[وتشميت العاطس]
[١٩ ب] قال الرسول ﵊: (يُسلم الراكب على الماشي وإذا سلم
[ ١٩١ ]
من القوم [واحد] أجزأ عنهم.
وأمر ﵇ بإفشاء السلام.
قال ابن عباس: السلام ينتهي إلى البركة.
وكان ابن عمر يقول في سلامه وفي رده سواء: السلام عليكم.
قيل لمالك: أيسلم على النساء؟ قال: أما المتجالة فلا أكرهه وأما الشابة فلا أحبه.
وقال رسول الله ﷺ في الرد على اليهود: (فقل عليك).
[ ١٩٢ ]
قيل لمالك: من سلم على يهودي أيستقيله؟ قال: لا.
قيل لمالك: أفيكنون؟ قال: لا أحب أن يُرفعوا وينبغي أن يُذلوا.
وأرخص غيره في ذلك لقول النبي ﵊: أنزل أبا وهب (قاله محمد بن عبد الحكم).
قال: ولا ينبغي أن يقال في السلام: سلام الله عليك ولكن عليك السلام، أو السلام عليكم.
وقيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك.
وقال أيضًا: لا بأس أن يقبل خد ابنته.
قيل: أفترى أن تُقبله ختنته أو تعانقه وهي متجالة؟ فكره ذلك.
وسئل مالك عن المصافحة؟ قال: إن الناس ليفعلون ذلك وأما أنا فما أفعله.
[ ١٩٣ ]
وكره معانقة الرجل الرجل، وقال: قال الله [سبحانه] ﴿تَحِيَّتهمْ فِيهَا سَلَام﴾ [يونس: ١٠].
وروي عنه في المصافحة غير هذا: أنه صافح سفيان بن عيينه وقال [له]: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان [بمعانقة] النبي ﵇ لجعفر حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: كان ذلك خاصًا لجعفر، ورآ سفيان عامًا، وأجاز مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يُقدم من سفر.
وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك.
وروي أن الرسول ﵊ قال: (تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء).
وروي أنه (﵊) قال: (ما تواخى اثنان في الله قط إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًا لصاحبه).
[ ١٩٤ ]
قال عمر: يصفى لك ود أخيك ثلاث: أن تبدأه بالسلام وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس، وكفى بالمرء عيبًا أن يجد على الناس فيما يأتي أو يبدو لهم منه ما يخفى عليه من نفسه، وأن يؤذيه في المجلس بما لا يعينه.
قال مالك: قال النبي ﵊: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
قال مالك: فإذا سلم عليه فقد خرج من الهجران.
قال في موضع آخر: إن كان مؤذيًا له فقد برئ من الشحناء.
قال ابن القاسم: وإن كان غير مؤذ له، لم يخرجه السلام من الهجرة إذا اجتنب كلامه، وأما أهل البدع فقد أمر بهجرانهم.
قال سحنون: أدبًا لهم.
قال مالك: ولا بأس أن يقبِّل الرجل خد ابنته إذا قدم من سفره.
قال مالك: ويقال من تعظيم الله [تعالى] تعظيم ذي الشيبة المسلم.
[ ١٩٥ ]
قيل: فالرجل يقوم للرجل له الفقه والفضل فيجلسه في مجلسه؟
قال: يُكره ذلك، ولا بأس أن يُوسع له.
قيل له: فالمرأة تبالغ في بر زوجها فتلقاه فتنزع ثيابه ونعليه وتقف حتى يجلس؟ قال: أما تلقيها ونزعها فلا بأس، وأما قيامها حتى يجلس فلا، وهذا من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس [ينتظرونه] فإذا طلع قاموا إليه، فليس هذا من فعل الإسلام.
ويقال: إن عمر بن عبد العزيز فُعل ذلك به أول ما ولي حين خرج إلى الناس فأنكره وقال: إن تقوموا نقم وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين.
وروي أن النبي ﵊ قال: (من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار).
وسُئل مالك عن الرجل يقبل يد الوالي أو رأسه، والمولى يفعل ذلك بسيده؟
قال: ليس ذلك من عمل الناس وهو من عمل الأعاجم.
قيل: فيقبل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا.
