قال أبو بكر الخلال في كتاب الورع والإخلاص: أخبرنا طالب بن حرّة الأذني (٢) قال: حضرتُ أحمدَ بن حنبل، فقال له رجل (٣) أخبرنا أحمد بن الحسن الحلا
_________________
(١) يطلق الصوفية لفظ (المريد) ويريدون به: التابع لشيخ الطريقة الصوفية، يقول الجرجاني في التعريفات (٢٦٩): المريد: هو المجرد عن الإرادة. وللمريد عندهم درجات وصفات وخصائص، وشروط، سيذكر المؤلف بعضها، وتطلب الطرق الصوفية من المريد أن يتبع شيخًا معينًا، ويطيعه ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه. وهذا ربما من أشنع ما ابتدعه أهل التصوف. ويبالغ ابن عربي (ت ٦٣٨ هـ) فيلسوف التصوف الأول، والمرجع لكثير من شيوخ الطرق الصوفية إلى اليوم، فيقول في كتابه الفتوحات المكية (٢/ ٣٦٦): الأصل أنه كما لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا مكلف بين رسولين مختلفي الشرائع، ولا امرأة بين زوجين، كذلك لا يكون المريد بين شيخين؛ إذا كان مريدَ تربيةٍ. فإذا كان صحبةً بلا تربية فلا يبالي بصحبة الشيوخ كلهم؛ لأنه ليس تحت حكمهم والمؤلف ممن تأثر بالتصوف، فعقد هذا الفصل لبيان خصال المريد، لأنه يرى بأن المريد يجب أن يكون أكثر الناس توكلًا على الله ،، وقد ذكر أشياء لا يوافق عليها يأتي التنبيه عليها في موضعها.
(٢) ذكره: ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٧٩) وقال: ذكره أبو بكر الخلال: أخبرنا طالب إلخ. فساق كلام أحمد، ولم يزد.
(٣) سقط من المخطوطة سؤال الرجل، ولعله سأل عن علامة المريد. كما يفيده جواب الإمام أحمد.
[ ٥٧ ]
الحري (١). فقال أبو عبد الله: (علامة المريد قطيعة كل خليط لا يريد ما يريد) (٢).
قوله: (قطيعة كل خليطٍ). يقطعه عن الله -﷿-، لا يريد ما يريده الخليطُ، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وكيف يستقيم على سنن الطريق من يتبع طريق الجاهلين. وفي الخبر عن الله تعالى: "يا موسى، كن يقظانا وأجد لنفسك أخدانًا، وكل خدن لك وصاحب لا يؤازرك على طاعتي فانبد عنك صحبته، إنَّما كان عدوًّا" (٣).
وقد ذكر أبو طالب المكي (٤) في جملة قوت القلوب فقال (٥): "يحتاج المريد إلى سبع خصال؛ أربعة قواعد، وثلاثة أعلام، والقواعد الأربعة: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة. والأعلام الثلاثة: المعرفة بالطريق، والخشية، وطاعة الدليل".
أما الأربعة القواعد التي هي: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة؛ فهي:
_________________
(١) كذا في المخطوط، وكأنه مقحم في الرواية.
(٢) ذكره: ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٧٩) عند ذكره للأذني.
(٣) أخرجه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٥٣) عن محمد بن نصر الحارثي، وأخرجه ابن بطة في: الشرح والأبانة على أصول السنة والديانة (رقم ١٧٢) بلفظ مقارب.
(٤) محمد بن علي بن عطية، الحارثي، نشأ واشتهر بمكة، ثم رحل إلى البصرة فاتهم بالإعتزال، وهو فقيه، واعظ، زاهد، لكن حفظ الناس عنه أقوالًا هجروه لأجلها، صنف كتبًا منها: قوت القلوب، وعلم القلوب. (ت ٣٨٦ هـ) -﵀-. ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٤٩١) وميزان الإعتدال للذهبي (٣/ ١٠٧).
(٥) من هنا ابتدأ المؤلف بالنقل عن كتاب قوت القلوب (١/ ٢٧٣ - ٢٨٥ الفصل السابع والعشرون - كتاب أساس المريدين) حتى نهاية كلامه عن صفات المريد. لكنه ينقل بتصرف كثير؛ بتقديم وتأخير واختصار، وزيادة.
[ ٥٨ ]
سجن النفس وضيقها، وضرب النفس وقيدها (١).
