وَأَمَّا قَوْلُ إِبْلِيسَ مَا وَجْهُ هَذَا التَّعْذِيبِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اللُّطْفِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدِهِمَا أَنَّ هَذَا الاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَالِكِ وَأَفْعَالُهُ سُبْحَانَهُ لَا تُعَلَّلُ وَفَرْضُ الْعَقْلِ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنَّهُ امْتَحَنَ الأَبْدَانَ بِالأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَابْتَلَى الْعُقُولَ بِمَا لَا تَفْهَمُهُ لِيُسَلِّمَ مِثْلِ إِيلامِ الْحَيَوَانِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ
فَيَنْبَغِي أَنْ يُلاحِظَ عَظَمَةَ الْمُتَصَرِّفِ وَيَعْلَمَ كَمَالَ حِكْمَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الاسْتِطْرَاحَ لِقَضَائِهِ وَالتَّسْلِيمَ لأَمْرِهِ وَيُلْزِمُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَقُّ لِعِلْمِهِ بِكَمَالِ الْحِكْمَةِ
وَالْعَقْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَحَدُّهُ إِدْرَاكُ الْمَعْلُومَاتِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُدْرِكَ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْحَوَاسِّ الْمُدْرِكَةِ لِلأَشْيَاءِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ أَنْ يَعْلَمَ مَضَارَّهَا وَمَنَافِعَهَا
فَالاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ أَقْبَحِ الأَحْوَالِ وَإِنَّمَا يَعْتَرِضُ مَنْ يَقِيسُ صِفَتَهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ
مِثَالُهُ أَنْ يَسْمَعَ أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَطْلُبُ الرَّحْمَةَ الَّتِي يَجِدُهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَيَرَاهُ قَدْ سَلَّطَ الأَعْدَاءَ عَلَى الأَوْلِيَاءِ وَالْجَوَارِحَ عَلَى
[ ٦٠ ]
الصَّيْدِ فَيَظُنَّ عَدَمَ الرَّحْمَةِ فَيَكْفُرَ
فَسَلِّمْ لأَوْصَافِهِ كَمَا سَلَّمْتَ لِذَاتِهِ فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ وَلَسْتَ بِأَهْلٍ أَنْ تَعْتَرِضَ عَلَيْهِ
وَلَقَدْ كَانَ يُسَلِّطُ الْبَلايَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَلا تَتَغَيَّرُ قُلُوبُهُمْ بِنِيَّاتِهِمْ يَنْصُرُ يَوْمَ بَدْرٍ سَلَّطَ الأَعْدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاعْتِقَادَاتُ الْقَوْمِ ثَابِتَةٌ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ
فَأَمَّا أَنْتَ فَاعْتِقَادُكَ مُزَلْزَلٌ أَقَلُّ شَيْءٍ يُحَرِّكُهُ وَهَذَا أَصْلُ الأُصُولِ فَمَنْ تَأَمَّلَهُ وَفَهِمَهُ سَلِمَ مِنَ الآفَاتِ وَالْوَحْشَةِ
الثَّانِي أَنَّ هَذَا الَّذِي ظَاهِرُهُ تَعْذِيبٌ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَاطِنِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْطُفُ بِالْمُؤْمِنِ فَيُشْغِلُ بَصَرَهُ بِرُؤْيَةِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَسَمْعَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَقْبِضُ رُوحَ الْمُؤْمِنِ قَالَ لَهُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ وَيُشْغِلُ الْقَلْبَ بِالْفِكْرِ فِي انْتِظَارِ اللِّقَاءِ فَلا تَحُسُّ الْجَوَارِحُ بِمَا يَجْرِي كَتَقْطِيعِ أَيْدِي النِّسْوَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ يُوسُفَ ﵇
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ إِذَا اسْتَشْفَعَتْ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ جَاءَهُ مَلَكٌ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ اللَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَقَرَأَ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُم﴾
[ ٦١ ]
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ تَأْتِي الْمَلائِكَةُ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَ يَقُولُونَ لَا تَخَفْ مِمَّا أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْهِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ وَلا تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا وَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَقَدْ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ
إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانَ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلانٌ فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانَ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ
قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْمنْهَال عَن عَمْرو بن زَاذَانَ عَنِ الْبَرَّاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ
[ ٦٢ ]
الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أيتها النَّفس الطّيبَة اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَتَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلأ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُشَيِّعُهُ مِنْ كل سَمَاء مقربوها حَتَّى ينتهين بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