اعلم أن حال السالك والداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة، وإن كانت لا تخلو عنها، ولتحوله - ولو في [الزمن والمحل] (^١) - سمي حالًا، فهو وصف للداعي، وأما الزمان فهو ظرف له، وكذا المكان.
وبما قررناه حصل الفرق بين أوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها، فالأحوال أوصاف توجد في الداعي، ترجي استجابة الدعاء له عند حصولها، وأما قول الحنفي: "فالمراد هنا أوصاف للداعي أو لغيره" ففي غير محله؛ لأن حال غير الداعي لا يُوجد سببًا لقبول دعوة الداعي على ما ذكر من الأحوال في جميع الأقوال.
ثم قوله: "فالإضافة لأدنى الملابسة" محل تدبر؛ لقوله: "تدبر؛ إذ فيه نظر يظهر"، وهو أن الإضافة فيها مع ما قبلها وما بعدها لامية تفيد اختصاصها بها، أي: أوقات وأحوال وأماكن لإجابة الدعاء فيها، والله أعلم.
(عند النداء بالصلاة) أي: حين تلبس مريد الدعاء بحال وقوع النداء الصادر منه أو من غيره، والنداء يشمل الأذان والإقامة، وإن كان إطلاقه على الأول [أدلّ] (^٢). (د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵄ أنه قال: "قال رسول الله ﷺ: ثنتان لا
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "زمن واحد".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): "أولى".
[ ١ / ٣٠٥ ]
تردّان - أو قلما تردان - الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا" (^١)، وفي رواية عن سهل، عن النبي ﷺ قال: "ووقت المطر" (^٢) أو "تحت المطر" (^٣)، ذكره ميرك.
(وبين الأذان والإقامة. د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، عن أنس (^٤)، وزاد الترمذي: "قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" (^٥)، ذكره ميرك.
(وبعد الحيعلتين) أي: قول "حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح"
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٩٨) و(٢/ ١١٣)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي به مرفوعًا. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٣٠٧٩): "صحيح".
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٣٣) كما في نسخة، وانظر للفائدة حاشية المحقق.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ١١٤)؛ كلاهما من حديث سهل به مرفوعًا.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٢٢)، والترمذي (٢١٢) و(٣٥٩٤، ٣٥٩٥)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨١٢، ٩٨١٣، ٩٨١٤)، وابن حبان (١٦٩٦)؛ كلهم من حديث أنس به. قال الترمذي: "حديث أنس حديث حسن"، وقال الألباني في "الإرواء" (٢٤٤): "صحيح".
(٥) "جامع الترمذي" (٣٥٩٤، ٣٥٩٥).
[ ١ / ٣٠٦ ]
(لمن نزل به كرب) أي: هم وغم يأخذ بالنفس (أو شدة) أي: بلية جلية، فـ "أو" للتنويع، ويحتمل الشك، وأما قول الحنفي: ""أو" للتخيير"، فوهم له في التعبير. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة (^١).
(وعند الصف في سبيل الله. حب، ط، مَوْ طا) أي رواه: ابن حبان والطبراني عن سهل بن سعد مرفوعًا كما تقدم، ورواه مالك في "الموطأ" من قوله موقوفًا (^٢).
(وعند التحام الحرب) أي: عند التحام أهل الحرب وجرحهم وطعنهم في لحومهم، فقوله: (بعضهم بعضًا) مرفوع بـ "التحام" على الفاعلية، وفي نسخة بالجر على البدلية من الحرب، بناء على مضافه المقدر، وأما قول الحنفي: "أي: عند تحققه وقيامه في أصل المعنى من غير رعاية المبنى، وأما قوله: "والفعل في قوله: "بعضهم بعضًا"
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٤٦ - ٥٤٧) من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤١٦): "رواه الحاكم من رواية عفير بن معدان وهو واهٍ، وقال: صحيح الإسناد"، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (١٧٧): "ضعيف جدًّا".
(٢) أخرجه ابن حبان (١٧٢٠)، والطبراني في "الدعاء" (٤٨٩) من حديث سهل به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (٣٥٨٧): "صحيح". ورواه مالك في "موطئه" (١٧٨) من حديثه موقوفًا. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ١٣٨): "هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في "الموطإ" عند جماعة الرواة، ومثله لا يقال من جهة الرأي".
