قال العسقلاني: "الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق"، انتهى (^١). والأول أولى بما هنا كما لا يخفى، ثم "آداب الدعاء" خبر مبتدإ محذوف هو "هذا"، أو مبتدأ خبره قوله: (منها) أي: من آداب الدعاء (ما يبلغ أن يكون ركنًا) كالتوحيد والإخلاص، (وأن يكون) حق العبارة أن يقال: ومنها ما يبلغ أن يكون (شرطًا) كاجتناب الحرام، (وأن يكون غير ذلك) أي: غير ما ذكر من النوعين (من مأموراتٍ) أي: مستحباتٍ (ومنهياتٍ) أي: مكروهاتٍ (وغيرها) أي: مما هو فعله أولى من تركه.
قال المصنف: "الركن: ما يكون داخل الشيء، والشرط: ما يكون خارجَهُ، [فالنية] (^٢) وتكبيرة الإحرام والقيام وقراءة الفاتحة ونحوها في الصلاة أركان، وستر العورة واستقبال القبلة والطهارة ونحو ذلك من الشروط" (^٣)، انتهى كلامه (^٤).
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤٠٠)
(٢) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ: "كالنية".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
(٤) ذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن أركان الصلاة هي: النية، واعتبرها الحنابلة شرطا، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة في كلّ ركعة، والركوع، والاعتدال بعده، والسجود، والجلوس بين =
[ ١ / ٢٣٩ ]
وهو مبنيٌّ على مذهب إمامه، وأما عندنا فالنية وتكبيرة الافتتاح من الشرائط، والقيام والقراءة والركوع والسجود ركنٌ، وأما قراءة الفاتحة فواجبة، وأما قول الحنفي: "إنّ الركن لا يثبت إلَّا بكلام الله تعالى"، فأظن أنه غير صحيحٍ لعد علمائنا القَعْدَة الأخيرة ركنًا، وهو ليس في القرآن أصلًا، وكذا سائر العلماء قالوا بركنية الفاتحة، وهو غير مستفاد من نصّ الكتاب بل من السنّة؛ ولذا كانت واجبةً عندنا؛ لأن دلالة
_________________
(١) = السجدتين، والجلوس للتشهد الأخير، والتشهد الأخير. (وقال المالكية: التشهد الأخير ليس بركن وأما الجلوس فإنه ركن لكنه للسلام) والسلام، والترتيب، والطمأنينة. وزاد المالكية الرفع من الركوع، والرفع من السجود، قال الدردير: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال فجميع أقوالها ليست بفرائض إلَّا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام، وجميع أفعالها فرائض إلَّا ثلاثة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام. وزاد الشافعية والحنابلة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، كما قال الحنابلة بركنية التسليمتين. ذهب الحنفية إلى أن أركان الصلاة هي: القيام، والركوع، والسجود، والقراءة، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وترتيب الأركان، وإتمام الصلاة، والانتقال من ركن إلى ركن. والنية عندهم شرط وليست بركن وكذا التحريمة. انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٧، ٢٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣١)، مغني المحتاج (١/ ١٤٨)، كشاف القناع (١/ ٣١٣، ٣٨٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
الحديث ظنيةٌ، والله أعلم (^١).
(وهي) أي: آداب الدعاء من حيث هي (تجنب الحرام في المأكَل والمشرَب والملبَس) بفتح العين فيها (والمكسب) بفتح السين وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس": "كسبه يكسبه كسبًا، وفلان طيب الكسب والمكسب، والمكسبة كالمغفرة" انتهى (^٢). والكل مصادر ميمية (^٣) كما لا يخفى، ولكون الكسب مستلزمًا لنحو الأكل غالبًا كعكسه جمع بينهما، وإلا فهو غير مذكورٍ في الحديث المسطور.
(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة، [لكن] (^٤)
_________________
(١) الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلَّا بها، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية حيث قالوا: الفاتحة واجبة والواجب عندهم ليس فرضًا، وإنما هو بين الفرض والنفل، وليست ركنًا، لأن الركن لا يثبت إلَّا بدليل قطعي من آية محكمة، أو سنة متواترة، ولا شيء من ذلك. "منار القاري" (٢/ ١٦٦).
(٢) القاموس المحيط (ص ١٣٠).
(٣) المصدر الميمي. المصدر، إما أن يكون غير ميمي: وهو ما لم يكن في أوله ميم زائدة: كقراءة واجتهاد ومد ومرور. وإما أن يكون ميميا. وهو ما كان في أوله ميم زائدة: كمنصر ومعلم ومنطلق ومنقلب. وهي بمعنى النصر والعلم والإنطلاق والانقلاب. والمحققون من العلماء قالوا: إن المصدر الميمي اسم جاء بمعنى المصدر، لا مصدر. والمصدر الميمي من المصادر القياسية.
(٤) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و(هـ): "لكنه".
[ ١ / ٢٤١ ]
من المعلوم الواضح أن ما ذكره ليس لفظ الحديث ومبناه، بل هو مؤدّاه، وحاصل معناه، على ما هو مذكورٌ بكماله في "الأربعين" للنووي كما سيأتي.
قال المصنف: "هو من الشروط للحديث الذي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة يرفعه: "أنه ذكر الرجل يُطِيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، فأنّى يستجاب لذلك"، وإنما ذكر المسافر دون المقيم لأن دعوة المسافر مستجابةٌ كما سيأتي" (^١)، يعني: فالمقيم [من باب الأولى] (^٢) أن لا يستجاب دعاؤه لذلك.
(والإخلاص لله تعالى) قال ميرك [شاه] (^٣): "هو من الأركان، قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] "، وقال المصنف: "هو من الأركان، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (^٤)، انتهى.
ولا يخفى أن استدلال ميرك أظهرُ لما فيه من ظهور الأمر أكثر، ومع هذا ففيه أن المراد بالإخلاص في الآيتين هو التوحيد الخالص عن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "بالأولى".
(٣) من (أ) فقط.
