قال أبو عبد الله: وهذا الباب منه ما حُفظ عن مالك وأكثره من غيره من أهل العلم بالمغازي والتاريخ.
قالوا: أقام رسول الله ﵊ ثلاث عشرة سنة صابرًا على أذى المشركين وتندر المستهزئين، واشتد البلاء على أصحابه حتى أذن لبعضهم في الهجرة إلى أرض الحبشة.
ثم كانت أول آية نزلت على النبي ﵊ في الجهاد قول الله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] الآيات.
[ ٢٦٥ ]
ثم أنزلت: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، الآيات.
فلما أذن الله له في الحرب وبايعه الأنصار بالعقبة أمر رسول الله أصحابه بالخروج إلى المدينة مهاجرين، فخرجوا متهافتين وأقام النبي ﵊ بعدهم ينتظر أن يأذن الله في الهجرة، ولم يتخلف معه أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن إلا أبو بكر وعلي فكلما [٣٢ ب] استأذن أبو بكر رسول الله قال: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبًا، فرجا أن يكون أبو بكر هو، فابتاع راحلتين فأعدهما لذلك وكان رسول الله ﷺ لا يخطئه أن يأتي بيت أبي بكر طرفي النهار فلما كان يوم أذن الله له في الهجرة فأتى أبا بكر في الهجرة فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر له عن سريره فجلس فأعلمه ﵊ أن الله أذن له في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا ر سول الله، قال: الصحبة، فبكي أبو بكر فرحًا وأعلمه استعداده الراحلتين لذلك، فبعثاهما مع عبد الله بن [أرقط] يرعاهما ولم يعلم خبر الهجرة إلا أبو بكر وعلي، قال أبو بكر: وأمر عليًا أن يتخلف بعده
[ ٢٦٦ ]
ليرد الودائع التي كانت عنده، ثم خرج هو وأبو بكر من خوخة في ظهر بيته إلى غار بثور وهو جبل بأسفل مكة فدخلاه ليلًا وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقول الناس ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه ثم يريحها إلى الغار إذا أمسى.
وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمسيا فأقاما بالغار ثلاثة أيام.
وجعلت قريش فيه مائة ناقة، حتى إذا سكن الناس عنهما بعد ثلاث أتاهما ذلك الذي استأجراه بالراحلتين، وأتت أسماء بالسفرة ونسيت أن تجعل لها غطاء فجعلت نطاقها فسُميت ذات النطاقين: فلقد شقت نصفه وتنطقت بنصفه وركب رسول الله ﷺ أفضل الراحلتين، ولم يأخذها إلا بالثمن، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق.
ودليلهما عبد الله بن (أرقط).
قال مالك: اسم دليلهما رقيط وكان كافرًا.
وقال موسى بن عقبة: اسمه أريقط.
[ ٢٦٧ ]
واتبعهما سراقة بن مالك بن جعشم على فرسه، جعل المشركون في رده مئة ناقة.
قال سراقةك فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، [ثم انتزع] يده من الأرض وتبعها دخان كالإعصار، فعرفت حين ذلك أنه قد مُنع مني (فناديت القوم فقلت): أنا سراقة انتظروني [٣٣ أ] أكلمكم [فوالله لا أريبكم]، فقال النبي ﵊ لأبي بكر: ([قل له] ما يريد)؟ فسألني، قلت: تكتب لي كتابًا، فأمر أبا بكر أن يكتب لي في عظم أو رقعة ثم ألقاه فتلقيته به يوم فتح مكة بالجعرانة.
قال مالك: وإنما يُحسب التاريخ من مقدم رسول الله المدينة.
قال عروة بن الزبير: فنزل رسول الله ﷺ بقُبا يوم الاثنين من هلال شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى.
قال موسى بن عقبة: يوم الاثنين لهلال شهر ربيع الأول، قالوا: فنزل في حرة بني عمرو بن عوف من الأنصار على سعد بن خيثمة.
[ ٢٦٨ ]
ويقال: على كلثوم بن الهدم، ولم يختلفوا أنه نزل بالمدينة على أبي أيوب واسمه خالد بن زيد، فأقام عنده حتى ابتنى مسكنه ومسجده ﷺ.
