- قال تلميذُه الحافظ الخطيب البغدادي: كان أحد الفقهاء الحنابلة، وله تصانيف على مذهب أحمد بن حنبل، درس وأفتى سنين كثيرة كتبنا عنه وكان ثقةً (٣).
- قال الحافظ ابن الجوزي: جمع الأمامة في الفقه، والصدق، وحسن الخلق،
والتعبد والتقشف والخشوع، وحسن السمت، والصمت عما لا يعني، واتباع السلف (٤).
_________________
(١) الكتاب رقم (١) طبع بتحقيق د. سعود الخلف، نشرته: دار العاصمة، الرياض ١٤١٠ هـ ورقم (٢) طبع بتحقيق: محمد النجدي، نشرته: دار إيلاف، الكويت ١٤١٥ هـ. وصدر منه جزآن في مجلد، لكنها طبعة ناقصة.
(٢) هذه الكتب كلها ذكرها ابن المؤلف في: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن كتاب عيون المسائل؛ في الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة، ونقل عنه كما في درء التعارض (٤/ ٣٦) ومجموع الفتاوى (٦/ ٢٧٥). ولم أعثر عليها.
(٣) تاربخ بغداد (٢/ ٢٥٢).
(٤) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٨/ ٢٤٤).
[ ١٥ ]
- قال الحافظ الذهبي: انتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه وكان ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلال والمهابة وكان متعففًا، كبير القدر، ثخين الورع (١).
- وقال الحافظ ابن كثير: شيخ الحنابلة، وممهِّد مذهبهم في الفروع (٢).
- وقال ابن العماد الحنبلي: صاحب التصانيف وفقيه العصر، كان إمامًا لا يُدرك قراره ولا يُشق غباره (٣).
هذا شيء من ثناء العلماء على القاضي أبي يعلى -﵀-، ومن يطالع كتب الحنابلة في الفقه وأصوله؛ يتبين له ما للقاضي أبي يعلى من الأثر الكبير على الحركة الفقهية في التاريخ، فله إسهامات واجتهادات أفاد العلماءُ منها بعده.
ومع هذه المنزلة الكبيرة للمؤلف إلا أن بعض العلماء انتقده من جهة روايته للأحاديث الواهية في كتبه، وكذلك تردده في بعض المسائل العقدية، كمسألة الصفات التي اضطرب في إثبات بعضها فخالف مذهب السلف.
قال الحافظ الذهبي عن القاضي أبي يعلى: ولم تكن له يدٌ طولى في معرفة الحديث، فربما احتج بالواهي (٤).
ويقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: ممن سمع الأحاديث والآثار، وعظم مذهب السلف؛ لكنه شارك المتكلمين في بعض أصولهم، ولم يكن له خبرة بالقرآن والحديث والآثار؛ ما لأئمة السنة والحديث؛ لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٢).
(٢) البداية والنهاية (١٢/ ١٠٢).
(٣) شذرات الذهب في أخبار من ذهب (٣/ ٣٠٦).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٠).
[ ١٦ ]
وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظن صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأى ما بينها من التعارض؛ فصار تارةً يختار طريقة أهل التأويل، وتارةً يفوض معانيها؛ ويقول: تجرى على ظواهرها (١).
وما ذكره شيخ الإسلام عن القاضي أبي يعلى واضح لمن تأمل كتبه مثل: المعتمد في أصول الدين وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، وهو أيضًا قد يختار قولًا مخالفًا لمذهب السلف؛ ثم يرجع عنه؛ كاختياره بأن أول واجب على المكلف النظر، في كتابه مختصر المعتمد، ورجع عنه إلى قول السلف في كتابه عيون المسائل، وقد نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهو في الصفات يوجب إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله وفي سنته. وقال في كتابه إبطال التأويلات (١/ ٤٣): إنه لا يجوز رد هذه الأخبار -يعني أخبار الصفات- على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله تعالى؛ لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق وقد ألف كتابه هذا في الرد على أبي بكر ابن فورك الأشعري في تأويلاته التي شحنها كتاتج ٥ مشكل الحديث وبيانه.
وقد أُخذ على أبي يعلى توسعه في الإثبات، فأثبت صفات لم يصح بها الخبر عن رسول الله - ﷺ -. وقوله في إثبات الصفات الفعلية مضطرب؛ فتارة يؤولها كما في كتابه المعتمد في أصول الدين، وتارة يثبتها على أنها صفات ذاتية، لا تقوم بمشيئته، وتارةً يثبتها؛ وأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه؛ على مذهب السلف في ذلك (٢)، ويتضح الإضطراب والتراجع عند القاضي أبي يعلى في مسألة الرؤية، فقد أثبت في أول كتابه
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٣).
(٢) ينظر: المعتمد في أصول الدين (ص ٦١، ٥٤ - ٥٥، ٨٦، ٩٣) وعنه ينقل شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٤).
[ ١٧ ]
ابطال التأويلات: أن الله يرى لا في جهة وهو قول الأشعرية. ثم قال - عن نفيه الجهة: وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك؛ لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة؛ التي هي الإستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء؛ وكل من أثبت هذا أثبت أنه في جهة (١).
وقد ذكر أن بعض الناس شنع على القاضي أبي يعلى فقالوا بأنه يميل إلى التجسيم والتشبيه. وهذا باطل وكذب عليه، وهو من أقوال الأشعرية التي يثيرونها على كل من أثبت ما نفو ٥ من صفات الباري سبحانه، وقد ألمح القاضي أبو يعلى إلى هؤلاء المشنعين في آخر كتابه ابطال التأويلات، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا سبب ما وقع من أولئك (٢).
وهذه الإنتقادات للقاضي أبي يعلى لا تقلل من مكانته، فهو إمام في الفقه وغيره من علوم الشريعة، لكن الكمال لله وحده، ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها.