥) ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بالصادق، أحد الأئمة الأعلام، قال الإمام أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر. (ت ١٤٨ هـ) -﵀-. انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٦٦) وتقريب التهذيب لإبن حجر (رقم ٩٥٠).
[ ٧٢ ]
عن أبيه (١) عن النبي - ﷺ - قال: "العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل؛ ما لم يدخلوا في الدنيا". قالوا: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: "اتباعهم السلطان، وحبهم الأغنياء. فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دمائكم، فإن الله يبطل حسناتهم" (٢).
وبإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على الناس زمان يدعوفيه المؤمن للعامة، فيقول الله -﷿-: ادع لخاصة نفسك أستجبْ لك، فأما العامة فإني عليهم ساخط" (٣).
وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أفضل العبادة توقع الفرج" (٤).
وبإسناده عن سهل بن سعد الساعدي قال: ما رأيت في زمن النبي - ﷺ - مُنْخُلًا حتى توفي رسول الله - ﷺ -. فقيل له: فكيف كنتم تصنعون، وإنما طعامكم الشعير؟ قال: يطحن أحدُنا الشعير ثم ينسِفه فيتطاير منه ما يتطاير، ويبقى منه ما يبقى (٥).
وبإسناده عن أبي الدرداء قال رسول الله - ﷺ -: "كل شيء ينقص إلا الشر فإنه
_________________
(١) محمد بن علي، المعروف بالباقر، أبو جعفر، كان سيد بني هاشم في زمانه، روى عنه: الستة. (ت ١١٤ هـ) -﵀-. انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٢٥) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣١١).
(٢) أورده الذهبي في تذكرة الموضوعات (١/ ٢٥) وضعفه، وأورد السيوطي نحوه عن أنس في الجامع الصغير، وضعفه الألباني (رقم ٨٣١٩) وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (رقم ٣٠٠) عن علي، وضعفه.
(٣) رواه: أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٨٨) وقال: غريب من حديث صالح، تفرد به داود.
(٤) أخرجه: البيهقي في الشعب (رقم ١١٢٤) وأورده ابن عدي في الكامل (٧/ ١٧٠) وقال: فيه قيس بن الربيع، لا بأس به. وقال القيسراني في ذخيرة الحفاظ (١/ ٤٣١): فيه حكيم بن جبير تركه شعبة. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة. (رقم ٢) من حديث ابن مسعود.
(٥) أخرجه: البخاري (رقم ٥٤١٣).
[ ٧٣ ]
يزاد فيه" (١).
وبإسناده عن أبي أمامة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن من شرار الناس منزلةً يوم القيامة رجل أذهب آخرته بدنيا غيره" (٢).
وبإسناده عن عطية السعدي قال النبي - ﷺ -: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٣).
وبإسناده عن أبي ذر، أن النبي - ﷺ - قال: "ألا إن الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون لما في يدك أوثق منك بما في يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أتت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أُبقيت لك" (٤).
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قال: باسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيقال له حينئذٍ: كفيت،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (رقم ٢٧٥٢٣) وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢٣) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، ورجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (رقم ٤٢٣٨).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (رقم ٣٩٦٦) والطيالسي في مسنده (رقم ٢٣٩٨) والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٧٥٥٩) والبيهقي في الشعب (رقم ٦٩٣٨) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٥) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن. وضعفه الألباني كما في ضعيف ابن ماجه (رقم ٧٩١).
(٣) رواه: الترمذي (رقم ٢٤٥١) وابن ماجه (رقم ٤٢١٥) وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه: ابن رجب كما في فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ١٥) والألباني كما في ضعيف ابن ماجه (رقم ٩٧٧).
(٤) تقدم تخريجه ص ٧٢.
[ ٧٤ ]
ووقيت، وتنحى له الشيطان" (١).
وبإسناده قال: كتب عاملُ إفريقية إلى عمر بن عبد العزيز، يشكو إليه الهوام والعقارب، فكتب إليه: وما على أحدكم إذا أمسى أو أصبح أن يقول: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ الآية [إبراهيم: ١٢]. قال زرعةُ (٢): وهي تنفع من البراغيث (٣).
وبإسناده عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: "الطيرة من الشرك، ولكن الله يذهبها بالتوكل" (٤).