أما الجوع (٢) فإنه يُنقص دم القلب فَيَبْيَضُّ؛ وفي بياضه نوره، ويُذيب شحمَ الفؤاد وفي ذوبه رقته، ورقته مفتاح كل خير؛ لأن في القسوة مفتاح كل شر، فإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه؛ لأن دم القلب مكانه.
فإذا رقَّ القلب ضعف سلطان العدو منه؛ لأن في غِلَظِ القلب سلطانه. والفلاسفة يقولون: النفس هي كلية الدم؛ لأن الانسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه. والعلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس. وفي الحديث المروي: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش" (٣).
وعن عيسى - ﵊ - أنه قال: "يا معشر الحواريين
_________________
(١) هذا من شطحات المتصوفة؛ لا يوافق المؤلف على إقراره لها، فلا يجوز سجن النفس، أو ضرب الجسد، أو تقييده، بقصد ترويضه أو عقابه، فليس في الإسلام دليل من الكتاب والسنة على هذا، ولما رأى النبي - ﷺ - حبلًا ممدودًا فسأل عنه، قالوا: لزينب، تصلي فإذا كسلت تمسكت به. قال: "حلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل فليقعد". متفق عليه، ونهى عن قال ما فيه تقصُّد لإتعاب النفس والتضييق عليها، كنهيه عن الوصال في الصوم، وإنكاره على من صام في السفر حتى أجهده ذلك وكان إذا خُير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا وسنته مليئة بتعليم الناس التوازن والإعتدال في العبادات، والجمع بين التمتع بالمباحات في الدنيا، والعمل للآخرة. وحينئذٍ فضرب النفس أو حبسها وقيدها من البدع التي ورِثها بعضُ الصوفية من الديانات البائدة.
(٢) تجويع النفس بقصد حرمانها وتعذيبها ليس من هدي الإسلام، وقد صح أن النبي - ﷺ - استعاذ من الجوع، لكن الإسلام نهى عن الأشر والبطر والشبع حتى التخم.
(٣) متفق عليه من حديث صفية بنت حيي، أخرجه البخاري (رقم ٢٠٣٥) ومسلم (رقم ٢١٧٥) دون قوله: "فضيقوا ". إلخ، وقال العجلوني في كشف الخفا (٥٢٥): هذا مدرج من بعض الصوفية.
[ ٥٩ ]
جوِّعو ابطونكم، وعطِّشوا أكبادكم، وأعْروا أجسادكم؛ لعل قلوبكم ترى الله -﷿-" (١). وقال بعض الصحابة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله الشبع؛ إن القوم لما شبعت بطونهم جنحت بهم شهواتهم (٢). وعن عائشة: كان رسول الله وأصحابه يجوعون من غير عَوَزٍ (٣). وقال ابن عمر: ما شبعتُ منذ قتل عثمان (٤). وحديث أبي جحيفة (٥) لما جشأ عند النبي - ﷺ -: "اكفف عنا جشاءك، فإن أطولكم شبعًا في الدنيا أكثركم جوعًا في الآخرة" (٦). وكان رسول الله - ﷺ - يشدُّ الحجر على بطنه من الجوع (٧).
_________________
(١) أورده: أبو نعيم في الحلية، وقال العراقي في تخريج الإحياء (٣/ ٤٥): لم أجده.
(٢) رواه: ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (رقم ٢٢) عن عائشة. وأورده أبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٦).
(٣) ذكره: العراقي في تخريج الأحياء (٣/ ٤٣) وعزاه إلى البيهقي في الشعب، وأشار إلى ضعفه.
(٤) روى نحوه: البيهقي في الشعب (٥/ ٣٨).
(٥) وهب بن عبد الله السوائي، من صغار الصحابة، توفي النبي - ﷺ - ولم يبلغ الحلم، لكن سمع منه وروى عنه. (ت ٧٢ هـ) - ﵁ -. ترجمته في: الإستيعاب لإبن عبد البر (١/ ٥١٥) والإصابة في تمييز الصحابة لإبن حجر (٦/ ٦٢٦).
(٦) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (رقم ٤) رواه الحاكم (٤/ ١٢١) وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: فها، قال المديني: كذاب. وعمرُ، هالكٌ، ورواه: البيهقي في الشعب (رقم ٥٦٤٤). ورُوي نحوه من حديث ابن عمر عند الترمذي (رقم ٣٤٧٨) وابن ماجه (رقم ٣٣٥٠)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٦٧٣): صحيح بمجموع طرقه. وقوله: جشأ. التجشؤ: تنفُّس المعدة، وهو: الصوت الخارج من الفم بسبب الشبع.
