قال أبو محمد:
قال مالك: قال النبي ﵊ لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا؟ - وشبك بين أصابعه- قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: عليك بما تعرف وإياك ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم".
قال مالك: لا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن، وقد كان يحب البقاء في الدنيا.
وقال النبي ﷺ: يأتي على الناس زمان يُمسي المرء مؤمنًا ويُصيح كافرًا ويصبح مؤمنًا ويُمسي كافرًا، قيل: يا رسول الله فأين العقول ذلك الزمان؟
[ ١٥٣ ]
قال: تنتزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان.
وقرأ أبو هريرة: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر ١: ٢]، فقال: والذي نفسي بيده لقد دخلوا فيه أفواجًا وليخرجن منه أفواجًا كثيرة.
قال مالك: قال طلحة بن عبيد الله: قد خفت الأمر وغلب سفهاء الناس علماءهم.
قال: واعتزل أبو الجهم وترك مجالسة الناس فقال: إني وجدت قرب الناس شرًا.
قال يحيى بن سعيد: لما كانت الفتنة اعتزل محمد بن مسلمة وغيره.
فنزل محمد الربذة فأتاه ناس من أهل العراق يحرضونه، فأراهم سيفه قد كسره.
وقال النبي ﷺ: "إن رأيت من الأمور (ما تنكر) فاكسر
[ ١٥٤ ]
سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك، وعض على لسانك".
قال يحيى بن سعيد: لم يترك الصلاة في مسجد النبي ﷺ منذ كان الرسول ﷺ إلا ثلاثة أيام يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: [١١ ب] ونسيت الثالث.
قال محمد بن عبد الحكم: هو يوم خرج بها أبو حمزة الخارجي.
قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة ممن حمل القرآن.
قال ابن القاسم: أشك أن فيهم أربعة من أصحاب النبي ﵊.
قال مالك: كان يقال: من لقي الله لم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر.
قال مالك: لما حكم على الحكمين خرجت تلك الخارجة، فقالوا: لا حكم إلا الله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل.
وهي أول خارجة خرجت، فتعدوا وكفروا الناس.
قال مالك: ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وضرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير
[ ١٥٥ ]
هذا، وضرب ابن المسيب، وأدخل في تبان من شعر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلًا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
قال مالك: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على ابن المسيب في السجن وقد ضُرب ضربًا شديدًا، فقالا له: اتقِ الله فإنا نخاف على دمك، قال: اخرجا عني أترياني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما؟.
قال مالك: لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف الصالح، وأرض الله واسعة، ولقد أنعم الله على عبد أدرك حقًا فعمل به.
وقال ابن مسعود: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعلموا به تكونوا من أهله.
قال مالك: وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله فإن عصوا كانوا شهودًا على من عصاه.
قيل له: الرجل يعمل أعمالًا سيئة، يأمره الرجل بالمعروف وهو يظن [أنه لا يطيقه] وهو ممن لا يخافه كالجار والأخ؟
قال: ما بذلك بأس ومن الناس من يرفق به فيطيع، قال الله ﷿: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
[ ١٥٦ ]
قيل له: أيأمر الرجل الوالي أو غيره [بالمعروف وينهاه] عن المنكر؟
قال: إن رجا أن يطيعه فليفعل.
قيل له: فإن لم يرج هل هو من تركه في سعة.
قال: لا أدري.
قيل له: أيأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟
قال: نعم، ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
قال مالك: كان عمر بن الخطاب يقول إذا [١٢ أ] أكربه أمر: والله لا يكون ذلك ما بقيت أنا وهشام بن حكم.
قال مالك: مر على عمر حمار عليه لبن، فطرح عنه منه، استكثره ورآه يثقله.
قيل لمالك: أمور تكون عندنا علانية من حمل المسلم الخمر، ومشيه مع المرأة الشابة يحادثها؟
قال: وددت أن بعض الناس يقومون في ذلك.
قيل: فإن كان لا يقوى إلا بسلطان، فأتاه فأذن له أيأمر في ذلك وينهي الرجل فيه؟
قال: إن قوي على ذلك (وأصاب وجه العمل) مما أحسنه.
[ ١٥٧ ]
قال ابن وهب: سمعت مالك يقول فيمن يرى الشيء مما يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر.
قال: إن أهل الخير والفقه مختلفون في هذا.
قال مالك: وكل من رأى منكرًا يقوم حتى يأمر به.
قال مالك: وقد دخلت على عبد الله بن يزيد بن هرمز وهو على سرير وليس عنده أحد، فذكر شرائع الإسلام وما انتقض منه وما خاف من ضيعته وإن دموعه لتُسكب.
قال مالك: كان عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري رجلًا صالحًا يدخل على الوالي في الأمر ينصحه فيه فلا يرفق به فيه، ولا يكف عن شيء من الحق بكلمة به.
قال مالك: وغيره من الناس يفرق أن يضرب.
قال مالك: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.
قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟
قال مالك: وكان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه، يكره لنفسه
[ ١٥٨ ]
الخصوم، وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا.
وسئل عن ذلك مالك فقيل له: أرأيت الرجل يموت ولك عليه دين لا وفاء له به؟
قال: أفضل عندي أن أحلله، وأما الرجل يظلم الرجل، وفي رواية أخرى يغتابه وينتقصه، فلا أرى ذلك، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
وفي رواية أخرى، قال: كان بعض الناس يحلل من ظلمه ويتأول الحسنة بعشر أمثالها، وما هذا بالبين عندي، ولا (أدري ما) هذا فإن الذي لم يعف لمستوف حقه.
قيل لمالك: فالرجل يُولي العمل فيأبى، ويشير بمن يعمل؟
قال: إن أشار بمأمون فلا بأس بذلك [١٢ ب].
قيل لمالك: فالجر يُدْعى للعمل فيكره أن يجيب ويخاف أن يُسجن أو يُجلد، طهره أو تُهدم داره؟
قال: فليصبر على ذلك ويترك العمل، وأما من خاف على دمه فلا أدري ما حدّ ذلك، ولعل له في ذلك سعة إن عمل.