وبإسناده قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من استرقى، واكتوى، فقد برئ من التوكل" (٥).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٢٠). وأخرجه: أبو داود (رقم ٥٠٩٥)، والترمذي (رقم ٣٤٢٦) وقال: حسن صحيح. وحسنه ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٣٣٥). وقال الألباني: صحيح على شرط الشيخين. كما في صحيح الكلم الطيب (ص ٥٩).
(٢) ابن عبد الله الزبيدي، قال أبو حاتم: شيخ مجهول، ضعيف الحديث. وقال الذهبي: قال الأزدي: مجهول. انظر: الجرح والتعديل لأبي حاتم (٣/ ٦٠٦) وميزان الإعتدال للذهبي (٢/ ٧٠).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٢٨)، من طريق بقية بن الوليد عن زرعة الزبيدي عن عبد الله بن كريز. وبقية كثير التدليس عن الضعفاء كما في تقريب التهذيب (رقم ٧٣٧) وقد عنعن، وزرعة تقدم ذكر حاله.
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٥).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٤٣) من طريق العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه مرفوعًا، وأخرجه: أحمد (٤/ ٢٤٩) والترمذي (رقم ٢٠٥٥) وابن ماجه (رقم ٣٤٨٩) وابن حبان (رقم ١٤٠٨) والحاكم (٤/ ٤١٥) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (رقم ٦٠٨١).
[ ٧٥ ]
وبإسناده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من خرج من بيته يريد سفرًا فقال حين يخرج: بسم الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رزق خير ذلك المخرج، وصُرف عنه شره" (١).
روى بعضهم عن النبي - ﷺ - قال: "الزاهدون في الدنيا؛ هم الفائزون في الآخرة" (٢).
أبو داود (٣): سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا يكاد يُرى أحد أنكر من هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل على الأمة (٤).
روى الخلال في الورع بإسناده عن عبد الله بن شقيق (٥) قال: قالوا: يا رسول الله، إن فلانًا لا يفتر من صلاة ولا صيام. فأتاه وهو يصلي، فأخذ بعضده، فقال: "إن هذا أخذ بالعسر وترك اليسر". قالها ثلاثًا. قال: ثم نشله ثلاث نشلات، قال: ثم دفعه في صدره، قال: فخرج من باب من أبواب المسجد؛ فلم يُرَ فيه (٦).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (رقم ٤٥) عن ابنٍ لعثمان عن عثمان بن عفان، وأخرجه: أحمد (١/ ٦٥) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٩١) وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٢٨) وقال: أخرجه أحمد عن رجل لم يسمه عن عثمان. وضعفه الألباني كما في ضعيف الترغيب والترهيب (رقم ٩٩٥).
(٢) لم أجده.
(٣) الإمام سليمان بن الأشعث، السجستاني، صاحب السنن، أحد الكتب الستة المشهورة في الحديث النبوي. (ت ٢٧٥ هـ) -﵀-. ترجمته في: تاريخ بغداد (٩/ ٥٥) وشذرات المذهب (٢/ ١٦٧).
(٤) ذكره ابن قدامة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام (ص ١٧)، وابن رجب في جامع العلوم (٢/ ٩٥).
(٥) العقيلي، أبو عبد الرحمن البصري، تابعي ثقة. (ت ١٠٨ هـ) -﵀-. ترجمته في: تهذيب التهذيب (٥/ ٢٥٣).
(٦) رواه: أحمد (٥/ ٣٢) والبخاري في الأدب المفرد (٣٤١) من طريق ابن شقيق عن =
[ ٧٦ ]
أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد الله: بما بلغ الذين بلغوا حتى ذُكروا؟ قال: بالصدق. قال: وإيش الصدق؟ قال: الإخلاص. قال: وإيش الإخلاص؟ قال: أن يخاف اللهَ العبدُ (١).
وقال عبد المؤمن -يعني ابن محمد الفرعاني-: وجدت في كتاب سعيد بن الليث السمرقندي قال: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال: بما يُذكر الصالحون؟ قال: بالصبر والرضا (٢).
