مسألة
في الجزع (١)
وهو على ضربين:
أحدهما: لا يَخرج به صاحبُه من الصبر؛ لكن يُنقِصُه من كمال الصبر.
والثاني: ما يَخرج به صاحبُه من الصبر.
أما الأول فهو على ضروب؛ منها:
(١) إجماع القلب على الغم والحزن لما نزل به من مصيبة في نفسه أو غيره، ولا يظهر منه ما يكره الله تعالى، وقد روي عن سعيد بن جبير (٢): إن الرجل ليجزع، وإنه لمتجلدٌ ما يُرى منه إلا الصبر (٣).
ومنه: ضرب آخر يزيد على ذلك:
_________________
(١) الجزع في اللغة: ضد الصبر. كذا في لسان العرب لإبن منظور، فمن لم يصبر على أمرٍ فقد جزع. وقد ذكره المؤلف هنا؛ لأن الجزع ينافي التوكل على الله تعالى بالكلية، أو ينافي كماله.
(٢) أبو عبد الله الكوفي، حبشي الأصل، من أعيان التابعين، ثقة، فقيه، مفسر، قال أحمد: قتل الحجاجُ سعيدًا وما على وجه الأرض أحدٌ إلا وهو مفتقرٌ إلى علمه. (ت ٩٥ هـ) -﵀-. ترجمته في: طبقات ابن سعد (٦/ ١٧٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١).
(٣) رواه: ابن المبارك في الزهد (رقم ١١١).
[ ٥١ ]
(٢) أن يذكر للخلق ما نزل به على راحة النفس أو على استرحام الخلق له ليرقوا عليه، وليَخْلِفُوا عليه أن ذهب منه شيء، أو يُعِينُوه على أمر دنياه، ولا يذكر على التبرم والتضجر به.
ومنه ضرب آخر يزيد على ذلك:
(٣) أن يقطعه عن كثير من أعمال البر مما ليس بواجب عليه.
فهذه الأقسام من الجزع لا يحرمه الأجرَ، ولا إثم عليه فيه.
الضرب الثاني من الجزع الدي يُخرجه من الصبر؛ وهو على ضربين:
أحدهما: أن يحصل معه شكايةٌ واستعانةٌ.
والآخر: أن يحصل معه استعانة بالمعاصي.
وكلاهما لا أجر له عليه، وعليه الوزر.
أما الذي يحصل معه الشكاية: فان يجمع الغمَّ على قلبه؛ فيخرجُه الغمُّ إلى أن يشكوَ إلى الناس ما نزل به على التَّبَرُّمِ والتضَجُّرِ، والإستنكارِ لما نزل به، وذلك مثل أن يقول: كان يوم أصابني هذا فيه يوم شؤمٍ، يا رب لا أريد هذا الأجر. أكنتُ أعظم الناس ذنبًا؟ وإلى كم هذا البلاء؟ وليت هذا لم يكن!
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أَعَضَّ على جمرة حتى تبرد؛ أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن (١).
وروي عن يعقوب - ﵊ - أنه قيل له: ما قوَّس ظهرك، وأذهب نفسك؟ قال: أذهب نفسي حزني على يوسف، وقوَّس ظهري حزني على أخيه.
_________________
(١) أخرجه: ابن بطة في الإبانة (٢/ ١٥٠ رقم ١٥٩٥) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٦٦٧ رقم ١٢١٧).
[ ٥٢ ]
فاوحى الله إليه: يا يعقوب، تفرَّغت لشكواي (١)؟،
والحديث: "من شكا مصيبةً نزلت به فإنما يشكو ربَّه" (٢).
الضرب الثاني: أن يستعين أو يستريح من شدة الضرِّ، أو ألم السقم، أو الجراحة، أو الضيق، أو ذهاب المال إلى معصية الله تعالى، كالرجل يُحَمُّ، أو يضرب عليه بعض جسده، أو يغتمُّ بذهاب ماله، أو ولده، فمن شدة الضجر يُزنِّي خادمَه، أو امرأته، أو ولده، أو يشتُم ويمتهنُ والديه، أو يضرب بعضَ هؤلاء ظالمًا له.
يفعل ذلك من شدة الغمِّ، أو يتداوى بما لا يحل له؛ كالخمر، أو شحم الخنزير، أو لحمه، أو يظلم، أو يغصِب، أو يخونُ أمانتَه حين ذهبَ مالُه. يريد بذلك جبرَ مصيبته باختيان (٣) ما في يديه، أو يمسك عن الإنفاق على مَنْ يجب عليه؛ كالوالدين والولد والأهل، أو يحبس حقًّا، أو يدعو بالويل، أو يشق الجيب، أو يلطم وجهه.
وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن ذلك، ولعن من شق الجيوب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه (٤).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة (رقم ٤٦) بإسناده عن أنس مرفوعًا، وفيه رجل لم يسم.
(٢) أخرجه: البيهقي في الشعب (٧/ ٢١٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا. وأورد نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥١) من حديث أنس مرفوعًا، وكلاهما: ضعيفٌ. انظر: الموضوعات لإبن الجوزي (٣/ ٣٦٦) وترتيب الموضوعات للذهبي (٣٦٦) والفوائد المجموعة للشوكاني (٢٣٧) وضعيف الترغيب والترهيب للألباني (رقم ١٨٨٧).
(٣) الإختيان: تحرك شهوة الإنسان لتحرك الخيانة، وهو أبلغ من الخيانة لتضمنه القصد والزيادة. تاج العروس (ح ون)، والكليات لأبي البقاء ١/ ٧٨.
(٤) جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". أخرجه البخاري (رقم ١٢٩٨) ومسلم (رقم ١٠٣).
[ ٥٣ ]
ورُوي أن رجلًا كانت له جاريةٌ ترعى غنمًا له، فأخذ الذئبُ شاةً منها؛ فصكَّها صكَّةً، فأخبر النبيَّ - ﷺ - بذلك، فقال: "أعتقها" (١). وأمره بذلك في مقابلة فعله.
ورُوي عن مُطَرِّفٍ (٢) أنه قال في دعائه: أعوذ بك أن أستعين بمعاصيك من ضرٍّ نزل بي (٣).
_________________
(١) أخرجه: مسلم (رقم ٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي.
(٢) مطرف بن عبد الله الشخير، أبو عبد الله العامري البغدادي، من كبار التابعين، ثقة، له كلمات في الحكمة مأثورةٌ (ت ٨٧ هـ) -﵀-. ترجمته في: حلية الأولياء (٢/ ١٩٨) ووفيات الأعيان (٢/ ٩٧).
(٣) روى نحوه: ابن أبي الدنيا في كتابه العقوبات (رقم ٨٨).
[ ٥٤ ]
مَسألةٌ