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
[ ١ / ٢٤٢ ]
الشرك، فإن المشركين كانوا يدعون الله ويشركون معه الأصنام في حال الرخاء والسعة، ويَدْعُون الله [ويَدَعُون] (^١) غيره حال البلاء والشدة، كما في مستدل المصنف من الآية إليه الإشارة.
نعم، يؤخذ منه أن وجود الإخلاص في الجملة معتبرٌ في قبول الدعاء، لكن إخلاصَ المؤمنين باعتقادهم أنه لا ينفع ولا يضر إلَّا الله، ولا يقدر على إجابة الدعوة سواه، ولعل اعتبار الركن والشرط لسرعة إجابة الدعاء، وإلا فقد تقبل دعوة الفاجر والكافر، ولا يبعد أن يقال: إنهما نزلا منزلة الركن والشرط، كما يشير إليه قول المصنف: "ما يبلغ أن يكون ركنًا وشرطًا"، والله أعلم.
ثم مقتضى الترتيب الرتبي أن يقدم الركن، كما قدمه في العنوان، [فتقديمه الشروط] (^٢) في معرض البيان لتقدمها في الوجود، كما لا يخفى [عيانه] (^٣) على الأعيان.
هذا، وقد قال سهل بن عبد الله التُّستَرِي قدس الله سره السري: "نظرَ الأكياسُ في تفسيرِ الإخلاصِ، فلم يجدوا غيرَ هذا أن يكونَ حركتُه وسكونه في سره وعلانيته لله تعالي، لا يمازجه نفسٌ ولا هوًى ولا دنيا"، نقله عنه النووي في "الأذكار"، وقال الفضيل بن عياض: "العمل لغير الله
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ولا يَدْعُون".
(٢) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "تقديم الشروط"، وفي (أ): "فتقديمه الشرط".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "بيانه".
[ ١ / ٢٤٣ ]
شرك، وترك العمل للخلق رياءٌ، والإخلاص أن يخلصك الله منهما"، جعلنا الله من المخلصين، وأوصلنا إلى مرتبة المخلصين [آمين] (^١).
(مس) أي: رواه الحاكم، لكن لا أعرف [عمن] (^٢) رواه، وكيف وصل إليه مبناه، حتى [يبني] (^٣) عليه معناه، و"لا أدري" نصفُ العِلْمِ، والعِلْمُ بكماله عند الله.
(وتقديم عملٍ صالحٍ) أي: قبل الدعاء ليكون سببًا لقبوله، كما في حديث أبي بكر لجنه في صلاة التوبة، على ما سيأتي في أصل الكتاب، ورواه الأربعة وابن حبان، فكان ينبغي للمصنف أن يفرده عما بعده، ويأتيه برمز يوافقه.
(وذِكْرُه) بالرفع، أي: وذكر عملٍ صالحٍ، وظاهر الضمير أن يقال: وذكر ذلك العمل الصالح، أو التقدير: ذكر الداعي عملًا صالحًا (عند الشدة) ويدل عليه حديث البخاري، ومسلمٍ، عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال "بينما ثلاثةُ نفرٍ يتماشون، أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحةً، فادعوا الله بها لعله
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "ممن".
(٣) كذا في (ج): "يبني"، وفي (أ) و(هـ): "نبني"، وفي (ب): "ينبئ"، وفي (د): "ينبني".
[ ١ / ٢٤٤ ]
يفرجها، فقال أحدهم … " الحديث الطويل.
(م، ت، د) أي رواه: مسلم، والترمذي، وأبو داود، كلهم من حديث ابن عمر في قصة أصحاب الغار، وهو في البخاري أيضًا، فالأولى رقمه مع سائر رموز الحديث.
(والتنظف) أي: من الدنس (والتطهر) أي: من النجس، قال الحنفي: "هما متقاربان في المعنى"، انتهى. والفرق لا يخفى، مع أن التأسيس أولى من التأكيد. (عه، حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان من حديث أبي بكر ﵁، والحاكم من حديث عثمان بن حُنيف، وقال: "صحيح على شرطهما".
(والوضوء) وهو أخص مما قبله شرعًا، وموافقٌ له لغةً. (ح) أي رواه الجماعة، وهم أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري.
(واستقبال القبلة) أي: [توجهه] (^١) [جهة الكعبة] أي، (^٢): عينها. (ع) أي: رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد بن عاصم المزني في قصة الاستسقاء.
(والصلاة) أي: ذات الركوع والسجود، والمراد أن يقع الدعاء المطلوب بعدها، فهي من باب تقديم العمل الصالح والتوسل به. (عه،
_________________
(١) كذا في (د) و(هـ): "توجهه"، وفي (أ) و(ب) و(ج): "توجه".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "القبلة أو"، وفي (د): "الكعبة، أو"، وفي (هـ): "جهة الكعبة، أو".
[ ١ / ٢٤٥ ]
حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث الصديق.
(والجُثُوّ) بضم الجيم والمثلثة وتشديد الواو، وهو: الجلوس على الركبتين، فقوله: (على الرُّكَب) من باب التجريد، أو نوعٌ من التأكيدِ، وهو بضم ففتح جمع ركبة، على أن أقلَّ الجمع اثنان. (عو) أي: رواه أبو عوانة من حديث عامر بن خارج بن سعد، عن جده سعد بن أبي وقاص.
(والثناء على الله تعالى أولًا وآخرًا) أي: قبل الدعاء وبعده، ليقبل ما بينهما بهما. (ع) أي: رواه الجماعة عن أنسٍ كما في حاشيه، وقال ميرك: "من حديث فضالة بن عبيد، قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجّد الله، ولم يصل على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: عَجِل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ [بتحميد] (^١) ربّه والثناء، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو بما شاء".
(والصلاة على النبي ﷺ كذلك) أي: أولًا وآخرًا. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن فضالة أيضًا، ورواه أحمد أيضًا، ذكره ميرك.