[ ١ / ٣٠٧ ]
محذوف، أي: صادف بعض المحاربين بعضًا منهم وحاربه، وهذه الجملة كالبيان بالنسبة إلى الالتحام"، فلا يخفى أنه مع تكلفه مستغنًى عنه بما حررناه. (د) أي: رواه أبو داود عن سهل أيضًا لما سبق (^١).
(ودبر الصلوات المكتوبات) أي: [عقب] (^٢) الصلوات المفروضات، والتقييد بها لكونها أفضل الحالات، فهي أرجى لإجابة الدعوات. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي أمامة، وقال الترمذي: "حسن"، قال: "قلنا: يا رسول الله، أَيُّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات" (^٣)، وفي نسخة منسوبة إلى جلال رمز الراء بدل التاء، والظاهر أنه تصحيف وتحريف.
(وفي السجود. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (^٤).
(وعقيب تلاوة القرآن) أي: من حزبه أو ورده أو ختمه، ويحتمل أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢) عن سهل بن سعد به مرفوعًا.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "عقيب".
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٥٦)؛ كلاهما من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١٦٤٨): "صحيح لغيره".
(٤) أخرجه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧١)، والنسائي في "الصغرى" (٢/ ١١٣٧) وفي "الكبرى" (٧٢٧)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٣٠٨ ]
يستجاب منه ومن مستمعه. (ت) أي: رواه الترمذي عن عمران بن حصين (^١)، ذكره ميرك.
(ولا سيما) بكسر السين وتشديد التحتية المفتوحة على أنه مركب من "سي" بمعنى مثل، ضم إليه "ما" تأكيدًا، واستعمل بمعنى التخصيص، وقوله: (الختم) بالجر في النسخ المعتمدة، ووجهه أن "ما" زائدة لا تمنع عمل ما قبلها [فيما] (^٢) بعدها، فالتقدير: لا شيء مثل ختم القرآن في قبول الدعوة وحصول الإجابة، وجوز في بعض النسخ رفعه ونصبه، ففي "القاموس" في مادة "س وي": "سيان: مثلان، و"لا سيما زيد"، مثل: "لا مثل زيد"، و"ما" لغوٌ، ويرفع "زيد" مثل: دع ما زيدٌ، وتخفف الياء" (^٣)، انتهى.
ولعل وجه النصب أن يكون التقدير: لا يساوي ولا يماثل شيء من أحوال الإجابة حالة ختم القرآن المقرون بالدعوة. ووجه الرفع أن يقدر: لا شيء من [الأحوال] (^٤) يماثله الختم؛ لأنه أعظمها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٧) من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا، ولفظه: "من قرأ القرآن فليسأل الله به … " الحديث. وقال عَقِبَه: "هذا حديث حسن ليس إسناده بذاك"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٦٤٦٧): "حسن"، وانظر لمزيد الفائدة "السلسلة الصحيحة" (٢٥٧).
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "لما".
(٣) "القاموس" (٤/ ٣٣٩).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أحوال الإجابة".
[ ١ / ٣٠٩ ]
(ط، مو مص) أي: رواه الطبراني عن عمران مع ما سبق من حديثه مرفوعًا (^١)، وهو موقوف في "مصنف ابن أبي شيبة" من قول عبدة بن أبي لبابة ومجاهد، وهما تابعيان، فهو لا يخلو [عن] (^٢) نوع مسامحة، والمعنى: أنهما ألحقاه بالحديث السابق إدراجًا.
قال ميرك: "عن الحكم بن عتيبة، قال: "كان مجاهد وعبدة بن أبي لبابة وأناس يعرضون المصاحف، فلما كان اليوم الذي أرادوا أن يختموا أرسلوا إليّ وإلى سلمة بن كهيل، فقالوا: إنا كنا نعرض المصاحف، فأردنا أن نختم اليوم، فأحببنا أن تشهدونا، إنه كان يقال: إذا ختم القرآن نزلت الرحمة عند خاتمته"، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، ورواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب "المصاحف" بسند صحيح (^٣) ".