قالوا: وركب من بني عمرو يوم الجمعة فمر على بني سالم فصلى فيهم الجمعة.
ويقال: أقام في بني عمرو ثلاث ليال.
قال ابن شهاب وغيره: أقام في بني عمرو بضعة عشر يومًا ثم ركب.
وفي تلك السنة بنى مسجد قباء، وقيل: إنه الذي أُسس على التقوى.
وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ، وروي ذلك عن النبي ﵊، وهو أثبت عند العلماء، وقاله مالك وغيره.
وكان موضع المسجد مربدًا للتمر ليتيمين من الأنصار في حجر أسعد بن زرارة، فابتاعه منهما ﵊ ثم بناه مسجدًا.
[ ٢٦٩ ]
وفي تلك السنة بنى بعائشة [﵂] في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة.
وفيها تزوج علي فاطمة [رضوان الله عليهما] ويقال: في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرًا.
ثم كانت السنة الثانية:
قال مالك: فكان فيها عزوة الأبواء غزاها رسول الله ﷺ بنفسه في المهاجرين خاصة.
قال ابن عقبة: وأول غزوة غزاها النبي ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهر من مقدمة المدينة، بلغ الأبواء ثم رجع وأرسل ستين رجلًا من المهاجرين الأولين ويقال: ثمانين راكبًا مع عبد الله بن الحارث.
ويقال: بعث حمزة في ثلاثين راكبًا، ثم غزا في صفر.
[ ٢٧٠ ]
وفيها ولد عبد الله بن الزبير فهو أول مولود ولد بالمدينة من [٣٣ ب] المهاجرين.
وفيها صرفت القبلة في صلاة الظهر، يقال: يوم الثلاثاء في النصف من شعبان.
وفيها كانت فريضة شهر رمضان في شعبان.
وفيها أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر.
ويقال غزا فيها يوم الاثنين لثلاث مضين من شهر بيع الآخر حتى بلغ بواط يريد قريشًا، ثم رجع ولم يلق كيدًا.
وفيها خرج ﵊ إلى العشيرة وهي بين مكة والمدينة في جمادي الأولى.
وفيها خرج في جمادي الأخيرة حتى بلغ واديًا يقال له سفوان في
[ ٢٧١ ]
طلب كرز بن جابر الفهري، يقال: غار على سرح المدينة فخرج في طلبهم، فلم يدركهم.
وفيها بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط في رجب.
وفي رجب بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة فلقي العير وقتل ابن الخضرمي في آخر يوم من رجب، وفي ذلك نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وفيها خرج النبي ﵊ في طلب اللقاح في شعبان حتى بلغ ينبع، فرجع باللقاح ومن فيها.
وفيها استشار في الحرب مخرجه إلى بدر.
[ ٢٧٢ ]
وفيها كانت بدر البطشة الكبرى خرج إليها عشية الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر رمضان.
قال مالك: في ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قال الأوزاعي: ثلاث مئة وخمسة عشر.
وقيل: سبعة عشر.
منهم: أحد وثمانون رجلًا من المهاجرين.
ويقال: ثلاثة وتسعون من المهاجرين وحلفائهم وسائرهم من الأنصار، ولم يحضرهم إلا قرشي أو حليفه أو مولى أو أنصاري أو حليفه أو مولاه.
ويقال: فيهم مائة من المهاجرين فيهم من مواليهم أحد عشر، فالتقى بالمشركين صبيحة الجمعة.
قال مالك: (لسبعة عشر يومًا) من شهر رمضان على سنة ونصف من مقدمة المدينة.
وكان المشركون ما بين تسع مئة إلى ألف معهم مائة فرس، وليس مع المسلمين إلا فرسان، ويقال: ثلاثة أفراس: فرس عليه الزبير وفرس عليه المقداد وفرس عليه أبو مرثد الغنوي.
[ ٢٧٣ ]
قال مالك: سأل رسول الله ﷺ يومئذ عن المشركين كم يطعمون كل يوم؟ فقيل: عشر جزائر يومًا وتسع يومًا، فقال ﵊: القوم (ما بين ألف وتسعمائة).