لكن لا يخفى أن حديث فضالة في الموضعين لا يفيد إلَّا تقديم الثناء والصلاة على الدعاء، لا تأخيرهما أيضًا، مع أنهما المدعى، ولعل مأخذ الجمع بينهما في الصلاة ما سيأتي في آخر الكتاب عن أبي سليمان
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "بتمجيد".
[ ١ / ٢٤٦ ]
الداراني، والله أعلم.
(وبسط اليدين) أي: فتحهما بأن لا يقبض الكفين. (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن أبي الدرداء، وفي بعض الحواشي: "من حديث أم عطية"، وفي بعض النسخ رمز البزار مكان الترمذي، قيل: "وهو كذا في "نسخة [الكوسوي] (^١) " من تلامذة الشيخ وعليها خطه"، وكذا في "نسخة السيد أصيل الدين".
(ورفعهما) أي: ورفع اليدين عن الركبتين إلى جهة السماء؛ لأنَّها قبلة الدعاء. (ع) أي رواه الجماعة عن أبي حميدٍ الساعدي وأنسٍ وغيرهما.
(وأن يكون رفعهما حَذْو المنكبين) بفتح الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة، أي: في محاذاتهما ومقابلتهما. (د، أ، مس) أي رواه: أبو داود، وأحمد، والحاكم؛ كلهم عن ابن عباس.
والظاهر: أن من الآداب أيضًا ضمَّ اليدين، وتوجيه أصابعهما، مع انضمامها نحو القبلة، ثم اعلم أن الرفع ليس على إطلاقه؛ إذ لا يستحب إلَّا فيما ورد به السنة، فلا يرفع في نحو حال الطواف، كما يفعله [بعض] (^٢) العامة حين يدعو لبعض الأئمة.
(وكشفهما) أي: عن الثوب المشير إلى الحجاب الدال على نوعٍ من الإعجاب. (مو) أي: موقوفٌ، وفيه أنه من قول الخطابي - أحد شراح
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "الكوسوئي".
(٢) من (هـ) فقط.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الحديث - على ما ذكره ميرك، فإيراد "مَوْ" ليس على ما ينبغي من وجهين:
أحدهما: أن الموقوف في اصطلاح المحدثين حديث الصحابي عند الإطلاق، وقد يطلق على موقوف التابعي، لكنه يكون مقيدًا، والخطابي من المتأخرين، بل وليس من الرواة ولا المخرجين.
وثانيهما: أنه سبق عنه أنه يأتي برمز "مَوْ" قبل رموز الكتب؛ ليعلم أنه موقوف في ذلك، وليس هنا رمز بعده، لكن قد يحمل هذا على أنه إذا كان رمز هنالك.
ووقع لبعض فضلاء زماننا ممن كان يدّعي زيادة الفضيلة على أقراننا بحث في هذا معنًى قال: إنه موقوف [برمز] (^١) الميم الآتي مما يليه من [الرموز] (^٢) بعد قوله: (والتأدب).
قلت: هذا مع بُعده باطل؛ لأن الرموز المتأخرة هي: (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن علي كرم الله وجهه مرفوعًا، وكشف اليدين إنما هو منقول عن الخطابي، وهو لا يتصور أن يكون مذكورًا في متن "صحيح مسلم"؛ لأنه من شراحه، ثم المراد بالتأدب طلب الأدب ظاهرًا وباطنًا، وقولًا وفعلًا.
(والخشوع) قيل: "معناه الخوف والتذلل"، والظاهر أن المراد به سكون الباطن المستلزم منه سكون الظاهر، ويؤيده أنه ﷺ رأى رجلًا
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "لرمز".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "رموز".
[ ١ / ٢٤٨ ]
يعبثُ بلحيته، فقال: "لو خشع قلبُه لخشعت جوارحه" (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، وروي أنه ﷺ كان يصلي رافعًا بصرَه إلى السماء، فلمّا نزلت رمى ببصره نحو مسجده (^٢)، على ما ذكره البيضاوي (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٣/ ٢١٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال العراقي في "المغني" (١/ ١٠٥): سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٩١٠): فالحديث موضوع مرفوعًا، ضعيف موقوفًا بل مقطوعا، ثم وجدت للموقوف طريقا آخر، فقال أحمد في "مسائل ابنه صالح" (ص: ٨٣): حدثنا سعيد بن خثيم قال حدثنا محمد بن خالد عن سعيد بن جبير قال: نظر سعيد إلى رجل وهو قائم يصلي … إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد، يشهد لما تقدم عن العراقي أن الحديث معروف عن ابن المسيب. اهـ.
(٢) كتب في حاشية (أ): "أي: محل سجوده".
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٣) من حديث أبي هرية وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد - بن سيرين - فقد قيل عنه مرسلًا … وقد تعقبه تعليق الذهبي في "التلخيص" بقوله: الصحيح مرسل. وقد أخرجه أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٢٨٣)، والحازمي في "الاعتبار" (ص ٦٥). أخرجه الطبري في "التفسير" (١٩/ ٨). وقال البيهقي: "الصحيح هو المرسل". =
[ ١ / ٢٤٩ ]
(مو مص) أي: هو موقوفٌ على مسلم بن يسارٍ التابعيّ، رواه ابن أبي شيبة عنه أنه قال: "لو كنتَ بين يدي مَلِك تطلب منه حاجة لسرّك أن تكون خاشعًا"، فإيراد "مَوْ" ها هنا أيضًا لا يخلو عن تسامحٍ، كما ذكره ميرك.
(والتمسكن) أي: إظهار المسكنة والمذلة، أو طلب السكون وترك الحركة (مع الخضوع) أي: مع خضوع سائرِ الأعضاء، وخشوع جميع الأجزاء. (ت) أي رواه الترمذي عن الفضل بن العباس.