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ١٦٦) رقم (٣٧٠) من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا، ولكن ليس فيه دليل على تخصيص ختم القرآن، وإنما أراد الماتن حديمث العرباض بن سارية الذي أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٢٥٩) رقم (٦٤٧)، ولفظه: "ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة". قال الهيثمي: وعزاه للعرباض بن سارية وقال: فيه عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٣٠١٤): "ضعيف".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): "من".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٦٦٣) عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة به، وأما عزو الحديث إلى "المصاحف" لابن أبي داود فهو خطأ، لأن ابن القيم قال في "جلاء الأفهام" (صـ ٤٧٨): وروى ابن أبي داود في "فضائل القرآن"، ولم أظفر به في=
[ ١ / ٣١٠ ]
(خصوصًا) بدل من قوله: "ولا سيما"، وهو مصدر فعل مقدر، أي: خص خصوصًا (من القارئ. ت، ط) أي رواه: الترمذي، والطبراني، عن عمران بن حصين: "أنه مر على قارئ يقرأ ثم يسأل - أي: الناسَ - فاسترجع، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ القرآن فليسأل الله به (^١)، فإنه سيجيء أقوام يسألون الناس [بالقرآن] (^٢) " (^٣)، قال الترمذي: "حسن"، ذكره ميرك.
والحاصل (^٤): أن قوله: "عقيب تلاوة القرآن" وحده رواه الترمذي
_________________
(١) = كتاب "المصاحف"، وروى الحديث أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (صـ ١٠٧)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (صـ ٤٤)؛ كلاهما عن مجاهد وعبدة به، وأخرج الدارمي (٣٥٢٥) عن مجاهد بنحوه.
(٢) بعدها في جميع النسخ زيادة: "ربه"، وليست في "جامع الترمذي".
(٣) من (هـ) فقط، وفي مصادر تخريج الخبر: "به".
(٤) أخرجه الترمذي (٢٩١٧)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ١٦٦) رقم: ٣٧٠)؛ كلاهما من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (٦٤٦٧): "حسن"، وانظر لمزيد الفائدة "السلسلة الصحيحة" (٢٥٧).
(٥) كلام الشارح الآتي غير منضبط بالنسبة لرواية الحديث وألفاظه، فأما من ناحية الرواية فقد أوضحته في تخريج الحديث من المصادر المذكورة، وأما من ناحية ألفاظ الحديث فليست هذه الألفاظ التي ذكرها في شيء من المصادر المذكورة، إنما استقاها الماتن من ألفاظ حديث عمران وحديث العرباض بن سارية، وليس كما يوهم صنيعُه الآتي، والله أعلم.
[ ١ / ٣١١ ]
بانفراده، وزاد الطبراني عنه في رواية: "ولا سيما الختم"، وزاد الترمذي، والطبراني؛ كلاهما في رواية أخرى: "خصوصًا من القاري".
(وعند شرب ماء زمزم) بضم الشين وفتحها مصدران، كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]، وجاء الكسر أيضًا، لكنه في معنى النصيب أكثر، قال الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "ماء زمزم لما شرب له، فإن شربت [لتستشفي] (^١) شفاك الله، وإن شربت مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربت ليقطع ظمأك قطعه الله، قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: "أسألك عِلْمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء" (^٢)، رواه الحاكم، ورجاله موثوقون،
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب) و(هـ): "لتشفى"، وفي "المستدرك": "تستشفي".
(٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٧٣) من حديث ابن عباس به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، ولم يخرجاه"، هذا إسناد فيه الجارودي، وهو صدوق، وبقية رجاله ثقات، لكن قال ابن حجر روايته هذه شاذة، وهو حسن بهذا الإسناد واختلف في وصله وإرساله والمحفوظ وقفه على مجاهد. قول الحاكم: إن سلم من الجارودي، قال ابن القطان: سلم من الجارودي فهو صدوق.=
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكن الراوي عنه مجهول. وقال ابن حجر في الفتح ٣: ٤٩٣ رجاله موثوقون لكن اختلف في وصله وإرساله. وإرساله أصح. والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة. وقال في الإتحاف ٨٨١٦: وهم الجارودي في رفعه، والمحفوظ عن ابن عيينة وقفه على مجاهد كذا رواه الحميدي وابن أبي عمر وعبد الرزاق، وغيرهم ذكره الحافظ في "الإتحاف" (٨٨١٦). قلت: محمد بن حبيب بن محمد الجارودي بصري، وقال الخطيب في تاريخه: صدوق. انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٧)، والثقات لابن حبان (٩/ ١١٠) وفي المغني في الضعفاء (٥٣٨٠) غمزه الحاكم. وقال الذهبي في الميزان: (٣/ ٥٠٨): "أتى بخبر باطل اتهم بسنده". وقال الحافظ في لسان الميزان (٥/ ١١٥): "والحديث المذكور في المستدرك … وذكر كلام الخطيب فيحتمل أن يكون هو هذا، وجزم أبو الحسن القطان بأنه هو وتبعه علي ذلك ابن دقيق العيد، والدمياطي وقد اخرج الدارقطني والحاكم … فهذا خطأ الجارودي وصله وإنما رواه ابن عيينة موقوفا على مجاهد كذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم. وأخرجه: الدارقطني (٢/ ٢٨٩/ ٢٣٨). فالحاصل أن الحديث له ثلاث علل:
(٢) المخالفة: أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولًا، =
[ ١ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٦٨): والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله.