قالوا: واستخلف على المدينة أبا [٣٤ أ] لبابة وابن أم مكتوم يصلي، ويقال: استخلف عثمان بن عثمان.
قال مالك: وكان الشهداء يوم بدر قليلًا، وكان الأسرى شبيهًا بمن قتل من المشركين: أربعة وأربعين رجلًا.
قال غيره: واستشهد من المسلمين يوم بدر ثلاثة عشر رجلًا: أربعة من قريش وتسعة من الأنصار.
وقيل: أربعة عشر: ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وقتل من المشركين خمسون، وقيل: سبعون والأسرى مثل ذلك.
وبعث رسول الله ﷺ بخبر بدر زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة
[ ٢٧٤ ]
بشيرين إلى المدينة.
وفيها ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ فتخلف عثمان عن بدر من أجلها، فضرب له بسهمه، ورجع ﵊ من بدر يوم الأربعاء لثمان بقين من شهر رمضان.
وفيها كانت غزوة قرقرة الكدر، فبلغ ﵊ جمع سليم وغطفان، وخرج في غزة شوال ورجع لعشر خلون منه ولم يلق كيدًا وساق الغنم والرعاء.
ثم غزوة المغنمة بعث غالب بن عبد الله الليثي لعشر خلون من شوال فلقوا بني سليم وغطفان، فقتلوا وأخذوا الغنم وانصرفوا لست عشرة خلت من شوال واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر.
وفيها دخل علي بفاطمة.
وفيها كانت غزوة السويق وبلغ النبي ﵊ أن أبا سفيان أقبل إلى المدينة فخرج إليهم ﵊ لتسع بقين من ذي الحجة فهرب هو وأصحابه وطرحوا أزوادهم فقال لهم أصحابهم: إنما خرجتم تشربون
[ ٢٧٥ ]
السويق ثم رجع لثمان بقين من ذي الحجة ولم يلق كيدًا.
وقال ابن عقبة: كانت تلك الغزوة سنة ثلاث في شعبان.
ويقال: فيها وُلد الحسن بن علي.
ثم كانت سنة ثلاث:
ويقال: فيها ولد الحسن بن علي في النصف من شهر رمضان.
وفيها علقت فاطمة بالحسين، فلم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، ويقال: خمسون ليلة.
وفيها تزوج النبي ﵊ حفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وزج عثمان ابنته أم كلثوم.
[٣٤ ب] وفيها غزوة بني فطيون وآذنهم [النبي] ﵊ بالحرب أو بالجلاء فجلوا من غير قتال إلى الشام.
وفيها غزوة ذي أمر، ويقال غزوة بني أنمار غزاها رسول الله ﷺ بنفسه في عقب المحرم، فأصاب فيها وقسم أبعرة، ورجع لخمس مضين من صفر.
[ ٢٧٦ ]
وفيها غزوة بني قينقاع في صفر فحاصرهم ونزلوا.
وفيها غزوة بحران خرج [في غرة ربيع الآخر] يريد قريشًا وبني سليم حتى بلغ بحران معدن بالحجاز من ناحية الفرع ورجع في أول جماد الآخرة، ولم يلق كيدًا.
وفيها غزوة أُحد خرج إليها عشية الجمعة لأربع عشر من شوال.
قال مالك: وكانت غزوة أُحد وخيبر في أول النهار.
قال غيره: واستشهد من المسلمين خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين.
قال مالك: قتل من المهاجرين أربعة ومن الأنصار سبعون.
ولم يكن في عهد النبي ﵊ ملحمة هي أشد ولا أكثر قتلًا منها.
قال: ثم خرج منصرفًا من أحد إلى حمراء الأسد، من الغد لست عشرة ليلة خلت من شوال، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان أبو بكر والزبير أول من استجاب لله والرسول يومئذ من بعد ما أصابهم القرح
[ ٢٧٧ ]
وفيها غزوة الرجيع، ويقال: كان أصحاب الرجيع ستة نفر منهم خبيب بن عدي.
ثم كانت سنة أربع:
ففيها كانت سرية بئر معونة على أربع مراحل من المدينة فقتلهم عامر [بن الطفيل] في بني سليم وبني عامر، ويقال: إن عامر بن فهيرة لم يوجد، يرون الملائكة وارته.
