باب في الورع والمكاسب وطلب الرزق وإصلاح المال، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة وقبول الهدية والإرفاق، وفي المسافر: هل يأكل الثمار أو يشتري من العبد، وذكر أموال العمال، وما يحل للمضطر.
قال أبو محمد:
قالت عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال: الذي إذا أمسى سأل من أين فرضيه، وإذا أصبح سأل من أين فرضيه؟ قالت عائشة: لو علم [الناس] أنهم كلفوا علم ذلك لتكلفوه، فقال ﵊: (قد علموا ذلك ولكنهم غشموا المعيشة غشمًا)، يقول: تعسفوا تعسفًا.
ونظر عمر إلى المصلين، فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدين الورع في دين الله، والكف عن محارم الله، والعمل بحلال الله وحرامه.
وروي أنه ﵊ قال: (من أمسى وانيًا من طلب الحلال بات مغفورًا له).
وقال الحسن: الذكر ذكران: ذكر باللسان فذلك حسن، وأفضل منه ذكر الله عند أمره [١٧ ب] ونهيه.
وقال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها.
قال عمر: من كانت له أرض فليعمر ومن كان له مال فليصلحه، فإنه يوشك أن [يأتي] من لا يعطي إلا من أحب.
[ ١٨١ ]
وقال عمر: لأن أموت بين شعبتي رحلي أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أموت على فراشي.
قال مالك: وكان ابن عمر وسالم يخرجان إلى السوق ويجلسان فيه، وكان ابن المسيب يجلس عند أصحاب العباء.
قال مالك: الصواب أن تكون الأسواق أول النهار لا كما يفعل أهل العراق يجعلونها آخره.
وقال الرسول ﵊: (اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول).
وقال ﵊: (من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يُغنه الله، ومن يتصبر يصبره، وما أعطى أحدًا عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا؟ فقال: إنما ذلك عن مسألة، فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقه الله.
[ ١٨٢ ]
وقال: لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب خيرٌ له من أن يأتي رجلًا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه.
وكان ﵊ يُجيب الدعوة ويقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
وقال ﵊: (لا تحل الصدقة لآل محمد).
قال ابن القاسم: وذلك في الزكاة المفروضة، فأما في التطوع فليس من ذلك.
وقال ﵊: (لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراعًا محرقًا).
ويقال: الصدقة على الأقارب يُضاعف أجرها مرتين.
[ ١٨٣ ]
قال مالك: والصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب.
وروي أن النبي ﵊ قال: (أختك وأخاك وأدناك فأدناك).
وقال ﵊: (تهادوا بينكم فإن الهدية تُذهب الشحناء).
قال ابن عمر: لقد كنا وما أحدُنا أولى بديناره من أخيه المسلم، ثم ذهب ذلك فكانت المواساة، ثم ذهب ذلك فكان السلف، ثم ذهب السلف فجاءت الغيبة.
قال مالك: كان ببلدنا من أهل الفضل والعبادة يردون [١٨ أ] العطية يعطونها.
قيل: فالحديث ما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله، أفيه رخصة؟ [قال نعم].
قيل: فمن أُعطى شيئًا ووصل به؟ قال: تركه أفضل إن كان له عنه غنى، إلا أن يخاف على نفسه الجوع وهو محتاج فلا أرى بأسًا.
قيل: فالرجل له الفضل يحضرُ السوق فيضارب في ذلك الشيء لمكان فضله؟ قال: لا بأس بذلك، وكان ابن عمر وسالم يخرجان إلى السوق ويجلسان فيه.
وسئل مالك عن معنى الحديث في إضاعة المال: قال منعه
[ ١٨٤ ]
من حقه ووضعه في غير حقه، يقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
قيل لمالك: الثمار تُجذ ثم يُخلى عنها وفيها الشيء؟ قال: إن علم أن أنفسهم طيبة بأخذه فليأخذه.
وروى أشهب في الزرع يُحصد فيبقى فيه السنبل والشيء يدعه أهله؟
قال: لا يأكل إلا ما يعلم حلًا له.
وكان يقال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
قال: ولا يُراعي في الإفراط إلا أن يعلم أن صاحبه أذن فيه.
قيل: [إنه يراه قال]: ما أحبه إلا بإذنه، ولعله يستحيي منه أو يخافه.
قيل لمالك: المسافر يصيب الثمار؟ قال: إن كان من ضرورة وإلا فلا وقد قال النبي ﵊: لا يحتلب أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه وهو
[ ١٨٥ ]
يحلب بُكرة ويرجع عشية والثمر لا يرجع إلى عام قابل.
قيل: فحائط لا جدار عليه أيأكل منه ابن السبيل؟ قال: لا.
قيل: فما سقط على الأرض؟ فكرهه وقال: المربد بالأرض.
قال مالك: ولا بأس بحصاد الليل وجذاذه.
قال الليث: وإنما معنى النهي عنه لأنه إذا فعله نهارًا نال منه المساكين.
قيل: أيأكل من جنان أبيه وأمه وأخيه إن مر به؟
قال: لا، إلا بإذن.
قيل: فإن أطعمني خازن الجنان أو [باعني].
قال: إن علمت أنهم قد أذن لهم في ذلك.
قال: وكيف أعلم؟
قال: يخبرك أصحاب الحوائط أنهم رأوه يبيع ويمنع ويكون كالقائم في الغنم فلا بأس أن يشتري منه، فأما العبد الذي يستخفي فلا خير فيه.