(٧) رُوي ذلك من حديث أبي بُجير، رواه البيهقي في الشعب (١٤٦١) والقضاعي في مسند الشهاب (٨٧٠) وفي إسناده: معيد بن سنان الكندي، ضعفه غير واحد، وقال البخاري: منكر الحديث. انظر: ميزان الإعتدال للذهبي (٢/ ١٤٣).
[ ٦٠ ]
وقال - ﷺ - لفاطمة: "ما دخل فمَ أبيك طعامٌ مند ثلاث" (١).
وقال الثوري (٢): جُعل الخير كلُّه في بيت، وجُعل مفتاحه الجوع (٣).
وقال أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد الله: إن رجلًا قال: قد ذهب سمعي من الجوع. فقلت له: اصبر. فإنها أيام قلائل. فقال: ليته دام على الفقر والجوع إلى الممات. وقال: ذكرت أولئك الفتيان أصحاب الصلاة، أسال الله أن يسلمهم (٤).
وقيل لأبي عبد الله: الرجل يجد من قلبه رقةً، وهو يشبع؟ قال: ما أراه. وجعل يعظم أمر الجوع والفقر (٥).
وقال (٦): لو كان إلي ما أكلت ولا شربت (٧).
وأما السهر فإنه ينير القلب، ويجلوه؛ فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوَّة؛ فيرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة.
ومنه حديث حارثة (٨) لما قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، وكأني انظر إلى عرش
_________________
(١) رواه: البيهقي في الشعب (٧/ ٣١٥) وعزاه العراقي في تخريج الأحياء (٣/ ٤٦) إلى مسند الحارث بن أبي أسامة، وأشار إلى ضعفه.
(٢) سفيان بن سعيد، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ إمام حجة، كان يلقب بأمير المؤمنين في الحديث. (ت ١٦١ هـ) -﵀-. ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٢٠٣) وتقريب التهذيب لإبن حجر (ص ٢٤٤).
(٣) رواه: أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩١).
(٤) لم أجده.
(٥) ابن رجب في جامع العلوم (ص ٣٤٥).
(٦) أي: الإمام أحمد.
(٧) لم أجده.
(٨) ابن مالك الخزرجي الأنصاري، صحابي، ممن شهد بدرًا. ترجمته في: الإستيعاب (١/ ٩٢) والإصابة (١/ ٥٩٧).
[ ٦١ ]
ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتعاوون فقال - ﷺ -: "عرفت، فالزم" (١).
ووصف النبي - ﷺ - قلبَ المؤمن؛ فقال: "قلب أجرد، فيه سراج يزهر" (٢).
معناه: يجرِّده من الهوى، وسراجه الذي يزهر فيه: هو نور اليقين.
وقال بعض العلماء: من سهر أربعين ليلة خالصًا كوشف لملكوت السماء (٣).
ورُوي في حديث معاذ: "ثلاث منهن المقت من الله: الضحك من غير عجب، والأكل من غير جوع، ونوم النهار من غير سهر بالليل" (٤).
وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "قالت أم سليمان بن داود لابنها: لا تكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرًا يوم القيامة" (٥).
_________________
(١) أخرجه: ابن المبارك في الزهد (رقم ١٠٦) قال ابن رجب كما في مجموع رسائله (٣/ ٣٣٢): روي مرسلًا وروي متصلًا عن أبي هريرة وأنس، لكن من وجوه ضعيفة. وضعفه: العراقي في تخريج الأحياء (٤/ ٤٧١) وابن حجر في الإصابة (١/ ٥٩٧) والألباني كما في تخريجه لكتاب الإيمان لإبن أبي شيبة (ص ١١٤).
(٢) أخرجه: أحمد في مسنده (رقم ١١١٤٦) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢٨) عن: حذيفة وأبي سعيد. وصححه ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ١٧) وابن كثير في تفسيره (١/ ٨٥) والشوكاني في تفسيره (١/ ١٦٥) وصحح الألباني وقفه على حذيفة، كما في تخريجه لكتاب الإيمان لإبن تيمية (ص ٢٨٨).
(٣) ذكره: أبو نعيم في الحلية (٣/ ٩٠).
(٤) أخرجه: أحمد في الزهد (ص ١٨٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٧) موقوفًا على معاذ بن جبل.
(٥) رواه: ابن ماجه (رقم ١٣٣٢) وابن أبي الدنيا في كتاب التهجد وقيام الليل (رقم ٤٩٠) والبيهقي في الشعب (رقم ٤٧٤٦) من حديث جابر بن عبد الله، وضعفه: ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ (٢٢٨)، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٥٠)، وضعفه الألباني كما في ضعيف ابن ماجه (رقم ٢٤٨).