وفيها غزوة بني النضير خرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول [ثم] راح إليهم عشية الثلاثاء فحُوصروا ثلاثة وعشرين يومًا.
[ ٢٧٨ ]
وفيها نزلت صلاة الخوف، وقيل: في ذات الرقاع، ويقال: كانت غزوة ذات الرقاع وصلاة الخوف سنة خمس.
قال ابن شهاب: كانت وقعة النضير في المحرم سنة ثلاث.
وفيها غزوة ذات الرقاع [٣٥ أ] سميت بذلك لكثرة الرقاع من الروايات، خرج لخمس خلون من جمادي الأولى وانصرف يوم الأربعاء لثمان بقين منه، ثم خرج إلى (ميعاد أبي) سفيان ببدر في شعبان فلم يلق أحدًا.
وفيها غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب في شوال، ويقال: الخندق سنة خمس.
[ ٢٧٩ ]
ثم غزوة بني قريظة.
وقال مالك: كانت سنة أربع.
وانصرف من قريظة لأربع خلوان من ذي الحجة.
وفيها غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر، فرجع ولم يلق كيدًا.
وفيها غزوة أبي عبيدة أيضًا ذات القصة من طريق العراق ولم يلق كيدًا.
[ ٢٨٠ ]
ثم كانت سنة خمس:
ففيها بعث إلى مشركي قريش بمال لما بلغه أن سنة شديدة أصابتهم.
ويقال: فيها غزوة ذات الرقاع.
ويقال: فيها غزوة المريسيع في شعبان إلى بني المصطلق.
ويقال: فيها كانت الخندق.
وقال مالك: كانت الخندق على أربع سنين من الهجرة وكانت في برد شديد.
قال مالك: ولم يستشهد يومئذ إلا أربعة أو خمسة ويومئذ أنزل الله ﷿: إذ جاؤوكم من فوقكم ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]، جاءت قريش من ها هنا واليهود من ها هنا والمجد من ها هنا، يريد هوازن.
قالوا: وفي سنة خمس كانت دومة الجندل تهيأ إلى الخروج إلى الأكيدر في المحرم، فهرب فرجع النبي ﵊ ولم يلق كيدًا.
[ ٢٨١ ]
وبعث فيها عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن عبد الله.
وفيها بعث عمرو بن أمية وصا (حبه) لقتال أبي سفيان.
وبعث رسول الله ﷺ ابن رواحة في ثلاثين راكبًا لقتل [أيسير] بن رزام اليهودي.
وفيها [غزوة] غالب بن عبد الله الكديد إلى ابن [الملوح] فرجع ولم يلق كيدًا.
وفيها غزوة زيد بن حارثة إلى وادي القرى فلقي ناسًا (من بني) فزارة فقاتلهم.
وفيها غزوة زيد الثانية إلى أم قرفة وأمر بقتلها ولم يعلم أنه أمر بقتل
[ ٢٨٢ ]
امرأة غيرها فهزمهم وقتلها.
وفيها [غزوة] بني لحيان خرج إليها النبي ﵊ في غرة جمادي الأولى [يطلب] ثأر [خبيب] بن عدي وأصحابه، وبعث من فوره [٣٥ ب] إلى القارة في دورها فاعتصموا بالجبال.
وفيها بعث رسول الله ﷺ السرايا.
وفيها غزوة أبي عبيد إلى أسد وبلي فرجع ولم يلق كيدًا.
ثم كانت سنة ست:
ففيها غزوة بني المصطلق بالمرسيع على ست مراحل من المدينة أو سبع مما بني مكة من ناحية الجحفة، واستخلف (على المدينة) أبا رهم الغفاري وسار في غرة شعبان ونزلت حينئذ آية التيمم.
[ ٢٨٣ ]
وقتل النبي ﵊ منهم، وسبا جويرية بنت الحارث فأعتقها وتزوجها، وكان الأسرى أكثر من سبع مئة فطلبته فيهم ليلة دخل بها فوهبهم لها.
وفيها رميت عائشة بالإفك فأنزل الله براءتها.
