قال أبو محمد:
قال مالك: قال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب
[ ١٥٩ ]
الله من ذكر الله هنا، وروي أن النبي ﵊ كان من دعائه كلما أصبح وأمسى: "اللهم بك نُصبح وبك نُمسي وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور"، وإذا أمسى قال: "وإليك المصير، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظًا ونصيبًا من كل خير تقسمه في هذا اليوم، وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شيء قدير".
ومن دعائه: "اللهم بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا وفي كنفك أصبحنا وأمسينا".
ومن دعائه عند النوم، يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجات ظهري إليك، وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك، رهبة منك ورغبة إليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، ثم يقول: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"، يرددها.
ومن دعائه ﵊ إذا خرج [١٣ أ] من بيته: "اللهم إني أعوذ بك أن أضِل أو أُضل أو أَزِل أو أُزَل أو أَظِلم أو أُظلَم أو أجهل أو يُجهل علي".
وفي باب السفر ذكر الدعاء عند السفر.
وقال ﵊: "أما الركوع فعظموا فيه الله، وأما السجود فاجتهدوا
[ ١٦٠ ]
فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم"، يقول: فحري أن يُستجاب لكم".
وروي من قوله في الركوع: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
وسمع ﷺ (يقول وهو ساجد من الليل): "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
ومما رُوي أنه يُستحب دُبُر الصلوات أن يُسبح ثلاثًا وثلاثين ويكبر ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وروي مما يستحب عند الخلاء أن يقول: الحمد لله الذي رزقني لذته، وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته.
[ ١٦١ ]
قال: ودعا عمر بن الخطاب على نفسه بالموت حين قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط ..
قال: وقال عمر بن عبد العزيز لبعض من كان يخلو معه: ادع لي بالموت، وكان عمر بن عبد العزيز يدعو: اللهم رضني بقضائك وأسعدني بلقائك، حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته.
وقال مالك: كان عامر بن عبد الله يرفع يديه بعد الصلاة يدعو، ولا بأس به ما لم يرفع جدًا، وفي رواية ابن غانم: ليس رفع اليدين في الدعاء من أمر الفقهاء.
قال مالك: وأكره أن يحلف أحد بحق الخاتم الذي على في أو يقول: رغم أنفي لله، وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله الحمد لله الذي قطع مدة الحجاج.
وسئل مالك عن النوم بعد صلاة الصبح قال: غيره أحسن منه وليس بحرام.
قال مالك: كان سعيد بن أبي هند ونافع مولى ابن عمر وموسى.
[ ١٦٢ ]
قال مالك: كان من دعاء رسول الله ﷺ: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت في قوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون".
والتعويذ الذي علمه جبريل رسول الله ﷺ إذا رأى عفريتًا يطلبه بشعلة من نار حين أسري به: "أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.
قال مالك: وكان يقال: أعوذ بك من جور بعد كور، ويروى بعد طور.
وهو أن يتحول عن صلاح [حال] كان عليه.
ويقال: أعوذ بك من جار سوء في دار مقامة.
قال مالك: وقال النبي ﵊: (من نزل منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل).
قال مالك: يستحب للرجل إذا دخل منزله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله [١٣ ب] (وهو في كتاب الله ﷿).
[ ١٦٣ ]
ابن ميسرة يجلسون بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ثم يتفرقون وما يكلم بعضهم بعضًا اشتغالًا بذكر الله [تعالى].
ولم تكن القراءة في المسجد في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يُقرأ في المصحف في المسجد.
وأنكر مالك القصص في المسجد.
وقد قال تميم الداري لِعُمر: دعني أدع الله وأقص وأذكر الله، فقال عمر: لا، فأعاد عليه، فقال: أنت تريد تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني.
قال مالك: ولا أرى أن يُجلس إليهم، وإن القصص لبدعة، قال: وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب، وكان ابن المسيب وغيره يتحلقون والقصاص يقص.