وقد حدثنا أبو محمد الخلال (٣) بإسناده حديثًا في هذا المعنى عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا بن مسعود، إن الإسلام علامةٌ، وعلامة الإسلام الإيمان، وعلامة الإيمان اليقين، وعلامة اليقين الإخلاص، وعلامة الإخلاص الورع، وعلامة الورع الزهد في الدنيا. من تمسك بالورع والزهد في الدنيا يرى كل درجة رفيعة، ومن تخلَّى منهما لقيني يوم القيامة على غير ملتي، فتمسكوا بالورع والزهد في الدنيا فبهما بعثتُ وبهما أُرسلتُ" (٤).
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: الصبر في كتاب الله ثمانون موضعًا محمود، وموضعان مذموم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١ ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] (٥).
_________________
(١) = محجن بن الأدرع مرفوعًا، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٧٩).
(٢) رواه: الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (رقم ١٠١٠) وذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ٢٦٧).
(٣) لم أجد للفرعاني هذا ترجمةً، ولا للسمرقندي، وبحثت عن قول أحمد في مظانه فلم أجده.
(٤) الحسن بن محمد بن الحسن، البغدادي، الحافظ الثقة، خرج المسند على الصحيحين، وجمع أبوابًا وتراجم كثيرة. (ت ٤٣٩ هـ) -﵀-. ترجمته في: المنتظم (٨/ ١٣٢) والعبر (١/ ٢٠٠).
(٥) لم أجده.
(٦) ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد ٣/ ٦٣٣.
[ ٧٧ ]
تعليق: فيما أُخذ على العلماء ألا تكتموا العلمَ.
نقلت من خط أبي بكر (١) من كتاب العلم بإسناده عن قتادة (٢) أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل الكتاب ممن علم علمًا فليعلِّمه (٣).
وبإسناده (٤) عن أبي هريرة أنه قال: والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت عنه -يعني النبي - ﷺ - لولا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ [البقرة: ١٧٤، ١٧٥]. إلى آخر الآيات (٥).
ذكر أبو بكر الخلال في كتاب الورع: أخبرني أحمد بن المكين الأنطاكي (٦) أنه سمع أحمد بن حنبل قال له رجلٌ: أوصني. فقال له أحمدُ: انظر إلى أحب ما تريد أن يجاورك في قبرك؛ فاعمل به، واعلم أن الله تعالى يبعث العباد يوم القيامة على ثلاث خصال: محسنٌ ما عليه من سبيل؛ لأن الله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. وكافرٌ في النار؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ
_________________
(١) يعني: عبد العزيز، غلام الخلال، وقد تقدمت ترجمته (٣٩).
(٢) قتادة بن دِعامة السدوسي، أبو الخطاب، تابعي روى عن: أنس وأبي الطفيل وآخرين، وكان إمامًا في التفسير. (ت ١١٧ هـ) -﵀-. ترجمته في: صفة الصفوة (٣/ ١٨٢) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩).
(٣) رواه عنه: ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥٤٣) وأورده السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٠٢) وعزاه إلى: عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) يعني بإسناد أبي بكر عبد العزيز.
(٥) أخرجه: البخاري في صحيحه (٢٣٥٠).
(٦) ذكره: ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٧٨) وقال: ذكره الخلال فقال: عنده عن أبي عبد الله مسائل سمعتها منه. وأورد من طريقه هذه الوصية عن أحمد.
[ ٧٨ ]
كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]. وأصحابُ الذنوب والخطايا، وأمرهم إلى الله، إن شاء عذَّب، وإن شاء عفا؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [النساء: ٤٨، ١١٦].
المروذي: قلت لأبي عبد الله: الرجلُ يكون مستورًا خمسين سنةً يستر نفسه، ثم ينكشف عند موته، من إيش يكون؟ قال: من حبه للدنيا. قلت لأبي عبد الله: إيش تفسير: "حب الدنيا رأس كل خطيئةٍ" (٢)؛ قال: أن تكون الدنيا في قلبه يؤثرها على كل شيء.
أنبأنا عبد الله (٣) قال: سألت أبي: معنى حديث عبد الله (٤): نهينا أن (٥). قال: هاهنا وهاهنا.
أخبرني محمد بن بشر (٦) قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حدثني حفَّار مقابرنا، قال: أعجب ما رأيت في هذه المقابر أني سمعت أنينًا من قبرٍ كأنينِ المريض، وسمعتُ مؤذنًا يؤذن وهو يجاب من قبر يقول كما يقول المؤذن. أو كما قال يحيى.