وفيها غزوة الحديبية خرج ﵊ معتمرًا في ذي القعدة من سنة ست وأحرما بذي الحليفة وبلغه في طريقه أن قريشًا فجعت له، وحلفت ألا يدخلها عليهم، وقال ﵊: (ويح قريش ما خرجت لقتالهم، ولكن خرجت معتمرًا إلى هذا البيت).
وفيها كانت القضية، وكان الصلح بينه وبين قريش سنتين، وقيل: أربعًا، وقيل: عشرة وحل بالحديبية.
[ ٢٨٤ ]
وفيها بيعة الرضوان: وكانوا (ألفًا) وأربع مئة، قيل: بايعوه ﷺ على الموت، وقيل: على أن لا يفروا، ويقال: رجع ﵊ لخمس مضين من المحرم، فمكث نحو عشرين ليلة، ثم خرج إلى خيبر وقيل: أقام بالحديبية شهرًا ونصفًا، قيل: (خمسين) ليلة.
فيها بعث بشير بن سعد إلى ناحية خيبر، فرجع ولم يلق كيدًا.
وفيها غزوة كعب بن عمير ذات الكلاح من أرض الشام فقتل هو وأصحابه.
وفيها غزوة عبد الرحمن بن [عوف] ناحية الشام بلي
[ ٢٨٥ ]
وكلب، ويقال عممه رسول الله بيده في سريته إلى دومة الجندل في شعبان.
وفيها بعث علي بن أبي طالب إلى فدك، وبعث عبد الله بن رواحة في خيل يكون بين (يدي) علي وبين خيبر ويفزع بها أهلها، فخرج أهل خيبر فأغار [٣٦ أ] عليهم بضعة عشرة غارة حتى أذاحهم، ثم أغار على بني سعد بن هديم.
وفيها أوقف النبي ﵊ سبع حوائط له.
وفيها استسقى ﵊ لجدب أصاب الناس.
وفيها توفيت أم رومان امرأة أبي بكر (﵁) في ذي الحجة، ونزل ﵊ في قبرها.
[ ٢٨٦ ]
وفيها اتخذ النبي ﵇ خاتمًا، وإنما اتخذه حين بعث الرسول، فقيل له: إن العجم لا تقرأ إلا كتابًا مختومًا فاتخذه، وكان نقش فصه: (محمد رسول الله)، وقيل: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
ثم كانت سنة سبع:
ففيها غزوة خيبر.
قال مالك: كانت خيبر على ست سنين من الهجرة.
قالوا: ولم يخرج إليها إلا أهل الحديبية إلا رجلًا من بني حارثة أذن له.
وخرج في المحرم.
واستخلف على المدينة سُبيع بن عرفطة الغفاري، وقيل: أبارهم كلثوم بن الحصين الغفاري، ففتح حصونهم.
وهي التي وعد الله سبحانه [بها] بالحديبية في قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّه بِهَا﴾ [الفتح: ٢١].
وفيها كانت غزوة فدك إذ خافوا ما صنع بخيبر، قدمت رسلهم عليها بخيبر
[ ٢٨٧ ]
أو في الطريق أو بعد أن قدم المدينة فصالحهم على النصف من فدك فقبل ذلك منهم ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﵊ خاصة.
ثم أتى وادي القُرى فافتتحها فلم يجتمع له بها أحد.
وفيها بعث عبد الله بن حذاقة إلى كسرى عظيم الفرس بكتاب فمزقه وقال النبي ﵊: (مزق الله عليه مُلكه).
[وبعث] دحية الكلبي إلى قيصر عظيم الروم بكتاب.
وفيها بعث زيد بن حارثة إلى من عرض لدحية في خمس مئة راكب.
وفيها غزوة ذات السلاسل مما يلي طريق الشام غزاها عمرو بن
[ ٢٨٨ ]
العاص في بني سعد بن عبد الله [ممن يليهم] من قضاعة، واستمد رسول الله ﷺ فأمده فخرج فيمن خرج أبو بكر وعمر في سواه من المهاجرين وأمر [٣٦ ب] عليهم أبا عبيدة.
وفيها خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ [يأجج] وضع الأداة كلها، ودخلوا بسلاح الراكب القسي والسيوف مغمودة.