[ ٦٢ ]
وقيل: كان شبان متعبدون في بني إسرائيل، فكانوا اذا حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا (١).
واعلم أن نوم العلماء عن غلبة بعد طول السهر بالقيام (٢).
وفي الخبر: قيل: يا رسول الله، إن فلانًا يصلي بالليل ويسرق بالنهار، فقال - ﷺ -: "سينهاه ما تقول" (٣).
وفي الخبر عن لقمان أنه قال لابنه: "يا بني، لا تحب الحياة إلا لسهر الليل، وظمأ الهواجر، والذكر لله، وما كان سوى ذلك فهو الخسران" (٤).
وفي الخبر: "استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار" (٥).
وقد قال عبد الصمد بن أبي مطر (٦): بتُّ عند أحمد بن حنبل فوضع لي صاغرةَ
_________________
(١) روى نحوه: ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد وقيام الليل (رقم ٤٩٢).
(٢) كذا في المخطوط، والمؤلف نقل هذه العبارة من كتاب قوت القلوب (١/ ٢٧٦) والمعنى لم يتم، وتمامه في قوت القلوب: نوم العلماء عن غلبة المنام، بعد طول السهر بالقيام؛ مكاشفةٌ لهم، وشهودٌ، وتقريبٌ لهم منه، وورود.
(٣) أخرجه: أحمد (رقم ٩٧٧٧) وابن حبان في صحيحه (رقم ٢٥٦٠) والبيهقي في الشعب (رقم ٣٢٦١) كلهم من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (رقم ٣٤٨٢).
(٤) لم أجده.
(٥) أخرجه: الطبراني في المعجم الكبير (رقم ١١٦٢٥) عن ابن عباس بهذا اللفظ، وأخرجه: ابن ماجه بنحوه عن ابن عباس أيضًا. وأورده الهيثمي في المجمع (رقم ٢٣٩٥٦) وقال: في إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف. وضعفه الألباني. انظر: السلسلة الضعيفة (رقم ٢٧٥٨).
(٦) عبد الصمد بن سليمان، أبو بكر العتكي، الحافظ الفقيه، روى عن: أحمد وابن حرب، وعنه: الترمذي وابن خزيمة. له ترجمة في: طبقات الحنابلة (١/ ٢١٧) تهذيب الكمال (١٨/ ٩٦).
[ ٦٣ ]
ماء، قال: فلما أصبح وجدني لم أستعمله، فقال: صاحب حديث لا يكون له ورد بالليل! قلت: مسافرٌ. قال: وإن كنت مسافرًا؛ حج مسروقٌ فما نام إلا ساجدًا (١).
وقال موسى بن عيسى الموصلي (٢): ركبني دينٌ، فأتيت بشرًا، فقلت: قد ركبني دينٌ. قال: عليك بجوف الليل. ومضيت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل؟ فقلت: ركبني دينٌ. قال: عليك بالسَّحَرِ (٣).
وأما الصمت فإنه يلقح العقل، ويعلم الورع، ويجلب التقوى.
وقد قال عقبة بن عامر: يا رسول الله، فيمَ النجاة؟ فقال: "املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (٤).
وأوصى النبي - ﷺ - معاذًا بالصلاة والصيام وغير ذلك، ثم قال في آخر وصيته: "ألا أدلك على ما هو أملك بك من ذلك كله؟ هذا"، وأومأ بيده إلى لسانه. فقال: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ فقال: "ثكلتك أمك معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟ إنك ما سكت فأنت سالمٌ، فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك" (٥).
_________________
(١) رواه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٧/ ٤٢٦) وأورده ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢١٧).
(٢) ذكره: ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٣) وقال: نقل عن الإمام أحمد أشياء.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه: أحمد (رقم ٢٢٢٨٩) والترمذي (رقم ٢٤٠٦) وقال: حديث حسن. وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (رقم ٢)، والبيهقي في الشعب (رقم ٤٩٣٠) وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع (رقم ١٣٩٢).
(٥) أخرجه: ابن المبارك في الزهد (رقم ١٣٤) وأحمد (٥/ ٢٥٩) والترمذي (٢/ ٦٥) وقال: حسن صحيح. وحسنه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٢/ ٥٨١).
[ ٦٤ ]
وروي في الخبر: "لا يتقي العبدُ ربَّه حقَّ تُقاته حتى يَخْزِنَ من لسانه" (١).