_________________
(١) ذكره: المصنف في طبقات الحنابلة ١/ ٦٩.
(٢) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا (رقم ٩) ومن طريقه ذكره المصنف في طبقات الحنابلة ١/ ٦٩، أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٣٨) من رواية الحسن مرسلًا. وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع الصغير (رقم ٦٤٢٨).
(٣) ابن الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن، الحافظ الناقد، محدث بغداد، حديث عنه: النسائي وابن صاعد وخلقٌ، له زيادات كثيرة على كتب أبيه كالمسند والزهد وغيرهما. (ت ٢٩٠ هـ) -﵀-. ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٤١).
(٤) يعني: ابن مسعود - ﵁ -.
(٥) كلمتان لم أستطع قراءتهما.
(٦) ابن مطر، أبو بكر، نقل عن أحمد مسائل، روى عنه أبو بكر الخلال وجماعة. (ت هـ ٢٨ هـ) -﵀-. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٦).
[ ٧٩ ]
أخبرني محمد بن بشر قال: حدثني سلمة بن شبيب (١) قال: حدثني حماد الحفار قال: دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن.
المروذي: قيل لأبي عبد الله: هل للورع حادٌّ؟ قال: ما أعرفه (٢).
إنما لم يحدَّه؛ لأن الورع هو: ترك الشبهة أو المباحات، وذلك أكثر من أن يحصى، فلهذا لم يحدَّه.
وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٣).
أبو الصقر (٤): قال أحمد: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما ما لم تكن فتنة فالأمصار خير.
لأن ما يحصل من الفتنة من الحصر بالنفس والمال والدين؛ أكثر مما يفوته من فضيلة المقام بالأمصار من إدراك الجماعات، وتعليم القرآن والسنن؛ لأن هذه الأشياء لا تجب.
إسحاق بن إبراهيم (٥): قال أحمد: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا (٦)
_________________
(١) النيسابوري، قال الخلال: كان رفيع القدر حديث عنه شيوخ أجلة. روى عن: أحمد وغيره، وعنه: مسلم في الصحيح. طبقات الحنابلة (١/ ١٦٨)
(٢) رواه المروذي في كتاب الورع (ص ٤).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٧٤).
(٤) ذكره أبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٩).
(٥) ابن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، قال ابن أبي يعلى: خدم الإمام أحمد ونقل عنه مسائل كثيرة (ت ٢٧٥ هـ) -﵀-. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٠٨).
(٦) ذكره: ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٠).
[ ٨٠ ]
وهو قولُ الحسنِ (١) ذكره الخلالُ عنه، ومطرفٍ (٢) ذكره أبو طالب المكي.
إنما قال ذلك؛ لأنه إن زاد خوفه لم يؤمَن عليه القنوط من رحمة الله، وإن زاد رجاؤه لم يؤمَن عليه الإغراء بالمعاصي. وقد قال لقمان لابنه: "إن المؤمن له قلب كقلبين؛ يخاف بأحدهما، ويرجو بالآخر" (٣).
قال بعضهم: مثل الخوف من الرجاء مثل اليوم من الليلة، لما لم ينفك أحدهما عن الآخر؛ جاز أن يُعبَّر عن المدة بأحدهما فيقال: ثلاثةُ أيامٍ، وثلاثُ ليالٍ. وهما وصفان للإيمان؟ كالطير بجناحين.
المروذي: سئل أبو عبد الله عن تفسير: "اعبد الله كأنك تراه". فقال: بقلبك (٤).
إنما حمله على رؤية القلب؛ لأن رؤية العين تختص بالآخرة دون الدنيا، وبالقلب يجوز في الدنيا ويقع عليه اسم الرؤية، بدليل قول ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه (٥). ورُوي: رأى رسول الله ربه بفؤاده مرتين (٦).
الحسن بن علي بن الحسن (٧): سألت أبا عبد الله عن الهمِّ؟ فقال: الهم همان؛
_________________
(١) البصري، تقدمت ترجمته (ص ٤٨).
(٢) ابن الشخير، تقدمت ترجمته (ص ٥٤).
(٣) رواه: ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله (رقم ١٣٣).