(٢) جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان: لا يعرف حاله.
(٣) ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر. فقال الذهبي في "الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم" (ص ٣٩) قال: عبد الله بن المؤمل لين، وقال الدارقطني: ثنا عمر بن الحسن بن علي، ثنا محمد بن هشام المروزي - يعني ابن أبي الدميك - ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ماء زمزم لما شرب … ". قلت: هؤلاء ثقات سوى عمر الأشناني إنا نتهمه بوضعه. وذكره في ترجمته في (الميزان) (٣/ ١٨٥): فقال "صاحب بلايا" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: "وابن حبيب - يعني الجارودي - صدوق، فآفة هذا هو عمر، فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا. وتعقبه الحافظ في "اللسان" (٤/ ٢٩١) حيث قال: والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني فإن الأشناني لم ينفرد بهذا تابعه عليه في مستدركه الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من حفاظ=
[ ١ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه وهذا الحديث يُروى عن جابر ﵁ من طريقين: الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/ ٣٥٧، ٣٧٢)، والطبراني في (الأوسط) (٨٥٣)، والبيهقي (٥/ ١٤٨)، والعقيلي في (الضعفاء) (٢/ ٣٠٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (٣/ ١٧٩)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٦) من طرق، عن: عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به. قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل. وبه ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: (٣/ ٤٧٨) ح ١٢٤٣. وضعفه - أيضًا - النووي في (المجموع) (٨/ ١٩٨). وقال العقيلي: لا يُتابع عليه. وكذا قال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٨). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل. وقال البيهقي عقب إخراجه: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل". قلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي) (٥/ ١٤٨). فقال - متعقبًا البيهقي -: قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد. والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلَّاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفيه قصة. وأعلَّ الحافظ ابن حجر ﵀ هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال في =
[ ١ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التلخيص الحبير: (٢/ ٢٦٨): ولا يصحُّ عن إبراهيم … إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل. وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول. وانظر: التلخيص الحبير (٢/ ٢٦٨). وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب" (٤١٢٧) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "ماء زمزم لما شرب له". الطريق الثاني: أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣٨٣٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (١٠/ ١٦٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٧٩) و(٣٢/ ٤٣٦) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة ثم شربه ثم قال البيهقي غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه. وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٣٦) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه" (٣٦١) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخويي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل … الحديث. وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٢٨١) قال ابن خراش ابن المبارك مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول =
[ ١ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه. كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٣٠٥): سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم. وانظر أيضًا: فتح الباري (٣/ ٤٩٣) وقال: "غريب، تَفَرَّدَ به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) (٢/ ٢٦٨) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات … " إلى أن قال: "وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويدًا انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خُولف فيه". وقد جعله السخاوي شاهدا لحديث جابر المقاصد الحسنة (ح ٩٢٨). فقال: ولحديث جابر شاهد آخر عن معاوية ﵁ موقوف عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة) (ص ٥٦٨).=
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقال - بعد أن ساق حديث جابر وابن عباس الماضيين-: "وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت … " فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلو من زمزم، فشربه، ثم قال: "زمزم شفاء، وهي لما شرب له". قال السخاوي: بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفا. وأفرد فيه جزءا. قلت: ومما يشهد لمعناه: حديث أبي ذر ﵁ يرفعه: "إنها مباركة وهي طعام طعم، وشفاء سقم". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم، وهو في (مسند الطيالسي). (٤٥٩). وقال الحافظ ابن حجر: ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به وانظر المقاصد الحسنة (ص ٥٦٨). وقال مرة: غريب، حسن بشواهده. فيض القدير: (٥/ ٤٠٤). ذكر من صححه:
(٢) صححه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. انظر: التقييد والإيضاح (١/ ٢٤).