وفي خبرآخر: "لا يصلح العبدُ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه" (٢).
وكان الضحاك بن مزاحم (٣) يقول: أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع،
وهم اليوم يتعلمون الكلام (٤).
يقول: حدثنا أبو محمد جعفر بن نصر قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن حامد الرازي، قال: أنبأنا أبو عثمان الوراق -وراق أحمد بن حنبل (٥) - قال: حدثني المحاربي (٦) قال: قال الأوزاعي (٧): السلامة عشرة أجزاء، سبعة منها في التغافل.
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (رقم ١٧) وعبد الله بن الإمام أحمد في زياداته على كتاب الزهد (ص ٢١٠)، وهناد في الزهد (٣/ ٥٣٢)، وابن أبي عاصم في كتاب الزهد (ص ٢٧) كلهم عن أنس موقوفًا.
(٢) أخرجه: هناد في الزهد (٢/ ٥٠٢) وأحمد في مسنده (٣/ ١٩٨) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (رقم ٩) عن أنس، وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (٣/ ١٣٥)، وحسنه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٦/ ٨٢٢).
(٣) الهلالي، تابعي جليل، إمام في التفسير، قيل: لم يثبت سماعه من أحد من الصحابة. (ت ١٠٦ هـ) -﵀-. له ترجمة في: تهذيب الكمال (١٣/ ٢٩١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨).
(٤) رواه: ابن المبارك في الزهد (رقم ١١)، ووكيع في الزهد (رقم ٢٢٣)، وابن أبي الدنيا في كتاب الورع (رقم ٢٦).
(٥) لم أجد لهؤلاء الثلاثة ترجمةً.
(٦) عبد الرحمن بن محمد، أبو محمد الكوفي، (ت ١٩٥ هـ) -﵀-. تهذيب التهذيب (٦/ ٢٦٥).
(٧) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، إمام أهل الشام في وقته، روى عن: ابن سيرين وعطاء، وعنه: أبو حنيفة وقتادة. (ت ١٥٧ هـ) -﵀-. ترجمته في: طبقات ابن سعد =
[ ٦٥ ]
قال أبو عثمان: فعرضت ذلك على أحمد بن حنبل، فقال لي: يرحم الله الأوزاعي، عشرتها في التغافل (١).
وأما الخلوة فإنها تُفَرِّغُ القلبَ من الخلق، وتَجْمع الهمَّ بأمر الخالق، وتجلب ادِّكار الآخرة، وتجدد الإهتمام بها، وتنسي ادِّكار العباد، وتواصِل ذكرَ المعبود.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: لولا الوسواس لم أبالِ أن أجالس الناس، وهل أفسد الناسَ إلا الناسُ؟ (٢).
وقال ابن مسعود: وددت أن بيني وبين الناس سور حديد (٣).
وقد روى الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (٤) أنه قال لأبي عبد الله: التخلي أعجب إليك؟ فقال: التخلي على علم. وقال: يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم" (٥).
وقال في رواية أبي الصقر (٦): إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، وأما ما لم تكن فتنة فالأمصار خير (٧).
_________________
(١) = (٧/ ١٨٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٨٨).
(٢) روى نحوه: البيهقي في الشعب عن الإمام أحمد (٦/ ٣٣٠).
(٣) رواه: ابن أبي الدنيا في كتاب مداراة الناس (رقم ١٢٦) وفي العزلة والإنفراد (رقم ٨) وفيه رجل لم يسم.
(٤) أورد نحوه: ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٠٦).
(٥) ذكره: ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ١٣٩) وقال: نقل عن إمامنا أشياء. وساق ما ذكره عن الإمام أحمد.
(٦) رواه: أحمد في مسنده (٢/ ٤٢) والترمذي (رقم ٢٥٠٧) وابن ماجه (رقم ٤٠٣٢) من حديث ابن عمر، صححه الألباني كما في صحيح ابن ماجه (رقم ٣٢٧٣).
(٧) يحيى بن يزداد الوراق، عنده لأحمد مسائل. ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٤٠٩).
(٨) رواه: ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٤٠٩).
[ ٦٦ ]
وقال في رواية مثنى الأنباري (١): وقد سئل أيما أفضل؛ رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، أو رجل أقلَّ الأكل فقلَّت نوافله؟ فذكر ما جاء في الفكرة: تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة (٢).
