قال أبو محمد:
قال مالك: قال رجل لرسول الله ﷺ: إني أحب أن يكون ثوبي نظيفًا وشراك نعلي خصيفًا، أفذلك من الكبر؟
فقال: (لا، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس).
[وقد] قال ﵊: (إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم).
قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على جهة التحزن فليس من ذلك ما
[ ١٧٥ ]
يريد: إنما المكروه من قال ذلك طعنًا وتنقصًا.
قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس.
قال مالك: ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ قال له: أنا فقال له: لو كنت سيدهم ما قلته.
وقال عمر: إن المدح هو الذبح.
وروي أن النبي ﵊ قال: (يقول الله سبحانه يوم القيامة: من عمل عملًا أشرك فيه غيره فهو له، وأنا منه بريء، أنا أغني الشركاء عن الشرك).
قال مالك: رأى سعد بن أبي وقاص رجلًا بين عينيه سجود فقال له: من كم أسلمت؟، فذكر له الرجل أمره كأنه بقر به، فقال سعد: أسلمتُ منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء.
وذكر مالك القصد وفضله، وقال: وإياك من القصد ما تحب أن ترتفع به وتُعجب به الناس.
وقيل لمالك في المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يُحب أن يُعلم به، ويُحب أن يُلقى في طريق المسجد؟ قال: إن كان أولُ ذلك لله فلا بأس، وربما كان
[ ١٧٦ ]
ذلك من الشيطان [١٦ ب] ليمنعه ذلك.
وإن المرء يحب أن يكون صالحًا، وقد قال عمر لابنه حين سألهم النبي ﵊ عن شجرة ضربها مثلًا للمؤمنين، قال: فقلت في نفسي هي النخلة، ولم أتكلم بذلك، فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
وهذا يكون في القلب لا يُملك، قال الله سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩].
وقال ابن عمر: اللهم اجعلني من أيمة المتقين.
قال أبو حازم: ما كان في نفسك فرضيته نفسك لها فهو من نفسك فقابلها، وما كان من نفسك فكرهته نفسك لها فهو من الشيطان، فتعوذ بالله منه.
قال بعض العلماء: الرياء أن تعمل عملًاَ لا تحب أن يعرفك الناس به ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء، ويقال: من خاف الرياء سلم منه، ويقال: من البر أن لا تترك البر مخافة الرياء.
ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس، وتمقتهم ولا تمقت نفسك.
[ ١٧٧ ]
وقال بعض السلف: إذا كنت في الصلاة فقال لك الشيطان: إنك تُرائي فزدها طولًا، فإنه كذوب.
قال مالك: واخف النوافل كلها للصلاة وغيرها أحسن.
قال مالك: سمعت أنه ما خرف قط إنسان صدوق.
قال ابن مسعود: ما من خصلة في امرئ أشر من الكذب.
قيل لمالك: هل يؤدب الرجل أهله وولده على الأيمان بالكذب؟
قال: نعم.
قال عمر بن الخطاب: لا تنظروا إلى صوم أحد ولا إلى صلاته ولكن انظروا من إذا حدث صدق وإذا ائتمن [أدى]، وإذا أشفى ورع.
قال مالك: وكان الخير لا يُعرف في عمر ولا في ابنه عبد الله حتى يقولا أو يعملا.
قال القاسم: أدركت الناس وما يعجبون بالقول.
[ ١٧٨ ]
قال مالك: يريد إنما يُنظر إلى العمل.
وروي أن النبي ﵊ قال: (المكر والخيانة والخديعة في النار).
وقال ﵊: (إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
وقال ﵊: (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره).
قال مالك: قال القاسم: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم.
وروي أنه ﵊ قال: (الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع).
قيل: يا رسول الله: وإن كان [١٧ أ] حقًا؟ قال: (إذا قلت باطلًا فذلك البهتان).
وفي بعض الحديث أن من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه، فقيل: هو المعلن بالفسق والله أعلم، ويقال: لا غيبة في أمير جائر، ولا في ذي بدعة يدعو إلى بدعته، ولا فيمن يشاور فيه لنكاح أو شهادة ونحوه، وقد قال النبي ﵊ لفاطمة بنت قيس فيمن خطبها، فقال: إن معاوية صعلوك
[ ١٧٩ ]
لا مال له.
وكذلك رأت الأيمة أن لمن يقبل قوله من أهل الفضل أن يُبين أمر من يخاف أن يتخذ إمامًا فيذكر ما فيه من كذب وغيره، مما يوجب ترك الرواية عنه.
وكان شعبة يقول: اجلس بنا نغتب في الله.
قال عمر بن الخطاب: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا وهو يجد لها من الخير مصدرًا.
قال: وخلا ابن عمر بجارية فرآه رجال فأتى بها إليهم فقال: هي جاريتي، قالوا: يغفر الله لك أيتهمك أحد؟ قال: لا، ولكن أحببت أن تعلموا ذلك.
وقال القاسم: إني لأدع حاجة في موضع أخاف أن يُظن بي فيه [السوء].
[ ١٨٠ ]