وفيها تزوج (رسول الله ﷺ) ميمونة وهي غزوة القضية.
[قال] ونزل ﵊ بالأبطح لست عشرة خلت من ذي القعدة فأقام بها ثلاثة، وعلى ذلك كان الشرط، ثم رحل وخلف أبا رافع مولاه
[ ٢٨٩ ]
ليخرج إليه بميمونة فبنى بها بسرف، وهي خالة عبد الله بن عباس.
وقيل أيضًا: إنها خالة خالد بن الوليد، وأختها أم الفضل عند العباس ابن عبد المطلب، وإليه جعلت أمرها فزوجها من رسول الله ﷺ، ويقال: بعث أبا رافع [ورجلًا] من الأنصار [فزوجاها] إياه.
وفيها غزوة زيد بن حارثة إلى الطرف من ناحية طريق العراق فرجع ولم يلق كيدًا.
وفيها بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ورجلين معه إلى الغابة على ثمانية أميال من المدينة لما بلغه أن رفاعة بن قيس نريد أن يجمع قيسًا لحرب رسول الله ﷺ فكمنوا له ورماه ابن أبي حدرد بسهم فقتله.
وفيها غزوة ابن أبي حدرد أيضًا إلى ذي خشب.
وفيها اتخذ (رسول الله) ﷺ المنبر ويقال: في سنة ثمان.
[ ٢٩٠ ]
قال مالك: عوده من طرفاء الغابة عمله غلام لسعد بن عبادة.
وقال غيره: غلام لامرأة من الأنصار.
ويقال: غلام للعباس بن عبد المطلب.
فخطب ﷺ فحن الجذع [الذي] كان يقف إليه يخطب، فوضع النبي ﷺ يده فسكن.
ثم كانت سنة ثمان:
ففيها كانت غزوة مؤتة، بعث [النبي] ﵇ بعثه إلى مؤتة من أرض الشام في جمادى الأولى، وأمر عليهم [زيد] بن حارثة.
[وقال: إن] قُتِل فجعفر وإن قُتل فعبد الله [٣٧ أ] بن رواحة، فالتقوا مع هرقل في جموعه يقال: مائة ألف غير من انضم إليهم من المستعربة،
[ ٢٩١ ]
فالتقوا بقرية يقال لها: مؤتة فقُتل الذي سمى النبي ﷺ، ثم اتفق المسلمون على خالد بن الوليد ففتح الله له وقتلهم وقدم البشير بذلك إلى رسول الله ﷺ، وقد أخبرهم بذلك كله ﷺ قبل قدومه.
وكانت فيها غزوة الفتح، وقد كان أتى أبو سفيان إلى النبي ﵊ يريد أن يزيده من الهدنة، فلم يرد عليه شيئًا فرجع أبو سفيان إلى مكة.
وأظهر النبي ﵊ أنه يريد غزوة هوازن فخرج واستخلف على المدينة أبارهم الغفاري ثم تهيأ بذي الحليفة، وسار فلقيه العباس بذي الحليفة، فقال له النبي ﷺ: (امضِ إلى المدينة بثقلك) وبعث موضعه علي بن أبي طالب إلى المشلل في سرية أمره عليها، وأمره بهدم الصنم.
ثم سار ﵇ حتى نزل على مكة، وضرب بها قبته.
[ ٢٩٢ ]
قال مالك: وخرج رسول الله ﷺ عام الفتح في ثمانية آلاف أو عشرة آلاف، وكتم الناس وجهه ذلك لئلا يعلم أحد أين يريد، ودعا الله ﷿ أن يُخفي ذلك عنهم.
قال يحيى بن سعيد: دخل النبي ﵊ مكة عام الفتح في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا، قد أكب على واسط رحله حتى كادت تنكسر به، يريد: تواضعًا، وشكرًا لله، وقال: الملك لله الواحد القهار.
قال مالك: وافُتتحت مكة في تسعة عشر يومًا من رمضان على ثمان سنين من الهجرة، وخيبر على ست سنين والخندق على أربع.
وقالوا: في سنة ثمان أخرج المقام من الكعبة، وما كان فيه وما هو له وعلى الصفا والمروة من الأصنام وفيها بايع [الرجال] والنساء ثلاثة أيام.