(وأن لا يرفع) أي: الداعي (بصره إلى السماء. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، كلاهما عن أبي هريرة، قال المؤلف: "أي إذا دعا في الصلاة، لحديث أبي هريرة: "لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم"، رواه مسلم والنسائي، قال القاضي عياض: "واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى
_________________
(١) = وقال البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٢٨٣): "ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلًا وهذا هو المحفوظ". وقال البيهقي في "السنن الصغير" (١/ ٣٠٢) هذا هو المحفوظ مرسل. وقال الزيلعي: وهذا المرسل الذي أشار إليه رواه أبو داود في مراسيله عن ابن سيرين عن النبي ﷺ إلَّا أنه قال عوض رفع بصره إلى السماء نظر هكذا وهكذا وأخرجه الطبري مرسلًا كذلك. ورواه الواحدي في أسباب النزول من حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ … فذكره (تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف ٢/ ٣٩٩).
[ ١ / ٢٥٠ ]
السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريحٌ وآخرون"" (^١).
قلت: وهو الظاهر لأن العلة التي ذكروها في حالة الصلاة، وهي توهمُ الجهةِ في حق رب السماء = موجودةٌ في مطلق الدعاء، فتقييده ﷺ بالصلاة لزيادة الإهتمام بها دائمًا، وإيماءٌ إلى أنه لو كان من الآداب المستحسنة لكانت هي أولى بها من غيرها.
(وأن يسأل) أي: يدعو (الله تعالى بأسمائه الحسنى) وهي تأنيثُ الأحسن، والصفة كاشفة، [كما] (^٢) قال تعال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، (وصفاتِه العلى) جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، أي: العلية الشأن، جلية البرهان، المنزهة عن الحدوث في الزمان، والعطف تفسيري، أو الأول مقيّد بالاسم [العَلَميّ] (^٣)، والثاني بالاسم الوصفي، وقيل: "اسمه ما يطلق عليه، وذلك إما باعتبار ذاته، أو باعتبار صفة سلبيّة كالقدوس، أو حقيقية [كالعلم] (^٤)، أو إضافية كالحميد والمليك، أو باعتبار فعل من أفعاله كالرزاق، فعلى هذا عطف صفاته على أسمائه من قبيل عطف الخاص على العام".
(حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "الذاتي".
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "كالعليم".
[ ١ / ٢٥١ ]
(وأن يجتنب) وفي نسخة: "وأن يتجنب" (السجعَ) أي: يتبعّده ويحترز عن الإتيان به فكرًا، فإنه يستحسن وقوعه طبعًا؛ ولذا قال: (وتكلفَهُ) وهو عطف تفسير.
والحاصل: أن النهي إنما هو عن التكلف في تحصيل السجع، وإلا فلا منع من إتيانه بمقتضى الطبع؛ إذ ورد في كثيرٍ من الأدعية المأثورةِ التي وجد فيها أنواع من السجع مسطورة، كقوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يسمع (^١)، ونفس لا تشبع"، وفي رواية: "ومن هؤلاء الأربع"، وقيل لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري: "تب من السجع، لورود المنع في الشرع، فقال: رجعت عما سجعت"، وفي الفواصل القرآنية أيضًا إشعارٌ باستحسان مراعاة السجع من غير التكلفات الكهانية.
(خ) أي: رواه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في أثناء حديثٍ: "وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك"، فكان حقّ المصنف أن يذكر رمز "مَوْ" قبل رمز البخاري؛ ليدلَّ على أن حديثَه موقوفٌ.
(وأن لا يتكلف التغنيَ بالأنغام) جمع نَغَم بفتحتين، وهو الصوت الحسن، فالمنهي هو الإتيان على طرائق الموسيقيين. (مو) أي: هو موقوف
_________________
(١) كتب في حاشية (أ): "أي: لا يقبل".
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولم يعرف أنه على [مَنْ] (^١) مِنَ الصحابة ولا في أي كتابٍ من الكتب.
(وأن يتوسل) أي: يتوصل ويتقرب (إلى الله تعالى بأنبيائه) وهم الأعمّ من رسله وأخص من أصفيائه. (خ، ر، مس) أي رواه: البخاري عن أنس، والبزار والحاكم عن عمر ﵁، كذا ذكره ميرك.
قال المؤلف: "وهو من المندوبات؛ ففي "صحيح البخاري" في الاستسقاء حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقِينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"، ولحديث عثمان بن حنيف في شأن الأعمى، رواه الحاكم في "مستدركه [على] (^٢) الصحيح"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وقد ذكرناه في "الحصن"، ولحديث أبي أمامة الذي ذكرناه في "ذكر الصباح"، رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وفي كتاب "الدعاء"" (^٣)، انتهى.
ولا يخفى أن ما ذكره غير مطابق لرموز أصله، مع أن حديث البخاري صريحٌ في كون حديثه موقوفًا، فكان من حقّه التنبيه عليه بإتيان "مَوْ" قبلَه.
(والصالحين من عباده) أي: عمومًا أو خصوصًا، وهم ما عدا الأنبياءَ من الصديقين والعلماء والشهداء والأولياء؛ إذ الصالح من يقوم بحق
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أي".
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ، ب).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الله بكماله، ثم بحق عباده، وقد سبق التوسل بالأعمال الصالحة، كما في حديث أصحاب الغار. (خ) أي: رواه البخاري عن أنسٍ.
(وخفض الصوت) أي: إخفاؤه، فإنه تعالى يعلم السرّ وأخفى، وهو (^١) كمال الأدب عند المولى، كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى.
(والإعتراف بالذنب. ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة في قصة الإفك.
(واختيار الأدعية) بتخفيف الياء (الصحيحة عن النبي ﷺ، فإنه) أي: النبي ﵇ (لم يترك حاجة) أي: في باب الدعاء ونحوه (إلى غيره) فالأولى أن يؤتى بالأدعية الواردة على السُّنَّة في جميع حالاته، وقد جمعت الأدعية المطلقة التي بغير وقتٍ وحالٍ مقيدة، مما هو عنه ﷺ ثابتة في كراريس، وسميته بـ "الحزب الأعظم والورد الأفخم"، ولا شك أنه أولى بالإعتبار مما جمعه بعض المشايخ الكبار من نحو: "حزب البحر"، و"الأسماء الأربعينية"، و"الأوراد [الكبروية والزينية] (^٢) "، فضلًا عن "دعاء [السيفي] (^٣) والقدح"، وأمثالها مما لا يعرف له أصل، والله ولي دينه، وناصر نبيه.