(٤) روي الحديث عن جماعة من الصحابة مرفوعًا؛ منها: ما أخرجه أحمد (رقم ٦١٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو، والطبراني في الكبير (رقم ٣٧٤) والبيهقي في الشعب (رقم ١٠٥٤٤) من حديث معاذ.
(٥) أخرجه: البخاري (رقم ٢٨٤).
(٦) أخرجه: البخاري (رقم ٢٨٥) من قول ابن عباس أيضًا.
(٧) أبو علي الإسكافي، قال ابن أبي يعلى: نقل عن أحمد مسائل حسان أغرب فيها على أصحابه. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٣٦).
[ ٨١ ]
همُّ خطرات، وهمُّ إصرار (١).
الهم على ضربين:
أحدهما: الهم بالدنيا.
والآخر: الهم بالآخرة.
فأما الهم بالآخرة: فهو: الممدوح المرغوب فيه.
وأما الهم بالدنيا: فهو على ضربين:
هم خطرات؛ وهو أن يخطر بباله ولا يساكنه، فهو غير مؤاخذ به. لقول النبي - ﷺ -: "عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها" (٢).
والضرب الآخر: هم الإصرار: وهو أن يقيم عليه؛ فهو مذموم، وهو أن يديم الإهتمام بالدنيا، والإكتساب منها.
وقد روى أنس عن النبي - ﷺ - قال: "أعظم الناس همُّا المؤمن الدي يهم بأمر دنياه وآخرته" (٣).
وروى أنس: قال رسول الله - ﷺ -: "من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" (٤).
_________________
(١) رواه عن الإمام أحمد: ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ١٣٧).
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (رقم ٤٩٦٨) ومسلم (رقم ٢٠١) بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم".
(٣) أخرجه: ابن ماجه (رقم ٢١٤٣) وابن أبي الدنيا في كتاب الهم والحزن (رقم ١٠٩) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٢) وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع (رقم ٩٦١).
(٤) أخرجه: الترمذي (رقم ٢٤٦٥) وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (ص ٣٥٣) وأورده الهيثمي =
[ ٨٢ ]
أبو القاسم عبد السلام بن محمد المخرمي (١) قال أحمد بن محمد بن شيخ (٢): حدثني أبو يوسف يعقوب بن إسحاق (٣) قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التوكل. فقال: هو قطع الإستشراف بالإياس من الخلق. فقلت: ما الحجة؟ فقال: الخليل إبراهيم - ﵇ - لما وضع في المنجنيق، ثم طرح إلى النار فاعترض جبريل. فقال: إبراهيم، لك حاجة؟، فقال: أما إليك فلا. قال: فقال له: سَلْ من لك إليه حاجة؟ فقال: أحبُّ الأمرين إليه أحبُّهما إليَّ (٤).
فهذا آخر التعليقات.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وملائكتُه على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وسلم تسليمًا.
ورحم الله مصنفه، وكاتبه، ومن دعا لهما (٥).
_________________
(١) = في مجمع الزوائد (٢/ ٩٨٢) وعزاه إلى مسند الحارث، وصححه الألباني كما في صحيح الترغيب (رقم ٣١٦٩).
(٢) ابن أبي موسى، البغدادي الصوفي، رحل كثيرًا ولقي الشيوخ، قال ابن الجوزي: كان ثقة حسن الأخلاق متزهدًا. (ت ٣٦٤ هـ) -﵀-. انظر: المنتظم لإبن الجوزي (٧/ ٧٩).
(٣) ابن عميرة الأسدي، ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ١٥٧).
(٤) ابن بختان، روى عن أحمد مسائل في الورع والسلطان، لم يروها غيره، وروى عنه: ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وجماعة، وكان أحد الصالحين الثقات. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤١٥).
(٥) أورده ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٤١٦) في ترجمة ابن بختان. وما ذكره من قصة إبراهيم أخرج نحوها البيهقي في الشعب (٢/ ٢٨) عن بشر الحافي.
(٦) اللهم ارحمهما، وجازهما بالإحسان إحسانًا، وبالسيئات صفحًا وغفرانًا، واقبل منهما يا رب العالمين. ومنَّ على محقق الكتاب بالمغفرة، ولوالديه والمسلمين. آمين. والحمد لله رب العالمين.
[ ٨٣ ]