وفيها بعث سرايا من مكة: فبعث خالدًا إلى أهل الغميضاء ثم
[ ٢٩٣ ]
بعثه إلى نخلة اليمانية وهي بيت بنخلة فيها شجرة فهدمها وقدم فرده، فقال: أقلع أصلها.
وفيها كان الدخان (والله أعلم).
وفيها كانت غزوة حنين وسببها أنه لما أجمع ﵊ على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم فاستعدوا للحرب حتى
أتوا سوق ذي المجاز فسار ﵊ حتى أشرف على وادي جنين ممسيًا ليلة الأحد ثم صالحهم يوم الأحد للنصف من شوال.
وفيها بعث سرايا من حنين.
وفيها غزوة الطائف ثم انصرف لما بلغه اجتماع ثقيف إليها فتوجه إليها فحاصرهم.
[ ٢٩٤ ]
وفيها غزوة الجعرانة (حين فرغ من حنين والطائف ثم انصرف من عمرة الجعرانة) في آخر ذي القعدة فأقام بالمدينة بقية ذي القعدة وذي الحجة، وحج بالناس عتاب بن أسيد وقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية.
ثم كانت سنة تسع:
ففيها تسارع الناس إلى الإسلام.
وفيها كتب مُسيلمة الكذاب الكتاب إلى رسول الله ﷺ فأجابه (رسول الله).
وفيها كانت غزوة تبوك، وهو جيش العسرة، فكتب النبي ﵊ بعد الفتح إلى القبائل التي لم يفش فيها الإسلام يدعوهم وكتب إلى التي فشا فيها الإسلام بغزو الروم وواعدهم بتبوك، وتوجه في رجب وسار أول يوم من رجب واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب حتى انتهى ﷺ إلى تبوك.
[ ٢٩٥ ]
قال مالك: وكانت غزوة تبوك في حر شديد.
قالوا: فوافى بتبوك وفدًا لعظيم الروم فردهم بالجواب إلى ملكهم ثم بث السرايا بعد، وفي هذه الغزاة مكرت بالنبي طائفة من المنافقين ليلقوه من العقبة، وأنزل الله عليه من أمر المنافقين ما أنزل في سورة براءة، وذكر المتخلفين الثلاثة الذين خُلفوا.
ورجع رسول الله ﷺ في شوال وبعث أبا بكر إلى الحج، ونزلت بعده براءة، فبعث بها علي بن أبي طالب.
وأمره أن ينادي ببراءة في الناس.
قال مالك: وأول من أقام للناس الموسم أبو بكر (الصديق ﵁) سنة تسع.
[٣٨ أ].
ثم كانت سنة عشر:
[ ٢٩٦ ]
وقد تتام الإسلام فبعث عليًا إلى اليمن، فرجع ولم يلق كيدًا، وبعث أسامه بن زيد إلى الداروم من أرض فلسطين فغنم وسلم.
وفيها بعث عيينة بن حصن إلى بني العنبر، يدعوهم فلم يجيبوا فقتل فيهم وسبى.
وفيها قدم بمال البحرين: مئة ألف أو ثمانية آلاف درهم على رسول الله ﷺ فقسمه بين الناس.
وفيها بعث عليًا أيضًا إلى اليمن، فقيل: بعثه مفقهًا في الدين، وقيل: لقبض الصدقات من العمال، وليوافي رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع، فقد علي على رسول الله ﷺ بمكة.
وفيها حج حجة الوداع [سميت حجة الوداع] لأنه ودعهم، وسميت البلاغ لأنه قال: هل بلغت؟ وسميت حجة الإسلام لأنها الحجة التي تتام فيها حج الناس، ليس فيها مشرك.
[ ٢٩٧ ]
وقيل: دفن حين زاغت الشمس، وغسله العباس وعلي والفضل بن عباس وشقران مولاه، ويقال له: صالح مولى رسول الله ﷺ ونزلوا في حفرته، ويقال: ومعهم أسامة وأوس بن خولى.