[ ١٩٦ ]
وسئل في رواية أخرى: هل يقبل يد أبيه أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإن العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك.
قيل: كان ابن عمر إذا قدم من سفر قبل سالمًا، وقال: شيخ يقبل شيخًا، فأنكر الحديث، وقال: لا نتحدث بمثل هذه الأحاديث، لا تهلكوا فيها.
قال مالك: والاستئذان ثلاث لا أحب أن يزيد عليها، وكذلك جاء الحديث إلا من علم أنه لم يسمع فلا بأس أن يزيد إذا استيقن.
قال: وهو تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]، فيما يرى، والله أعلم.
وفي باب ستر العورة من هذا.
وسئل [٢٠ ب] عن الذي يبدأ بالكبار إلى من هو أصغر منه، ولعله ليس بأفضل منه؟ قال: لا بأس به أرأيت إن وسع له إذا جلس أو سعى فأعطاه إياه.
[ ١٩٧ ]
قيل: وأهل العراق يقولون: لا تبدأ بأحد قبلك ولو كان أبوك؟ فأعاب ذلك.
وقال: قال النبي ﵊ للذي أراد أن يتكلم قبل صاحبه: (كبّر، كبّر). وقال لأبي بكر حين أتاه بأبيه لِمَ تركت الشيخ في منزله؟
قيل: فالرجل يكتب إلى الرجل اقرأ فلانًا وفلانًا السلام؟
قال: أرجو أن يكون في سعة وقد يكون له عذر.
قال مالك: ولا تُشمث العاطس حتى تسمعه يحمد الله: فإن بُعد منك وسمعت من يليه يشمته فشمته.
ومن عطس في الصلاة فلا يحمد الله إلا في نفسه.
قال سحنون: ولا في نفسه.
وقال الرسول ﵊: (إن عطس فشمته ثم إن عطس فشمته ثم إن عطس فقل [له] إنك مضنوك).
ورأيت في كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد أنه إن شمته واحد من الجماعة أجزأ عنهم كرد السلام.
[ ١٩٨ ]
وقال [يحيى] بن مزين: إنه بخلاف رد السلام في رد الواحد.
قيل: فمن قام عن مجلسه: أهو أحق به إذا رجع؟ قال: (ما سمعت [من مالك] فيه بشيء، وأنه يحسن إن كان رجوعه قريبًا، وإن تباعد فليس ذلك له، وهذا من محاسن الأخلاق.
وسئل عن أربعة: هل يتناجى ثلاثة دون واحد؟
قال: نهي أن يتركوا واحدًا وإن كانوا عشرة اجتناب سوء الظن والحسد والكذب.
وقيل: إن كان ذلك بإذنه فلا بأس به.
وسأله رجل له والدة وأخت وزوجة، قال: فكلما رأت لي شيئًا قالت: أعط هذا لأختك فأكثرت علي من هذا، فإن منعتها سبتني ودعت علي؟
قال له مالك: ما أرى أن تغايظها، وتخلص منها بما قدرت [عليه]
[ ١٩٩ ]
وغيب عنها ما كان لك.
قال: أين أخبئه؟ ذلك معي في البيت، قال: أما أنا فما أرى أن تغايظها وأن تتخلص من سخطهما بما قدرت عليه.
وذُكِرَ عن مالك أن رجلًا قال له: إن أبى في بلد السودان، فكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك قال له [مالك]: أطعِ أباك ولا تعصِ أمك، وكره أن يأمره بعصيان أمه.
وذكر أن الليث أمره بطاعة الأم لأن لها ثلثي البر.
وقال رجل لمجاهد: إن أبي يدعوني عندما تقام الصلاة؟ قال: أطعه.
قيل للحسن: ما بر الوالدين؟ قال: تبذل لهما ما ملكت وتطعهما فيما أمراك ما لم تكن معصية.
[ ٢٠٠ ]
وسُئل ابن المسيب: عن قوله ﷿: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
قال: قولُ العبد المذنب للسيد الفظ.
وقال أبو هريرة: لا تمش أمام [أبيك]، ولا تقعد قبله ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له.
وقيل: أما في الظلمة فتمشي بين يديه.
قال مالك: ومن لم يُدرك أبويه أو أحدهما فلا بأس أن يقول: ﴿رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].