[ ٧٧ ]
سَمِعَ ابْنَ عَوْفٍ، وَشُعْبَةَ، وَالْحَمَّادَيْنِ.
وَكَانَ حَافِظًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَامِدٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: أَحْفَظُ سِتِّينَ أَلْفَ أُرْجُوزَةٍ
قَالَ: التَّمِيمِيُّ وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّكُونِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَيْنَاءِ.
قَالَ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ كَمْ كِتَابُكَ فِي الْخَيْلِ؟ قُلْتُ: جُزْءٌ وَاحِدٌ، فَسَأَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خَمْسُونَ جُزْءًا، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْكِتَابَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ فَرَسٍ فَقَالَ لأَبِي عُبَيْدَةَ: اقْرَأْ كِتَابَكَ حَرْفًا حَرْفًا، وَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ أَنَا بَيْطَارًا، وَإِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ أَخَذْتُهُ وَسَمِعْتُهُ مِنَ الْعَرَبِ،
[ ٧٨ ]
فَأَلِفْتُهُ، فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ قُمْ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ مِنَ الْفَرَسِ، فَقُمْتُ فَحَسَرْتُ عَنْ ذِرَاعِي وَسَاقِي، ثُمَّ وَثَبْتُ، فَأَخَذْتُ بِأُذُنِ الْفَرَسِ، ثُمَّ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى نَاصِيَتِهِ، فَجَعَلْتُ أَقْبِضُ مِنْهُ بِشَيْءٍ شَيْءٍ وَأَقُولُ: هَذَا اسْمُهُ كَذَا، وَأَنْشُدُ فِيهِ، حَتَّى بَلَغْتُ حَافِرَهُ لَيْسَ بِالْفَرَسِ، فَكُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَغِيظَ أَبَا عُبَيْدَةَ رَكِبْتُ الْفَرَسَ وَأَتَيْتُهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيِّ.
قَالَ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَبِحَضْرَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَصَاحِبُ الْحَسَنِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الرِّقَاعَ إِلَى أَنْ وَقَّعَ فِي خَمْسِينَ رُقْعَةً فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: تَذَاكَرُوا الْعِلْمَ، فَتَكَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالأَصْمَعِيُّ، وَالْهَيْثَمُ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، فَالْتَجَّ الْمَجْلِسُ بِالْمُذَاكَرَةِ، إِلَى أَنْ بَلَغُوا إِلَى ذِكْرِ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَأَخَذُوا فِي الزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَشُعْبَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا حَاجَتُنَا إِلَى قَوْمٍ، وَمَا نَدْرِي أَصَدَقَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ أَمْ كَذَبَ؟ وَبِالْحَضْرَةِ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَا
[ ٧٩ ]
أُنْسِيَ شَيْئًا قَطُّ، وَأَنَّهُ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يُعِيدَ نَظَرَهُ فِي دِفْتَرِهِ، إِنَّمَا هِيَ نَظْرَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَدْ حَفِظَ مَا فِيهِ.
يُعَرِّضُ بِالأَصْمَعِيِّ فَقَالَ الْحَسَنُ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِنَّكَ لَتَجِيءُ مِنْ هَذَا بِمَا يُنْكَرُ جِدًّا.
فَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: نَعَمْ أَحْتَاجُ أَنْ أُعِيدَ النَّظَرَ فِي دِفْتَرٍ، وَمَا أُنْسِيتُ شَيْئًا قَطُّ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: فَنَحْنُ نُجَرِّبُ هَذَا الْقَوْلَ: يَا غُلامُ الدِّفْتَرَ الْفُلانِيَّ فَإِنَّهُ جَامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمَّا أَسْنَدْنَاهُ وَحَدَّثْنَاهُ، فَمَضَى الْغُلامُ لِيُحْضِرَ الدِّفْتَرَ، فَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَأَنَا أُرِيكَ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا! أَنَا أُعِيدُ الْقَصَصَ الَّتِي مَرَّتْ بِأَسْمَاءِ أَصْحَابِهَا وَتَوْقِيعَاتِكَ فِيهَا كُلَّهَا، وَأَمْتَحِنُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ عَارَضَ بِتِلْكَ التَّوْقِيعَاتِ فِي وَقْتِ ذَلِكَ مَنْ حَضَرُوا، لِيَنْصَحُوا، فَاسْتَدْعَى الْحَسَنُ الْقَصَصَ، قَالَ الأَصْمَعِيُّ: الْقِصَّةُ الأُولَى لِفُلانٍ، قِصَّتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَقَّعْتَ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى أَتَى عَلَى سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ قِصَّةً، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: حَسْبُكَ السَّاعَةَ، وَاللَّهِ تَقْتُلُكَ الْجَمَاعَةُ بِأَعْيُنِهَا.
يَا غُلامُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلامُ أَنِ احْمِلُوهَا مَعَهُ، وَقَالَ: تُنْعِمُ بِالْحَامِلِ كَمَا أَنْعَمْتَ بِالْمَحْمُولِ؟، فَقَالَ: هُمْ لَكَ وَلَسْتَ تَنْتَفِعُ بِهِمْ، وَقَدِ اشْتَرَيْتُهُمْ مِنْكَ بِعَشْرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ فَحُمِلَتْ مَعَهُ الدَّرَاهِمُ وَانْصَرَفَ الْبَاقُونَ بِالْخَيْبَةِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ صَخْرٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ، أَخْبَرَنَا
[ ٨٠ ]
مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَيَانٍ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا بِالْجَبَّانِ بِالْبَصْرَةِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، وَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ وَاضِعَةٍ يَدَهَا عَلَى قَبْرٍ، وَهِيَ تَقُولُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ قَرِحٍ:
هَلْ خَبَّرَ الْقَبْرُ سَائِلِيهِ أَمْ قُرَّ عَيْنًا بِزَائِرِيهِ
أَمْ هَلْ تَرَاهُ أُحَاطَ عِلْمًا بِالْجَسَدِ الْمُسْتَكِنِّ فِيهِ
لَوْ يَعْلَمُ الْقَبْرُ مَنْ يُوَارِي تَاهَ عَلَى كُلِّ مَا يَلِيهِ
يَا جَبَلا كَانَ ذَا امْتِنَاعٍ وَرُكْنَ عِزٍّ لِمَنْ يَلِيهِ
وَنَخْلَةً طَلْعُهَا نَضِيدٌ يَقْرُبُ مِنْ كَفِّ مُجْتَنِيهِ
وَيَا مَرِيضًا عَلَى فِرَاشٍ تُؤْذِيهِ أَيْدِي مُمْرِضِيهِ
وَيَا صَبُورًا عَلَى بَلاءٍ كَانَ بِهِ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ
يَا مَوْتُ لَوْ تَقْبَلُ افْتِدَاءً كُنْتُ بِنَفْسِي سَأَفْتَدِيهِ
يَا مَوْتُ مَاذَا أَرَدْتَ مِنِّي حَقَّقْتَ مَا كُنْتُ أَتَّقِيهِ
مَوْتٌ رَمَانِي بِفَقْدِ إِلْفِي أَذُمُّ دَهْرِي وَأَشْتَكِيهِ
آمَنَكَ اللَّهُ كُلَّ رَوْعٍ وَكُلَّ مَا كُنْتَ تَتَّقِيهِ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا جَارِيَةُ أَعِيدِي عَلَيَّ لَفْظَكِ، قَالَتْ: أَوَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنِّي، فَأَنْشَدْتُهَا شِعْرَهَا عَنْ آخِرِهِ، فَقَامَتْ تَنْفُضُ ثِيَابَهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي عِبَادِكَ الأَصْمَعِيُّ فَهُوَ ذَا هُوَ.
[ ٨١ ]