وقال المروذي: ذكرت لأبي عبد الله رجلًا صبورًا على الفقر، وقد اعتزل: ما كان أحوجه إلى علمٍ؟ فقال: أسَكتَ لصبره، وعُزلته عن العلم؟! (٣).
فهذا شرح الخصال الأربعة القواعد.
وأما الثلاثة الأعلام (٤):
١ - فالمعرفة بالطريق، وهي: إصابة العلم في السعي، لقول النبي - ﷺ -: "فإن المنبتَّ لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع" (٥). وحسبه قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩].
٢ - وطاعة الدليل، وهو: معلمه ومرشده (٦). لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ
_________________
(١) مثنى بن جامع الأنباري، أبو الحسن، حديث عن أحمد ونقل عنه مسائل حسانا، قيل: كان مستجاب الدعوة. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٧).
(٢) رُوي من قول الحسن أخرجه: ابن أبي شيبة في المصنف (رقم ٣٥٢٢٣) وأخرج البيهقي في الشعب (رقم ١١٨) نحوه من قول أبي الدرداء، وضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٢١٧).
(٣) ذكره: أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢/ ٢٦١) ولم أجده في مظانه.
(٤) هكذا في النسخة المخطوطة ولم يذكر المصنف إلا اثنين ففط، وهما الأول والثالث، وغفل عن ذكر الثاني وهو الخشية.
(٥) رواه البيهقي في الشعب (رقم ٣٣٨٥) من حديث عائشة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (رقم ٢١٧) وعزاه إلى البزار من حديث جابر، وقال: فيه يحيى بن المتوكل وهو كذاب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ٢٠٢٢).
(٦) والمراد الطاعة بالمعروف، واتباع ٥ ما كان ملتزمًا بالسنة مبتعدًا عن البدعة، وعلى المتبع أن =
[ ٦٧ ]
مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥].
ولابد للمريد من خصال:
(١) أولها: الصدق في الإرادة، وعلامته: إعداد العدَّة.
(٢) ولابد له من السبب إلى الطاعات، وعلامة ذلك هجران قرناء السوء.
(٣) ولابد له من المعرفة بالحال، وعلامة ذلك استكشاف آفات النفوس، واستعلام ما يفسد الأعمال، واستحضار محاسن النيات، وصحة المقاصد في الإرادات.
(٤) ولابد له من مجالسة عالم بالله، وعلامة ذلك إيثاره على ما سواه، وحسن القبول منه، وإلقاء السمع بالإصغاء بصحة الفهم إليه.
(٥) ويحتاج المريد إلى توبة نصوح، فبذلك يجد حلاوة الطاعة، ويدوم إقبال القلب على الإرادة.
(٦) ويحتاج المريد إلى طعمة حلال لا يذمها العلم، وعلامة ذلك أن يكون بسبب مباح يوافق فيه حكم الشرع.
(٧) ولابد له من قرين صالح يؤازره على حاله ويساعده على صلاح أعماله، كما جاء في الخبر: "المؤمن مرآة المؤمن" (١). أي: يرى به ما لا يراه لنفسه، كما يرى المرآة من وجهه ما لا يراه بعينه،
_________________
(١) = يحذر من التعصب والتقليد الأعمى، وأن يكون متبعًا للدليل، منقادًا إلى الحق، ملتزمًا بهدي السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
(٢) رواه: أبو داود (رقم ٤٩١٨) من حديث أبي هريرة، وسكت عنه، وحسن إسناده العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٢٢٧) وابن حجر في بلوغ المرام (رقم ٤٥١) وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٩٢٦).
[ ٦٨ ]
وعلامة الخليل الصالح معاونته على البر والتقوى، ونهيه عن الإثم والعدوان.
وقد رُوي في الخبر: "خير الإخوان الذين يقولون: تعالوا نصوم، تعالوا نصلي. وشر الإخوان الذين يقولون: تعالوا نأكل ننام" (١).
وقال بعض أهل المعرفة: يكره للمريد أن تكون وساوسه بالجنة وذكر ما فيها من النعيم. قال: واستحب له أن تكون وساوسه ذكر الله، وخواطره وهممه؛ متعلقة بالله لا سواه؛ لأن المريد حديث عهد بتوبة، غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة، فإذا تذكر نعيم الجنة لم آمن عليه -لضعف قلبه- أن يشتهي ميله ما يشاهد في الدنيا من اللباس والطيبات والنساء؛ لأن هذا عاجل وذلك آجل، كان أبعد له من زينة الدنيا ولذاتها.
_________________
(١) لم أجده.
[ ٦٩ ]