قال أبو محمد:
قال الرسول ﵊: "لا ينزع الله العلم انتزاعًا من الناس ولكن يقبض الله العلم بقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ
[ ١٤٥ ]
الناس رؤوسًا جهالًا سُئِلُوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
قال مالك: سأل عبد الله بن سلام كعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟
قال: الذين يعملون بعلمهم.
قال: صدقت.
قال: (فما الذي نفاه عن صدورهم) بعد أن عِلموه؟
قال: الطمع.
قال: صدقت.
قال مالك: لم يكن بالمدينة قط إمام أخبر بحديثين مختلفين.
قال أشهب: يعني لا يحدث بما ليس عليه العمل.
قال ابن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
وسئل مالك: هل يقدم في الأحاديث ويؤخر والمعنى واحد؟
[ ١٤٦ ]
قال: أما ما كان من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك وأن يزاد فيها أو ينقص وما كان من غير قوله فلا أرى به بأسًا إذا اتفق المعنى.
وقيل لمالك أيضًا: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد؟
قال: أرجو أن يكون خفيفًا.
قيل لمالك: أيؤخذُ ممن لا يحفظ الأحاديث وهو ثقة؟
قال: لا.
قيل: يأتي بكتبه قد سمعها؟
قال: لا تؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
قال معن بن عيسى: سمعت مالكًا يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيه معلن بالسفه، ولا عن من يكذب في أحاديث الناس وإن كان يصدق في أحاديث النبي ﷺ ولا عن من لا يعرف هذا الشأن.
[ ١٤٧ ]
قال مالك: أهل المدينة ليست لهم كتب، مات ابن المسيب والقاسم ولم يتركا كتابًا، وبلغني أن أبا فلانة ترك حمل [١٠ أ] بغل من كتب، ولم يكن عند ابن شهاب إلا كتاب فيه نسب قومه.
قيل لمالك: أرأيت من أخذ بحديث حدثه به ثقة عن أحد من الصحابة أتراه في سعة؟
قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان جميعًا صوابًا.
وذكر عن الليث مثله.
قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقال: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أكره هذا ولم أكن لأصنعه، فكان الناس يكتفون بذلك.
وفي موضع آخر كانوا لا يقولون حلال ولا حرام إلا لما في كتاب الله [تعالى].
[ ١٤٨ ]
قال مالك: إنما أفسد على الناس تأول ما لا يعلمون.
قال مالك: ليس يسلم رجل حدث بكل ما يسمع ولا يكون إمامًا أبدًا.
قال مالك: يلبسون الحق بالباطل.
قال مالك: الذي غلب عليه أمر الناس هو المنهج، وقد يكون الشيء [حسنًا] وغيره أقوى منه.
قال مالك: إذا أصبت الجواب قل الكلام، وإذا كثر الكلام كان من صاحبه فيه الخطأ.
قال: ونهي عن الصياح في العلم وكثرة اللغط.
قال: وكان ابن هرمز قليل الكلام، قليل الفتيا، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرًا بالكلام وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك.
قال محمد بن عجلان: ما هبتُ أحدًا قط هيبتي زيد بن أسلم، وكان زيد يقول له: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال.
ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك أن تقول.
قال مالك: ربما مر بي زياد مولى ابن عياش فيضع يده بين يدي،
[ ١٤٩ ]
ويقول: عليك بالجد، فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حق لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت الجد، يريد: ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم.
قال مالك: إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك، فخذ في ذلك بالذي هو أوثق.
قال مالك: كان سليمان بن يسار أعلم هذه البلدة بعد سعيد بن المسيب، وكان إذا كثر الكلام واللغط في المسجد أخذ نعليه وقام.
قال مالك: ولا أحب الإكثار من المسائل والأحاديث، وأدركت أهل هذا البلد يكرهون الذي في الناس اليوم [١٠ ب]، ولم يكن أول هذه الأمة بأكثر الناس مسائل، ولا هذا التعمق، وقد نهى النبي ﵊ عن كثرة المسائل، وفي الحديث الآخر نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال.
قال مالك: فلا أدري هو ما أنتم فيه من كثرة السؤال أم سؤال الاستسعا، وكان مالك يكره العجلة في الفتيا وربما ردد المسائل، [وكثير القول: لا أدري].
[ ١٥٠ ]
وقال: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله.
قال مالك: من إدالة العالم أن يجيب كل من سأله.
وقال ابن عباس: من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون.
وسئل مالك عن شيء، فقال: ما أحب أن أجيب في مثل هذا.
وقد ابتلى عمر بن الخطاب بمثل هذه الأشياء، فتركها ولم يجب فيها.
قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إذا جعل الرجل قاضيًا أو أميرًا أو مفتيًا فينبغي أن يسأل عن نفسه من يثق به، فإن رآه أهلًاَ لذلك دخل فيه، وإلا لم يدخل.
قال مالك: ومن عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه.
قال مالك: ولا بأس أن يقول الرجل فيما قرأه على العالم: حدثني كما يقول: أقرأني فلان، وإنما أنت تقرأ عليه القرآن.
قيل: فالرجل يقرأ عليك وأنا حاضر أيجوز لي أن أحدث به؟
قال: نعم.
[ ١٥١ ]
قيل له: فالرجل يقول له العالم: هذا كتابي، فاحمله عني وحدث بما فيه؟
قال: لا أراه يجوز، وما يعجبني، وإنما يريدون الحمل.
قال أشهب: يريد الحمل الكثير في الإقامة اليسيرة.
وروي عن مالك غير هذا.
وروي أيضًا عنه أنه قال: كتبت ليحيى بن سعيد مئة حديث من حديث ابن شهاب فحملها عني ولم يقرأها علي.
وحكاية أخرى: قيل: أقرأتها عليه أو قرأها عليك؟
قال: كان أفقه من ذلك.
وقد أجاز الكتب ابن وهب وغيره من العلماء.
والمناولة أقوى من الإجازة إذا صح الكتاب.
قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط.
قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا.
قلت: فيعاد عليك الحديث؟ قال: لا.
وقد تقدم في أول المختصر كثير من معاني هذا الباب.
[ ١٥٢ ]
[١١ أ] باب في الفتن وفساد الزمان وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر بعض من امتحن في ذلك وتحليل الظالم، وفي