(د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن أبي بكرة الثقفيّ، واسمه
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) زيادة: "من".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "الكبيرة والزينبية".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "السيف".
[ ١ / ٢٥٤ ]
نفيعٌ -بالتصغير- ابن الحارث.
(وتخير الجوامع من الدعاء) أي: واختيار الأدعية الجامعة التي تجمع الأغراض الصالحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة، وقيل: "هي ما لفظه [يسير] (^١)، ومعناه كثير، شاملٌ للأمور الدينية والدنيوية، والأحوال الأخروية، كما سيأتي في الأدعية النبوية، على صاحبها الصلاة والتحية. (د) أي رواه أبو داود عن عائشة.
(وأن يبدأ بنفسه، وأن يدعوَ لوالديه وإخوانه المؤمنين) قيد لهما جميعًا، وهو مستفادٌ من قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وعن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقد أفتى العراقي بأنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المسلمين؛ لأنه وردت الأحاديث الصحيحة بأنه لا بد من دخول بعض المسلمين النار.
وأجيب بأنه لا يلزم من المغفرة وجود الذنب؛ فقد يراد [إذن] (^٢) بالمغفرة غير ستر الذنب، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ولا يخفى أن هذا الجواب غير صحيح بالنسبة إلى العلة المذكورة مع أن المغفرة أخصّ من الستر، وإنما يصلح جوابًا عن كون المؤمنين يشمل الأنبياء والمرسلين على أن المراد بذنوبهم
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "قليل".
(٢) من (أ) فقط.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ما هو خلاف الأولى بالنسبة إلى مقامهم الأعلى، لكن يدفع هذا بأن العُرف خص المؤمنين عمّن عداهم، وأجيب أيضًا بأن المغفرة لمن تحتم عليه العذاب تخفيف ذلك عليه، [ويرد] (^١) بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأنه لم يرد التصريح بأن مَن لا بُدَّ من دخوله النار يكون من مؤمني هذه الأُمة، بل يحتمل أن يكون من مسلمي الأمم السابقة"، انتهى.
وهو مردودٌ بأنه وردت الأحاديث المصرّحة بذلك كادت أن تكون متواترة، كما ذكره السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة". نَعَم، لا يبعد أن يجعل اللام للعهد، والمراد بهم المستحقون للعذاب، الداخلون في المشيئة المبهمة أنه يغفر لهم بالدعاء.
(م) أي: رواه مسلم عن أبي الدرداء وأم سلمة، لكن ليس فيهما التصريح بدعاء الوالدين، ولا بعموم المؤمنين الحاضرين والغائبين، والأحياء والأموات، فإن لفظ حديث أبي الدرداء: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيبِ مستجابة، وعند رأسه مَلَك موكل، كلما دعا لأخيه، قال المَلَك الموكل به: آمين، ولك [بمثله] (^٢) "، انفرد به مسلم (^٣)، وحديث أم سلمة: "أنها أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال لها رسول الله ﷺ: قولي: "اللهم، اغفر لي وله"، رواه الجماعة إلا
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "ويرد عليه"، وفي (ب): "ويراد".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "مثله".
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٣٣)، وابن ماجه (٢٨٩٥).
[ ١ / ٢٥٦ ]
البخاري (^١)، ذكره ميرك.
(وأن لا يخص نفسه بالدعاء إن كان إمامًا) وفي معناه: إن كان شيخًا مقدمًا، وهو بظاهره أعمّ من أن يكون في صلاة أو بعدها؛ لما ورد من الأدعية المأثورة بعد الصلوات بصيغة الجمع في كثير من الواردات.
(د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ مرفوعًا: "ثلاثٌ لا يحلّ لأحدٍ أن [يفعلهن] (^٢): [لا يؤم] (^٣) رجلٌ قومًا فيخص نفسه بالدعاء [دونهم] (^٤)؛ فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظرُ في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد خان، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف"، وقال الترمذي: "حديث حسن" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١١٥)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن ماجه (١٤٤٧).
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "يفعلها".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "لا يؤمن".
(٤) من (هـ) فقط.
(٥) أخرجه أبو داود" ٩٠ و"ابن ماجه" (٦١٩ و٩٢٣). والترمذي" ٣٥٧) وقال أبو عيسى الترمذي: حديث ثوبان، حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نسير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، وروي هذا الحديث، عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وكأن حديث يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، في هذا، أجود إسنادا وأشهر.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قال المصنف: "وهو من المنهيات لحديث ثوبان يرفعه: "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلها: لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم … " إلى آخر الحديث، والمعنى: أن إمامهم في الدعاء كالقنوت وغيره، فإنه إذا دعا [هم] (^١) يؤمنون، ويخص نفسه بالدعاء وهم لا يعلمون، فهو خيانة لهم، وأما إذا دعا في السجود لنفسه مَثَلًا وبين السجدتين، [أو] (^٢) التشهد، وهو الإمام، فليس بخيانة؛ لأن كل واحد من المأمومين ينبغي أن يدعو لنفسه، وقد وردت الأحاديث وصحت عنه ﷺ أنه كان يدعو بها في الصلاة كلها وهو إمام بالإفراد، مثل قوله: "اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب … " الحديث، متفق عليه" (^٣)، وقوله ﷺ إذا انتصب من الركوع: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد … " الحديث، رواه مسلم وغيره (^٤)، وقوله في السجود: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وجلَّه، أوله وآخره"، الحديث في "صحيح مسلم" (^٥)، وقوله ﷺ إذا جلس بين السجدتين:
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "وهم".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج): "و".
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).
(٤) أخرجه مسلم (٤٧٦) وأخرجه الطيالسي (٨٢٤) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٨٤)، ومسلم (٤٧٦) (٢٠٤)، والنسائي ١/ ١٩٨، وابن حبان (٩٥٦).