قيل: فتأتيه الأمة ببعض المناهل بلبن أو تمر أتشتريه؟
[ ١٨٦ ]
قال: لا بأس به إن لم يُرتب أمرًا، وهذه أشياء يبيعها العبد ونحوه.
وسئل الليث عنه إذا أضافه [١٨ ب] عبد؟ قال: أرجو ألا بأس به.
قيل لابن القاسم: فالعبد يهدي قدر الدراهم والدرهمين ويكافأ عليه؟
قال: إن لم يغير عليه سيده فلا بأس.
وسئل مالك عن الرجل يدخل الحوائط فيجد التمر ساقطًا؟
قال: لا يأكل منه إلا أن يعلم أن صاحبه طيب النفس [به] إلا أن يكون محتاجًا فأرجوا.
قال مالك: وأما الشجر في الصحراء فليأكل منها ما شاء، وثمر وادي ، يبقى بعضه على بعض وليس به ساكن فلا بأس أن يأخذ منه ما شاء.
وسئل سحنون عن ثمار شجر للمسلمين بينهم وبين عدوهم قد أجلاهم عنها العدو فبقيت غير مسكونة فإذا غزا المسلمون هل يأكل أحد ثمرتها؟ قال: إن غزا الجيش الكثير فلا، لأنه يصير لذلك قيمة لو شاء أهله بيعه في الجيش أصابوا فيه ثمنًا.
فأما السرية ونحوها فلا بأس أن يأكل منها المار بها بخلاف العسكر الكبير.
قال مالك: ومن لم يجد شيئًا فيضيف [قومه] فيمنعوه فليأكل الميتة إلا أن يجد تمرًا معلقًا لا قطع فيه. [وأما الذي في الجرين] فإن أمن
[ ١٨٧ ]
أن يعد سارقًا فليأكل وإلا فليأكل الميتة.
ومن نزل بذمي فلا يأخذ [منه شيئًا] إلا عن طيب نفسه.
قيل: فالضيافة التي جُعلت عليهم؟ قال: كان يُخفف عنهم يومئذ.
قال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار.
قال ربيعة وابن شهاب ومالك: لا تحل الخمر للمضطر وأما الميتة فليأكل ويشبع ويتزود حتى يجد عنها غنى.
قال ابن القاسم: لو كانت الدنيا كلها حرامًا أكان بد من العيش فيها؟
قال مالك: كان ابن هرمز إذا قدمت غنم الصدقة لم يأكل اللحم.
قال مالك: وأكره طعام عاصر [الخمر] وكان بكير يقبل
[ ١٨٨ ]
هدية سوداء تبيع المزر بمصر، قال: لأني كنت أراها تغزل.
قال الليث: إن لم يكن له مال سوى الخمر فليكف عنه.
قال الليث: وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم.
قال أبو محمد: يريد والله أعلم: ممن ليس من أهل الغصب البين.
وقد قال الليث: ليس شي بعد الدماء أشد من أخذ أموال الناس بغير حق [١٩ أ] والمال الحرام يدخل في أشياء كثيرة، ومنه ما لا يتخلص منه الذي كسبه يتزوج المرأة ويُولد الولد ويكون له الرقيق والمصانع.
وكره مالك طعام العمال الذين تحدث لهم أموال لأعمالهم لم تكن لهم قبل ذلك.
قال مالك: وكل من عمل للمسلمين عملًا فله رزقه من بيت المال، ولا بأس بالجائزة يُجازبها الرجل يراه الإمام لجائزته أهلًا لعلم أو لدين عليه ونحوه.
وقال مالك: وبلغني أن عمر جعل أعطيات بعض البدريين خمسة آلاف درهم ..
ومن قول أهل المدينة: إن من بيده مال حرام فاشترى به دارًا أو ثوبًا من غير أن يكره على البيع أحدًا فلا بأس أن تشتري أنت تلك الدار وذلك الثوب
[ ١٨٩ ]
من ذلك الذي اشتراه بالمال الحرام.
قال ابن عبدوس: وذلك إذا كان البائع منه قد عرف عيب الثمن.
ويذكر عن محمد بن سحنون أنه أجاز ذلك وإن لم يعرف البائع عيب الثمن.
قال ابن عبدوس: فأما إن وهبك المشتري تلك الدار أو ذلك الثوب [فلا] يجوز أخذ ذلك على الهبة؛ لأن من أحاط الدين بماله لا تجوز هبته ولا صدقته.
قال مالك فيمن بيده مال حرام وحلال: فإن كان ما بيده من الحرام شيئًا يسيرًا في كثرة حلال فلا بأس بمعاملته، وأما إن كان الحرامُ كثيرًا فلا ينبغي معاملته.
قال: ولا يعامل من يعمل بالربا من المسلمين.
وكره أن يصرف من النصراني دينار ابتاع به خمرًا أو عمل به ربا.
ولا بأس أن تأخذ منه في دين له قبله كما أذن الله ﷿ [في]
[ ١٩٠ ]
أخذ الجزية منهم.
وغير مالك يرى أن ذلك أخف في النصراني؛ لأنه لو أسلم حل له ما بيده.
قال مالك: ولا بأس أن تكري دارك من نصراني ويهودي إذا كان لا يبيع فيه الخمر [والخنازير] فهذا من نحو قول غيره.
قال مالك: ولا بأس أن يصرف من عندك النصراني.