وَقَدْ خُذِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَتَاهُ الْخِذْلانُ مِنْ أَوَّلِ مَرَضِهِ فَلَمْ يَسْتَدْرِكْ قَبِيحًا مَضَى وَرُبَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِ جوارا فِي وَصِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَاجَأَهُ الْخِذْلانُ فِي سَاعَةِ اشْتِدَادِ الأَمْرِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَضَ وَتَسَخَّطَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلانِ
وَهَذَا مَعْنَى سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْقَلْبِ عِنْدَ الْمَوْتِ الشَّكُّ أَوِ الْجُحُودُ فَتُقْبَضُ النَّفْسُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَدُونَ ذَلِكَ أَنْ يَتَسَخَّطَ الأَقْدَارَ
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ هَاشِمِ الْمَرْوَزِيِّ عَنِ
[ ٧٨ ]
ابْنِ بَانِي وِرَادَ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ قِيلَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ قَلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ هُوَ كَافِرٌ بِهَا
قَالَ الْقُرَشِيُّ وَذَكَرَ هَاشِمُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ بِالضَّيْعَةِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقُلْتُ قَلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ هَيْهَاتَ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنُهَا
قَالَ الْقرشِي وحَدثني أَبُو عبد الرحمن الأَزْدِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أَبِي حَفْصِ الآبَارِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلا مُثِّلَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ فَاحْتُضِرَ رَجُلٌ فَقِيلَ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ شَاهِكَ مَاتَ
قَالَ الْقُرَشِيُّ وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي فُضَيْلُ بن عبد الوهاب قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ يَا رُبَّ قَائِلَةٍ يَوْمًا وَقَدْ لَعِبَتْ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى حَمَّامِ مِنْجَابِ
[ ٧٩ ]
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ قَالَ نَزَلَ الْمَوْتُ بِرَجُلٍ كَانَ عِنْدَنَا فَقِيلَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَقَالَ مَا أُرِيدُ فَقِيلَ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ مَا أَقُولُ لِجُهْدٍ جَهِدَهُ ثُمَّ مَاتَ
وَسَمِعْتُ أَنَا رَجُلا كَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ وَالتَّعَبُّدِ اشْتَدَّ بِهِ الأَلَمُ فَافْتُتِنَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَقَدْ قَلَّبَنِي فِي أَنْوَاعِ الْبَلاءِ فَلَوْ أَعْطَانِيَ الْفِرْدَوْسَ مَا وَفَّى بِمَا يَجْرِي عَلَيَّ ثُمَّ صَارَ يَقُولُ وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الابْتِلاءِ مِنَ الْمَعْنَى إِنْ كَانَ مَوْتًا فَيَجُوزُ فَأَمَّا هَذَا التَّعْذِيبُ فَأَيُّ شَيْءٍ الْمَقْصُودُ بِهِ
وَسَمِعْتُ شَخْصًا آخَرَ يَقُولُ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الأَلَمُ رَبِّي يَظْلِمُنِي
وَهَذِهِ حَالَةٌ إِنْ لَمْ يَنْعَمْ فِيهَا بِالتَّوْفِيقِ لِلثَّبَاتِ وَإِلا فَالْهَلاكَ وَمِنْهَا مَا كَانَ يُقَلْقِلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَخَافُ أَن يشتدد عَلَيَّ الأَمْرُ فَأَسْأَلُ التَّخْفِيفَ فَلا أجَاب فأفتتن
وَأخْبرنَا عبد الوهاب بْنُ الْحَافِظِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلَيٍّ التَّوْزِيُّ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الدَّقَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا رَضْوَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ قَالَ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَأْتِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمٍ فَيَقُولُ يَا إِبْرَاهِيمُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَنَا عَلَى التَّوْحِيدِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ
