يقول الله سبحانه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (١).
ويقول الله سبحانه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ*كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ*جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
ويقول سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣).
ويقول رسول الله - ﷺ -: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن» (٤).
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية: ٥٦.
(٢) سورة الواقعة، الآيات: ٢٢ - ٢٤.
(٣) سورة الطور، الآية: ٢٠.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الرحمن، برقم ٤٨٧٩، ومسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب في صفة خيام أهل الجنة، برقم ٢٨٣٨، وفي رواية لمسلم: «إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مجوفة طولها في السماء ستون ميلًا»، ولا منافاة بين طولها وعرضها في الروايتين، فعرضها في مساحة أرضها ستون ميلًا، وطولها في السماء ستون ميلًا في العلو، فطولها وعرضها متساويان. [شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ١٧٥].
[ ١٠٦ ]
ويقول الله سبحانه في وصف مساكن وغرف الجنة: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: «أخبر - ﷿ - عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة، وهي القصور الشاهقة، ﴿مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات، مزخرفات، عاليات» (٢).
وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام» (٣).
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: [أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - عن بناء الجنة؟ فقال] ﵊: «لَبِنةٌ من فضة، ولَبِنةٌ من ذهب، ومِلاطها (٤)
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٢٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، /٦٧٢.
(٣) أحمد في المسند، ٥/ ٣٤٣، وابن حبان (موارد)، برقم ٦٤١، والترمذي عن علي - ﵁ - في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، برقم ٢٥٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٧، وفي صحيح الجامع، ٢/ ٢٢٠، برقم ٢١١٩.
(٤) مِلاطها: الطين الذي يملط به الحائط: أي يخلط به. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٣٥٧.
[ ١٠٧ ]
المسك الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتُربَتُها الزعفران، من يدخلها: ينعم ولا يبأس، ويخلدُ ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» (١).
ويقول ابن القيم ﵀ في نونيته [في صفة عرائس الجنة وحسنهن]:
يا من يطوف الكعبة الحصن التي حُفَّت بذاك الحجر والأركان
ويظل يسعى دائمًا حول الصفا ومحسر مسعاه لا العلمان
ويروم قربان الوصال على منى والخيف يحجره عن القربان
إلى أن قال ﵀:
من قاصرات الطرف لا تبغي سوى محبوبها من سائر الشبان
وقصرت عليه طرفها من حسنه والطرف في ذا الوجه للنسوان
إلى أن قال ﵀:
هذا وليس القاصرات كمن غدت مقصورة فهما إذًا صنفان
يا مطلق الطرف المعذب في الألى جردن عن حسن وعن إحسان
إلى أن قال ﵀:
فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان
حور حسان قد كملن خلائقًا ومحاسنًا من أجمل النسوان (٢)
_________________
(١) الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، برقم ٢٥٢٦، وأحمد، ٢/ ٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣١١.
(٢) شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن عيسى، /٥٤٢ - ٥٤٨.
[ ١٠٨ ]
يقول الشارح ﵀: قال الله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١) الحور: جمع حوراء وهي: المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء، شديدة سواد العين، التي يحار الطرف فيها من رقَّة الجلد، ومن صفاء اللون، [قاله: مجاهد، والصحيح أن الحور مأخوذ من الحور في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها، فهو يتضمّن الأمرين»] (٢) (٣).
_________________
(١) سورة الطور، الآية: ٢٠.
(٢) أحمد بن عيسى، شرح قصيدة ابن القيم، /٥٤٨.
(٣) ولا شك أن صفات الحور العين في الأحاديث كثيرة، وكذلك صفات مساكن أهل الجنة ومن ذلك على وجه الاختصار ما يأتي: أما صفات الحور العين، فقد جاء فيها حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان يُرى مُخُّ سُوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب»، [البخاري، برقم ٣٢٤٦، ٣٢٥٤، ٣٣٢٧، ومسلم، واللفظ له، برقم ٢٨٣٤]، وجاء في حديث أنس - ﵁ -: «ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطّلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولَنَصِيفُها على رأسها – يعني خمارَها – خير من الدنيا وما فيها»، [البخاري، برقم ٦٥٦٨، ورقم ٢٧٩٦]، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أول زمرة يدخلون الجنة كأنّ وجوههم ضوء القمر ليلةَ البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دُرّيّ في السماء، لكل رجل منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حُلّة، يُرى مُخُّ سُوقهما من وراء لحومِهِما، وحُللهما، كما يُرى الشَّرابُ الأحمرُ في الزجاجة البيضاء»، [الطبراني في المعجم الكبير، ١/ ١٦٠، برقم ١٠٣٢١، وقال ابن القيم في كتابه حادي الأرواح، ص٣٤٦: «وهذا الإسناد على شرط الصحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٤١١: «وإسناد ابن مسعود صحيح» بعد أن نسبه إلى معجم الطبراني الأوسط فقط «برقم ٤٨٩٧ مجمع البحرين»] وغير ذلك كثير في السنة المطهرة. وأما مساكن أهل الجنة وقصورهم فقد جاء فيها أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - رأى امرأة وقصرًا من ذهب لعمر في الجنة، [البخاري، برقم ٣٢٤٢، ورقم ٧٠٢٤، ومسلم، برقم ٢٣٩٤ - ٢٣٩٥]. وجاء جبريل - ﵇ -، إلى النبي - ﷺ - وأمره أن يبشّر خديجة ببيت في الجنة من قصبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ» [البخاري، برقم ٣٨٢٠، ومسلم، برقم ٢٤٣٢] وقوله: «من قصب: أي من لؤلؤة مجوّفة واسعة كالقصر المنيف، وقيل: بيت من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت [فتح الباري لابن حجر، ٧/ ١٣٨]. وثبت عن عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة» [مسلم، برقم ٥٣٣، واللفظ له، والبخاري، برقم ٤٥٠]. وثبت في حديث أم حبيبة ﵂: «ما من مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنِيَ له بيت في الجنة» [مسلم، برقم ٧٢٨]، وفسرها الترمذي بأنها السنن الرواتب. وأصحاب الغرف لهم مكانة عالية في الجنة، ولهذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدرّي الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم»، قالوا: يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين»، [مسلم، برقم ٢٨٣١].
[ ١٠٩ ]