وبدأ وجعه ﵊ [٣٨ ب] في بيت ميمونة بنت الحارث يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ثم انتقل إلى عائشة، فمرض عندها حتى مات، وصلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله ﷺ سبع عشرة صلاة قبل وفاته ﵊.
وفيها بويع لأبي بكر الصديق.
وفيها ارتد من ارتد من العرب.
وفيها أحرق أبو بكر [رضي اله عنه] ابن العجاة، اسمه إياس بن عبد الله بن ليل، وذلك أنه سأل أبا بكر أن يعينه على من ارتد ويحمله، ففعل فخرج فجعل يقتل المسلم والمرتد فكتب فيه، فأخذ، فقيل: قتله ثم أحرقه.
وفيها: وجه خالد بن الوليد إلى طليحة فهزمه، وقتل من قتل من
[ ٢٩٨ ]
ثم كانت سنة إحدى عشرة:
وفيها بعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع باليمن يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وقدم جرير وقد قُبض رسول الله، وفيها بعث أسامة بن زيد إلى مؤتة من أرض الشام، وأمره أن يهريق بهادمًا، فلم ينفذ لبعثه حتى قُبض رسول الله ﷺ فأنفذ بعثه أبو بكر.
[وفيها قبض] رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ﷺ، ورحم وكرم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول.
قال ابن عقبة: في بيت عائشة وفي يومها وعلى صدرها حين اشتد الضحى.
قال مالك: ودفن يوم الثلاثاء، وصلى عليه الناس أفذاذًا لا يؤمهم أحد.
[ ٢٩٩ ]
أصحابه فهرب طليحة، ثم أسلم وحسن إسلامه، ثم مضى بأمر أبي بكر إلى مسيلمة باليمامة وقد كان تنبأت امرأة، يقال لها: سجاح بنت الحارث من بني تميم، فتزوجها مسيلمة.
وقيل: خالد افتتح اليمامة بصلح صالحه عليها مجاعة بن مزارة واستشهد بها ألف ومئة من المسلمين، وقيل: ألف وأربع مئة منهم سبعون جمعوا القرآن.
وفيها ماتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ لثلاث خلون من شهر رمضان، وهي بنت تسع وعشرين سنة، وذلك بعد النبي ﵊ بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر.
قال مالك: والأول أثبت.
قال مالك: وفتحت مصر سنة عشرين وإفريقية يوم موت حفصة.
قال غيره: سنة سبع وعشرين.
قال مالك: توفي معاذ بن جبل وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة.
وبلغ عبد الله بن عمر سبعة وثمانين سنة.
وتوفي عمر بن عبد العزيز [ابن اثنين وأربعين] سنة، وقيل: ابن
[ ٣٠٠ ]
ثماني وثلاثين [سنة].
وولد سعيد بن المسيب لثلاث سنين بقين من خلافة عمر بن الخطاب.
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد:
قد ذكرنا في كتابنا هذا [المسمى] الجامع الذي جعلناه آخر المختصر بعض ما حفظ عن مالك وعن بعض أصحابه وغيرهم ممن [روى] عن رسول الله ﷺ، وعمن ذكرنا من سلفنا وأيمتنا في الآداب والأمر والنهي وغير ذلك من الفنون التي جرت فيه وأكثر ذلك من مجالس مالك ومن موطئه.
وذكرنا شيئًا من التاريخ والمغازي وما شاكل ذلك فمنه لمالك ومنه لغيره من أهل العلم.
وذكرنا في باب السير من هذا الكتاب ما أجمعت عليه الأمة، وجمعنا ذلك كله بما أمكننا من الاختصار والتحرير في تأدية ذلك إن شاء الله.
وأسال الله أن يتغمدنا ربنا بمغفرته وأن ينفعنا وإياكم بما علمنا من حكمته، وأن يحقق رجاءنا في سعة رحمته، وأن يجعل ما يسرنا من ذلك إليه بركة على من رسمه، ونورًا لمن تعلمه.
وصلى الله على محمد نبيه وعلى آل محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.
تم كتاب الجامع من مختصر أبي محمد بن أبي زيد ﵀ وبه كمل
[ ٣٠١ ]
جميع مختصر المدونة والمختلطة بحمد الله وعونه في السادس من شهر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة.
[ ٣٠٢ ]