قال مالك: نهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا، وكره التابوت الذي [يجعل] في المسجد للصدقة.
وسئل مالك عن الأكل في المسجد فقال: أما الشيء الخفيف مثل السويق ويسير الطعام فأرجوه، ولو خرج إلى باب المسجد كان أحب إلي، وأما الكثير فلا يعجبني ولا في رحابه، وأكره [١٤ أ] المراوح التي في مقدم المسجد التي يروح بها الناس.
[ ١٦٤ ]
وقال في الذي يأكل اللحم في المسجد: أليس يخرج يغسل يديه؟ قالوا: بلى، قال: فليخرج ليأكل مثل هذا.
قال: وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد، وأكره أن يبني مسجدًا ويتخذ فوقه مسكنًا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من السواك من فِيه يلقيه، ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج لفعل ذلك، وكره ما يصنع الناس من اجتماعهم لأكل الطعام في المسجد في رمضان.
وسئل عما يتخذ من المساجد في القرى تتخذ يأكل فيها الصبيان ويبيتون؟
قال: أرجو أن يكون خفيفًا.
قال مالك: إن استطعت أن تجعل القرآن إمامًا فافعل فهو الذي يهدي إلى الجنة.
قيل: فالرجل المحصي يختم في الليلة؟ قال: ما أجود ذلك.
قيل: هل يقرأ في الطريق؟ قال: الشيء اليسير، وأما الذي يديم ذلك فلا.
قال سحنون: ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع.
قيل: فالرجل يخرج إلى قريته ماشيًا أيقرأ؟ قال: نعم.
قيل: فيخرج إلى السوق أيقرأ في نفسه ماشيًا؟ قال: أكره أن يقرأ في السوق.
[ ١٦٥ ]
وسئل عن القراءة في الحمام؟ قال: ليس الحمام بموضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات فما بذلك بأس.
وسئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن؟ قال: ما أرى هذا ينبغي.
قال: ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة.
وقال مالك: أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.
قال مالك: ولا تعجبني القراءة بالألحان ولا أحبه في رمضان ولا غيره؛ لأنه يشبه الغناء ويضحك بالقرآن، ويقال: [فلان] أقرأ من فلان.
وبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء أترى هذا من القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ؟.
قال مالكك ولا بأس بالحلية للمصحف، وإن عندي مصحفًا كتبه جدي إذ كتب عثمان [﵁] المصاحف عليه فضة كثيرة.
قيل: هل يكتب في أول السورة عدد آياتها؟
فكره ذلك في أمهات المصاحف [١٤ ب] وأن يشكل وينقط، فأما ما يتعلم
[ ١٦٦ ]
فيه الصبيان فلا بأس.
قيل: فمما كتب اليوم من المصاحف أيكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟
قال: لا، ولكن على الكتبة الأولى، وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها بسم الله الرحمن الرحيم، فتركت.
قيل: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟
قال: أجل، ولكن أراهم إنما ألقوه على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ.
قيل: أفيكتب في الألواح يتعلمون فيها بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة السورة، وكل ما يكتبون؟
قال: نعم.
[ ١٦٧ ]
وكره علم الأعشار في المصحف بالحمرة ونحوه، فقال: يعشر بالحبر، ورأينا مصحف مالك مُغَشى بخرق ديباج ومن فوقها غلاف طايفي أحمر.
قال مالك: وهذا من ديباج الكعبة، وأستخف أن يشتري منه للمصحف.
قال: ولا يُحلى بشيء من الذهب.
قال ابن المسيب: لأن أنام عن العشاء الآخرة أحب إلي من أن ألغو بعدها.
وقيل: فإن سمر بعدها في علم أو عمل يد ونحوه من القدر فلا يكره.
وأنكر مالك أن يقال: صلاة العتمة، وأيام التشريق، وقال: يقول الله سبحانه: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [النور: ٥٨]، وقال الله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
[ ١٦٨ ]