(٣) ابن الملقن في "الخلاصة" (٢/ ٢٦): حديث ماء زمزم لما شرب له ذكرته تبرعًا وقد رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي الزبير عن جابر قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل قلت لا بل توبع وعبد الله هذا سيء الحفظ ضعفوه قال العقيلي ولا يتابع عليه قلت بلى وقال أبو محمد المنذري هو حديث حسن وأعله ابن القطان بتدليس أبي الزبير عن جابر قلت قد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجه وذكره الحافظ شرف الدين الدمياطي من حديث جابر وليس فيه عبد الله هذا وقال إنه على رسم=
[ ١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصحيح ورواه الحاكم والدارقطني من رواية ابن عباس وقال صحيح الإسناد إن سلم من رواية الجارودي قلت سلم منه فإنه صدوق لكن الراوي عنه مجهول وروى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء أن سفيان بن عيينة سئل عن حديث ماء زمزم لما شرب له فقال حديث صحيح.
(٢) ابن عيينة: حكاه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٣٠٨) أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني عن أبي بكر الحداد أنا تمام بن محمد نا أبو الميمون بن راشد نا عمر بن علي الحلواني بدمشق قال سمعت ابن المقرئ يقول كنا عند ابن عيينة فجاءه رجل فقال يا أبا محمد ألستم تزعمون أن النبي ﷺ قال ماء زمزم لما شرب له قال نعم قال فإني قد شربته لتحدثني بمائتي حديث قال اقعد فحدثه بها قال وسمعت ابن عيينة يقول قال عمر بن الخطاب اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة. قلت: عمر بن علي الحلواني حدث بدمشق عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقرئ روى عنه أبو الميمون البجلي. كذا ترجمه ابن عساكر فهو مجهول.
(٣) وابن خزيمة: ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٢٥٦) قال الحاكم أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر سمعت ابن خزيمة وسئل من أين أوتيت العلم فقال قال رسول الله ﷺ: "ماء زمزم لما شرب له" وإني لما شربت سألت الله علمًا نافعًا.
(٤) والعراقي في ذيل ميزان الاعتدال (١/ ١٨٨) في ترجمة محمد بن هشام بن علي المروذي روى عن محمد بن حبيب الجارودي عن ابن عيينة حديث ماء زمزم لما شرب له. قال ابن القطان: "لا يعرف". قلت: كلام الحاكم يقتضي أنه عرفه بالثقة؛ فإنه قال عقب هذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد إن=
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سلم من الجارودي، فدل أن بقية رواته ثقات عنده.
(٢) والمنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٣٦) قال: "وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ماء رواه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد إن سلم من الجارود يعني محمد بن حبيب. قال الحافظ سلم منه فإنه صدوق قاله الخطيب البغدادي وغيره لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي لا أعرفه.
(٣) قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٩٣): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في "فوائد ابن المقرئ" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. وروي عن ابن عمر: ذكره الحافظ في "اللسان" (١/ ١٨٦) في ترجمة: أحمد بن صالح الشمومي عن أبي صالح كاتب الليث قال ابن حبان يأتي عن الأثبات بالمعضلات انتهى وقال أيضا ابن حبان يكنى أبا جعفر يجب مجانبة ما روى لتنكبه الطريق المستقيم في الرواية ولم يكن أصحاب الحديث يكتبون عنه وقال: ومن مناكير الشمومي ما روى الحاكم في تاريخه حدثنا محمد بن صالح ثنا محمد بن إبراهيم يعني ابن مقاتل ثنا أحمد بن صالح الشمومي بمكة =
[ ١ / ٣٢٠ ]
وسيجيء في هذا الكتاب في أذكار الحج، ذكره ميرك.