(٥) أخرجه مسلم (٤٨٣).
[ ١ / ٢٥٨ ]
"اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني … " الحديث (^١)، وقوله ﷺ في دعاء التشهد وكل دعاء كان [يقوله] (^٢) في صلاة الفريضة وهو إمام، ولم يرو عنه أنه دعا بلفظ الجمع" (^٣)، انتهى كلامه.
وحاصله: أن هذا الأمر مختص بالإمام حالة القنوت في الصبح، وهو بعيد جدًّا؛ إذ لو أراد هذا المعنى لقال: "وأن لا يقنت الإمام" بصيغة الإفراد "في قنوته"، ومع هذا يرد عليه أن قنوته ﷺ إنما كان بلفظ المفرد: "اللهم، اهدني فيمن هديت … " (^٤) إلى آخره، كما بيناه في "المرقاة شرح المشكاة".
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٥٠)، وابن ماجه (٨٩٨)، والترمذي (٢٨٤ و(٢٨٥).
(٢) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب) و"مفتاح الحصن الحصين": "يقول".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ ب).
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن ماجه (١١٧٨). قال ابن خزيمة في الصحيح (٢/ ١٥٢): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء ولم يذكر القنوت ولا الوتر. وقال أيضًا (٢/ ١٥٢ - ١٥٣): كان يعلمنا هذا الدعاء "اللهم اهدني فيمن هديت"، بمثل حديث وكيع في الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر. وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق. وأبو إسحاق لا يُعلم أَسمع هذا الخبر من بُرَيد أو دلَّسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي ولست أعلمه ثابتا. وقال الحافظ ابن حجر: ونبّه ابن خزيمة وابن حبان على أن قوله في قنوت الوتر =
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقد صرح الإمام ابن الهمام بأن قول الشافعية: "اللهم، اهدنا، وعافنا" بالجمع خلاف المنقول، لكنهم [لفَّقوه] (^١) من حديث في حق الإمام عام أنه لا يخص القنوت، ولا يخفى أنه ﵇ كان يقول ذلك وهو إمام؛ لأنه لم يكن يصلي الصبح منفردًا ليحفظ الراوي منه في تلك الحالة مع أن اللفظ المذكور في الحديث يفيد المواظبة على ذلك"، انتهى كلام المحقق.
فينبغي أن يحمل حديث ثوبان: "لا يخص الإمام نفسه بالدعاء" على أن المراد بالتخصيص قصد حصول أثر الدعاء لنفسه دون غيره ولو كان بصيغة الإفراد، فيرجع إلى معنى ما سيأتي من قوله: "وأن لا يتحجر"، فتدبر، وأما قنوت الوتر فهو وإن ورد بصيغة الجمع لكن الإمام يقرؤه سرًّا، وكذا المأموم في مذهبنا، وقيل: "بل يُؤَمِّن".
(وأن يسأل بعزم) يقال: عزمت على كذا، إذا أردتَ فعله، وقطعت عليه،
_________________
(١) = تفرد بها أبو إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، وتبعه ابناه يونس وإسرائيل كذا قال، قال: ورواه شعبة وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه، فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر، وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء. "التلخيص" (١/ ٤٤٧). وقال في نتائج الأفكار (٢/ ١٤٦): هذا حديث أصله حسن، روي من طرق متعددة عن الحسن ولكن هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت. والراجح والله أعلم: أن هذا الدعاء مطلق غير مقيد بالقنوت في الوتر، وتقيده في الوتر شاذ لا يصح. وقال الحافظ: قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء ولكن عمر كان يقنت. انظر: البدر المنير (٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥)، والتلخيص الحبير (٢/ ١٨).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "تفقهوه".
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال المصنف: "أي: لا يقول: اغفر لي إن شئت، [أو أعطني] (^١) إن شئت؛ فإن الله تعالى لا مستكره له"، وفي رواية: "فإن الله تعالى صانع ما شاء، مانع ما شاء، لا مكره له"" (^٢). (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة (^٣).
(وأن يدعو برغبة) [أي: بغلبة ميل] (^٤). (حب، عو) أي رواه: ابن حبان وأبو عوانة عنه أيضًا (^٥).
(وأن يخرجه) أي: الدعاء (من قلبه بجد) أي: ببذل وسع وطاقة، [فتفسيره] (^٦) قوله: (واجتهاد، وأن يُحضر) من الإحضار (قلبه، ويُحسن) من الإحسان، وقيل: "من التحسين" (رجاءه)، وهو بالمد ضد الخوف. (مس) أي: رواه الحاكم عنه أيضًا، ولفظ الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه (^٧).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و"مفتاح الحصن الحصين": "وأعطني".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ ب).
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٩٧)، وابن ماجه (٣٨٥٤).
(٤) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "أي: بميل قلب"، وكتب في الحاشية: "أي: بغلبة ميل، نسخة أصل".
(٥) أخرجه ابن حبان (٨٩٦) وأبو عوانة كما في "إتحاف المهرة" (١٩٣٦٣).
(٦) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "بثقة".
(٧) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وإسناده حسن. وعبد الله بن معاوية الجمحي قال الحافظ عنه: ثقة، التقريب (٣٦٥٥). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٥) وفي السلسلة الصحيحة ٥٦٤).
[ ١ / ٢٦١ ]
(وأن يكرر الدعاء) أي: في مجلس أو [في] (^١) مجالس. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي (^٢)، (و[أقله] (^٣) التثليث) أي: تثليث الدعاء بأن يكرره ثلاثًا، وفي نسخة للجلال، وهو المطابق لأكثر النسخ [المحاضرة] (^٤): "وأقله التثليث" أي: وأقل تَكرار الدعاء جعله ثلاثًا. (د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن أبي أمية المخزومي.
(وأن يُلِحّ فيه) من الإلحاح، وهو المبالغة، أي: وأن يبالغ في الدعاء بالمداومة والمواظبة في الحالات، ولا يكتفي بمرة ولا بمرات، فيغاير [التكرير] (^٥) والإلحاح في وقت من الأوقات. (س، مس، عو) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأبو عوانة؛ عن عبد الله بن جعفر الطيار.