[ ٨٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو نَعِيمٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن يزِيد قَالَ حَدثنَا عبد الرحمن بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ لَمَّا اشْتُدَّ بِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُسْلَبُ الإِيمَانُ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ
[ ٨١ ]
الْبَابِ الْخَامِسِ فِي ذِكْرِ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَوْتِ
هَؤُلاءِ انْقَسَمُوا أَقْسَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْجَزَعِ مَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لَا يَنْفَعُ فَصَبَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أحب أَن يُذْكَرُ بِالصَّبْرِ وَيُمْدَحُ عَلَيْهِ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنَ اللُّصُوصِ عِنْدَ الصَّلْبِ لَا يَجْزَعُونَ
وَرُوِّينَا أَنَّهُ لَمَّا أُخِذَ بَابِلُ الْحَزْمِيُّ لِيُقْتَلَ قَالَ لَهُ أَخُوهُ قَدْ فَعَلْتَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ فَاصْبِرْ صَبْرًا لَمْ يَصْبِرْ مِثْلُهُ أَحَدٌ فَقَالَ سَتَرَى صَبْرِي فَقُطِعَتْ يَدُهُ فَأخذ من دَمهَا فَمسح بهَا وَجْهَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ خِفْتُ أَنْ يَصْفَرَّ وَجْهِي فَيُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ جَزَعٌ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْبِرُ لِئَلا يَشْمَتَ بِهِ الأَعْدَاءُ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ جَلَسَ وَتَجَلَّدَ وَتَجَلَّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمُ أَنِّي لِرِيَبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتُ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
[ ٨٣ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الثَّوَابَ فَصَبَرَ احْتِسَابًا وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُؤْثِرُ الْمَوْتَ وَهَؤُلاءِ يَنْقَسِمُونَ فَمِنْهُمُ الْفَلاسِفَةُ لعنُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ خُرُوجَ الرُّوحِ سَبَبُ عَوْدِهَا إِلَى عُنْصُرِهَا فَيَخْتَارُونَ ذَلِكَ
وَقَدِ اعْتَقَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا قُتِلُوا ظُلْمًا دَخَلُوا الْجَنَّةَ فَهُمْ يُؤْثِرُونَ الْقَتْلَ وَلا يَسْتَوْحِشُونَ مِنَ الْمَوْتِ
وَمِنْهُمْ قَوْمٌ خَافُوا الْفِتَنَ فَآثَرُوا الْمَوْتَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَنْ رَأَى الْمَوْتَ يُبَاعُ فَلْيَشْتَرِهْ لِي
وَقَالَتْ عَابِدَةٌ أُحِبُّ الْمَوْتَ مَخَافَةَ أَنْ أَجْنِي عَلَى نَفْسِي جِنَايَةً يَكُونُ فِيهَا عَطَبِي
وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَتْ لَهُ خَطَايَا فَآثَرَ عِقَابَ النَّفْسِ عَلَى مَا جَنَتْ كَمَا قَالَ أَبُو طَلْحَةَ خُذْ مِنِّي لِعُثْمَانَ حَتَّى تَرْضَى وَكَمَا سَلَّمَ مَاعِزُ نَفْسَهُ إِلَى الرَّجْمِ وَالْغَامِدِيَّةُ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ عِنْدَ الْمَوْتِ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ اخْرُجِي فَوَاللَّهِ لَخُرُوجُكِ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ بَقَائِكِ فِي بَدَنِي
وَمِنْهُمْ قَوْمٌ أَحَبُّوا الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى اللَّهِ ﷿ وَعَلِمُوا أَنَّ الْمَوْتَ هُوَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي
[ ٨٤ ]
وَقَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ لَقَدْ طَالَ عَلَيَّ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ ﷿
وَقَدْ جَزِعَ أَقْوَامٌ عِنْدَ الْمِوْتَ لأَسْبَابٍ مِنْهَا غَلَبَةُ الْخَوْفِ عَلَيْهِمْ إِمَّا لِذُنُوبٍ أَوْ لِتَقْصِيرٍ أَوْ لِمُجَرَّدِ هَيْبَةِ مَا يَلْقَوْنَ إِلا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عِنْدَ الْمَوْتِ حُسْنُ الظَّنِّ وَالرَّجَاءُ