واعلم أن زمزم بئر مباركة معروفة بمكة، [وقصّتها] (^١) مشهورة، وفي كتب السير [مسطورة] (^٢)، سميت بها لِزَمِّ هاجر أم إسماعيل - أي: ضمها - لمائها حين انفجرت، وقيل: "لِزَمِّ جبريل وكلامه عند فجره إياها" (^٣)، فيكون من الزمزمة، وقيل: "لأنها مشتقة من [الهزمة] (^٤)، وهي: الغمز بالعقب في الأرض" (^٥)؛ لأن ماء زمزم خرج بغمز رِجْل إسماعيل ﵇، ونقل عن البلقيني (^٦) أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر؛ لأن به غسل صدر النبي ﷺ، ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.
_________________
(١) = ثنا عبد الله عن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ رفعه قال: "ماء زمزم لما شرب له".
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "وقضيتها".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "مبسوطة".
(٤) حكى القولين السابقين السيوطي في "شرح سنن ابن ماجه" (٢/ ١١٥٨ رقم: ٣٠٧٤).
(٥) كذا في "أخبار مكة" و"فتح الباري"، وهو الصواب، وفي جميع النسخ: "الزمة".
(٦) أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٢/ رقم: ١٠٥٦) عن مجاهد قوله. قال الحافظ في "فتح الباري" (٣/ ٤٩٣): "أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه". وقال ابن قتيبة في "غريب الحديث" (٢/ ٥٠٢): "وليست زمزم على طريق اللغة من الهزمة في شيء".
(٧) "مغني المحتاج" للشربيني (١/ ٤٨).
[ ١ / ٣٢١ ]
آقول: ويمكن أن يقال: يكفي في مزيته أنه أفضل مياه الأرض خصوصًا، وقد حصل على سبيل خرق العادة ببركة قدم جده ﷺ، ويدل على قولنا ما رواه ابن حبان بإسناد جيد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام طعم، وشفاء سقم" (^١)، وهو: بضم الطاء وسكون العين، أي: يشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
هذا، وأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: "إنها مباركة؛ إنها طعام طعم" (^٢)، زاد البزار، والطيالسي: "وشفاء سقم" (^٣)، وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُتْحِفَ الرجل بتحفة، سقاه من ماء زمزم" (^٤)، أخرجه الدمياطي، وقال: "إسناده صحيح"، ذكره ميرك.
_________________
(١) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٨٣٨): "رواه الطبراني في "الكبير" ورواته ثقات، وابن حبان في "صحيحه""، وتبعه المصنف في عزو الحديث لابن حبان، ولم أقف عليه فيه، إنما رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ رقم: ١١١٦٧) من حديث ابن عباس به. قال الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٣٢٢): "صحيح".
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر به مرفوعًا.
(٣) أخرجه البزار (٣٩٢٩، ٣٩٤٦)، وأبو داود الطيالسي (٤٥٩) من حديث أبي ذر به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١١٦٢): "صحيح".
(٤) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٨١)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين" (٢/ ٤٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٠٤)؛ كلهم من حديث ابن عباس به.=
[ ١ / ٣٢٢ ]
هذا، والماء الذي نبع من بين أصابعه ﵇ كان أفضل المياه بلا شبهة.
(والحضور) بالرفع، أي: من جملة أحوال الإجابة حالة الحضور، وفي نسخة بالجر، أي: عند حضور الداعي وحال وصوله (عند الميت) بالتشديد ويخفف، والمراد به: المحتضر، ويحتمل: الميت الحقيقي، والحديث الآتي في تغميض الميت يدل على أنه أظهر.
(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون" (^١)، قال ميرك: "رواه الجماعة إلا البخاري".
(وصياح الديكة) بكسر الدال وفتح التحتية، جمع الديك كالفِيَلَةِ والفيل، والقِرَدة والقرد، والصياح مرفوع، وفي نسخة مجرور، أي: وعند صيحة الديك وصوته، فإن المراد بها جنس الديك كما يفهم من التعليل في الدليل، ولعل إتيانه بصيغة الجمع ليفيد الأنواع.
(خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا
_________________
(١) = قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث ليث عن مجاهد"، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤١٦٥): "ضعيف".
(٢) أخرجه مسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي في "الصغرى" (١٨٢٥) وفي "الكبرى" (١٩٦٤)، وابن ماجه (١٤٤٧)؛ كلهم من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم والترمذي وابن ماجه.
[ ١ / ٣٢٣ ]
الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكًا" (^١)، رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ذكره ميرك.