(وأن لا يدعو بإثم) أي: بسبب حصول معصية، أو بما يوقعه في سيئة (ولا قطيعة رحمٍ) خصيص بعد تعميم لزيادة الإهتمام ببيانها لعظمة شأنها، ففي "النهاية": "القطيعة الهجران، ويريد به ترك البر والإحسان إلى الأقارب وهي ضد صلة الرحم". (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ: "لا يزال يستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم" (^٦).
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٠) ومسلم (١٧٩٤).
(٣) من (ج) فقط.
(٤) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "الحاضرة".
(٥) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "التكرار".
(٦) أخرجه مسلم (٢٧٣٥)، ولفظ البخاري (٦٣٤٠)، وأبو داود (١٤٨٤) =
[ ١ / ٢٦٢ ]
(وأن لا يدعو بأمرٍ قد فرغ منه) بصيغة المجهول كطول قدٍّ، وبياض خدٍّ، ونحوهما من أمور مفروغ عنها، وكذا ما قدر للعبد من عمله وأجله ورزقه وشقاوته، وأن بعض الخلق في الجنة، وبعضهم في النار، كما ورد: "فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير" (^١).
وقال الحنفي: "الفراغ على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، ومنه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١]، والمعنى هنا على الأول"، انتهى. وهو غير صحيح في حق الله سبحانه؛ لأن معنى قوله: "فرغ ربكم من العباد" قدَّر [ربكم] (^٢) أمرهم، وجعلهم فريقين، وحكم عليهم بالطريقين، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وهذا باعتبار الحكم الكلي المعين فلا ينافي
_________________
(١) = والترمذي (٣٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣) ولم أقف عليه عند النسائي في السنن وقد أخرجه في عمل اليوم والليلة (٥٨٢) (٥٨٣). وليس هو في البخاري بهذا اللفظ، إنما خرَّج هو والجماعة: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي".
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٤١). والنسائي في الكبرى (١١٤٧٣). إسناده ضعيف. في الإسناد أبا قبيل المعافري -وهو حيي بن هانئ مختلف فيه وثقه أحمد وابن معين في رواية، وأبو زرعة والفسوي والعجلي وأحمد بن صالح المصري وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان يخطئ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وذكره الساجي في "الضعفاء" له انظر ترجمة أبي قبيل المعافري تهذيب الكمال (٧/ ت ١٥٨٦ و٣٤/ ١٩٤).
(٣) من (هـ) فقط.
[ ١ / ٢٦٣ ]
سؤال الإيمان للفرد الجزئي المبهم.
(س) أي: رواه النسائي عن ابن مسعود، قال: "قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ: اللهم، متعني بزوجي رسول الله ﷺ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ: لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، وأيام معدودة، لن يجعل الله شيئًا قبل حلِّه، أو يؤخر شيئًا عن حلِّه، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو [من] (^١) عذاب في القبر، كان خيرًا، أو أفضل" (^٢).
(وأن لا يعتدي في الدعاء) أي: لا يتجاوز فيه عن حده (بأن يدعو بمستحيل) أي: شرعًا أو عادةً، مثل: طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، (أو ما في معناه) من نزول سماءٍ، وطلوع أرضٍ، وغيرهما مما قدمناه، فإن من المحال تغيير كل أمر قدره الله سبحانه وقضاه.
(خ) أي: رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس موقوفًا، فكان من حقه أن يذكر "مَوْ" قبل رمزه، قال المصنف: "لما رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال: في الدعاء وغيره (^٣)، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان بأن يطلع إلى السماء، أو يحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يحيا له الموتى، أو
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٦٤ و٦٨٦٥ و٦٨٦٦ و٦٨٦٧) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري معلقا عن ابن عباس (٦/ ٥٨) وانظر تغليق التعليق (٤/ ٢١٣).
[ ١ / ٢٦٤ ]
بأمرٍ لا يعلم حقيقته، وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور، والدعاء"، رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان في "صحيحهما" (^١)، والاعتداء في الطهور (^٢): المبالغة والتجاوز عن الحد المشروع، كالذي يزيد في الوضوء على التثليث، وفي الغسل الإسراف، ونحو ذلك، وفي الدعاء أن يدعو بمستحيل، وبما لا يجوز أن يدعو به" (^٣)، انتهى.
وقد فسّر الاعتداءُ في الدعاءِ بتكلّف السجع، كذا في "الأذكار" (^٤)، وقال بعضهم: "الاعتداء هو طلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء"، وقيل: "هو الصياح في الدعاء"، وهو المناسب لما قبله من قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤) والحاكم (١/ ١٦٢ و٥٤٠)، وابن حبان (٦٧٦٤) وقد صححه النووي في المجموع (٢/ ٢٢٠) وقال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ٣٨٧).
(٢) قال في المرقاة: والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن موقف الافتقار إلى بساط الانبساط، ويميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه، وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضي إلى الوساوس (المرقاة ٢/ ٤١٧).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ ب، ٥/ أ).
(٤) "الأذكار" للنووي (صـ ٣٤٢).
[ ١ / ٢٦٥ ]
قيل: "ومنه الإطناب في الدعاء"، فقد نقل الإمام أحمد في "مسنده": "أن أحدًا من الصحابة سَمِعَ أحدًا يقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وَإِسْتَبْرَقَهَا، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها، وأغلالها، فقال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون أقوام يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية، وقال: بحسبك أن تقول: اللهم، إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل"، ورواه أبو داود أيضًا (^١).
(وأن لا يتحجّر) بتشديد الجيم تفعُّل من الحَجْر بفتح فسكون، بمعنى المنع بأن يقول: "اللهم، اغفر لي، ولا تغفر لغيري" أو "اللهم، لا تغفر [لفلان] (^٢) "، يقال: تحجر على فلان ما وسعه الله، أي: ضيق.
(خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن أعرابيًّا دخل المسجد فصلى فيه، ثم دعا فقال: اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ: لقد [تحجرت] (^٣) واسعًا" (^٤)، قال صاحب "النهاية": "أي: ضيقت ما وسعه الله تعالى،
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" (١/ ١٧٢) وأبو داود (١٤٧٥)؛ كلاهما عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي … إك آخره.
(٢) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ) و(ج) و(د): "فلانًا".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) و"سنن أبي داود" و"النسائي"، وفي (ب) و"صحيح البخاري": "حجرت".
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٠٧) ومسلم (٥٨٩) وأبو داود (٨٨٠)، والترمذي =
[ ١ / ٢٦٦ ]
فخصصت به نفسك دون غيرك" (^١)، يعني: ورحمة الله وسعت كل شيء.
(وأن يسأل حاجاته كلها) أي: من الله وحده حتى مِلْح عجينه، ومن دعاء الإمام أحمد: "اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك، فصن وجهي عن مسألة غيرك" (^٢). (ت، حب) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، عن أنس، ولفظ الترمذي: "قال: قال رسول الله ﷺ: [ليسأل] (^٣) أحدكم ربه حاجاته كلها حتى [يسأله] (^٤) شسع (^٥) نعله إذا انقطع" (^٦).
(وتأمين الداعي والمستمع) أي: قولهما: آمين، بعد فراغ الدعاء. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يجبكم
_________________
(١) = (٣٤٩٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٥٤٦٦)، وابن ماجه (٣٨٣٨). كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٤٢) مادة (ح ج ر).
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٣٣) من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه.
(٤) كذا في (ج) و(د) و(هـ) و"جامع الترمذي"، وفي (أ) و(ب) و"صحيح ابن حبان": "يسأل".
(٥) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ) و"جامع الترمذي": "يسأل".
(٦) كتب بجوارها في حاشية (ب): "الشسع بوزن حمل، ويجمع على شسوع كحمول، كما في "المصباح" اهـ".
(٧) أخرجه الترمذي (٣٦٠٤)، وابن حبان (٨٦٦)، كلاهما عن أنس به مرفوعًا، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب"، وأعله بالإرسال، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٣٦٢): "ضعيف".
[ ١ / ٢٦٧ ]
الله" (^١)، وفي رواية: أن النبي ﷺ دعا وقال في آخر دعائه: "آمين"، وروي: "آمين خاتم رب العالمين" (^٢).
(ومسح وجهه بيديه) أي: لا بيد واحدة كما يفعله المتكبرة، (بعد فراغه) أي: من الدعاء، أو بعد فراغ الدعاء. (د، ت، حب، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن حبان، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس (^٣) قال: قال النبي ﷺ: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها؛ فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" (^٤)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٤١٥)، وأبو داود (٩٣٥)، والنسائي في "الصغرى" (٩٢٩)، وفي "الكبرى" (١٠٠٣)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولفظه: "فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح ﵀ فهو من حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٦٤)، وغيرهما.
(٢) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢٢٠)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤٤٠)، والديلمي في "الفردوس" (١٦٧٠)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٤٨٧): "ضعيف".
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): "قوله: "عن ابن عباس" قال المناوي: وهو حديث حسن".
(٤) صنيع المؤلف يوحي أن هذا الحديث عند المصنفين المذكورين عن ابن عباس، وليس الأمر كذلك؛ فالحديث قد أخرجه أبو داود (١٤٨٠)، وابن ماجه (٣٨٦٦)، والحاكم (١/ ٥٣٦)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٦٨)؛ كلهم عن ابن عباس به مرفوعًا من قول النبي ﷺ، ورواه الترمذي =
[ ١ / ٢٦٨ ]
ولعل وجهه أنه إيماء إلى قبول الدعاء، وتفاؤل بدفع البلاء، وحصول العطاء، فإن الله سبحانه يستحيي أن يرد يد عبده صفرًا خاليًا من الخير في الخلاء والملاء.
قال المصنف في "شرح المصابيح": "عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه"، رواه الترمذي، وقال: "صحيح غريب"، والحاكم في "مستدركه"، ورواه أبو داود عن السائب بن يزيد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه" (^١)، والعمل على هذا عند أهل العلم خلفًا عن سلفٍ، ومن [أنكر] (^٢) ذلك لا شك أنه لم يقف على ما صح من هذه الأحاديث.
(وأن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة) أي: يعد إجابة دعائه بطيئة، (أو يقول) عطف على "يستعجل"، أي: وأن لا يقول: (دعوت فلم يستجب لي)، والفرق بينهما أن الثاني في مقام اليأس، والأول في مقام الرجاء، لكنه من عجلته في حال الإستبطاء، فـ "أَوْ" للتنويع، وقال
_________________
(١) = (٣٣٨٦)، والحاكم (١/ ٥٣٦) عن عمر به مرفوعًا من فعله ﷺ. وقال أبو داود: "روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف"، وقال الترمذي: "حديث غريب"، وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (٢٥٧٢): "حديث منكر"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (٦٢٢٦): "ضعيف".
(٢) "سنن أبي داود" (١٤٨٧).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "كره".
[ ١ / ٢٦٩ ]
الحنفي: "كلمة "أو" للتخيير، وكلاهما تفسير للإستعجال"، فاختار عطفه على "يستبطئ"، لكن التأسيس أولى، والفرق في مقام الجمع أدعى.
(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ، قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي، [فيستحسر] (^١) عند ذلك، ويدع الدعاء" (^٢)، وقد تقدم أن الدعاء لا يتخلف عن الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، لكن الاستجابة على أنواع سبق بيانها، وتحقق شأنها وبرهانها.
_________________
(١) كذا في "صحيح مسلم"، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "فيخسر"، وفي (هـ): "فيتحسر".
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) -واللفظ له-، وأبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣)؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وأما ذِكْرُ صاحب "الحصن" رمزَ النسائي وتركه رمز الترمذي فلعله سبق قلم، تبعه عليه المصنف، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٠ ]