وفي "الجامع": "إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا"، رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي (^٢) " (^٣)، فاتفق الجماعة على تخريج الحديث، مع زيادة الإمام أحمد، فرموز المصنف لا تخلو عن قصور (^٤)، وفي نسخة بالدال بدل التاء، لكنها ضعيفة.
قال القاضي عياض: "في صياح الديكة رجاء تأمين الملائكة" (^٥).
قلت: الأظهر أن يقال: لأن عند ذكر الصالحين وحضورهم ونزولهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٧١٤)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٧) و(٢/ ٣٢١)، وأبو داود (٥٠٦١)، والترمذي (٣٤٥٩)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٣) "صحيح الجامع" (٦١١)، وقال الألباني: "صحيح".
(٤) قلت: رموز المصنف فيها قصور من ناحية تركه رمز أبي داود، فالحديث عنده من حديث أبي هريرة، ولكن قول الشارح: "فاتفق الجماعة على تخريجه" - متابعًا فيه الإمام السيوطي في عزوه الحديث لابن ماجه - هو خطأ، لأن ابن ماجه لم يخرج الحديث؛ ولهذا لم يرمز له الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" (١٠/ رقم: ١٣٦٢٩)، والله أعلم.
(٥) "إكمال المعلم" للقاضي عياض (٨/ ٢٢٤ رقم: ٢٧٢٩).
[ ١ / ٣٢٤ ]
تنزل الرحمة، بخلاف الظالمين والفَسَقة والفَجَرة، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور من مقابلته بقوله: "وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا".
(واجتماع المسلمين) بالوجهين، ثم كل ما يكون الاجتماع فيه أكثر، كالجمعة، والعيدين، وعرفة يتوقع فيه رجاء الإجابة أظهر. (ع) أي: رواه الجماعة عن أم عطية الأنصارية (^١).
(وفي مجالس الذكر) وفي معناها مجالس العلم والتلاوة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث أبي هريرة المتقدم في فضل الذكر (^٢).
(وعند قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٤) و(٩٧٢، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢)، ومسلم (٨٩٠)، وأبو داود (١١٢٩)، والترمذي (٥٣٩، ٥٤٠)، والنسائي في "الصغرى" (٣٩٠) و(١٥٥٨، ١٥٥٩) وفي "الكبرى" (١٧٦٩، ١٧٧٠، ١٧٧١)، وابن ماجه (١٣٠٨)؛ كلهم من حديث أم عطية الأنصارية، وفيه: "ولتشهد الخير ودعوة المسلمين".
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٣٢٥ ]
آمين؛ يجبكم الله" (^١).
(وعند تغميض الميت) أي: إغماض عينيه بعد خروج رُوحه. (م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة، قالت: "دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة بعدما مات وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا خرج تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في العليين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه" (^٢).
(وعند إقامة الصلاة. ط، مر) أي رواه: الطبراني، وابن مردويه، ولم يعرف صحابيّهما، وفي نسخة صحيحة: "عن سهل بن سعد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٤١٥)، وأبو داود (٩٣٥)، والنسائي في "الصغرى" (٩٢٩)، وفي "الكبرى" (١٠٠٣)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولفظه: "فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح ﵀ فهو من حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٦٤)، وغيرهما.
(٢) أخرجه مسلم (٩٢٠)، وأبو داود (٣١٠٩)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي في "الصغرى" (١٨٢٥) وفي "الكبرى" (١٩٦٤)، وابن ماجه (١٤٤٧)؛ كلهم من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم وأبي داود.
[ ١ / ٣٢٦ ]
[الساعدي] (^١) "، وهو الظاهر مما سيأتي (^٢).
(وعند نزول الغيث) أي: المطر. (د، ط، مر) أي رواه: أبو داود، والطبراني، وابن مردويه، من حديث سهل بن سعد الساعدي (^٣).
(رواه) أي: روى قبول الدعاء عند نزول الغيث، والظاهر أن يقال: ورواه (الشافعي في "الأم") وهو اسم كتاب له، كأنه أصل مذهبه (مرسلًا)، وهو يحتمل أن يكون مطلقًا غير منسوب إلى أحد، أو مقيدًا عن سهل بن سعد السابق رمزه، أو أرسله الشافعي بنفسه إلى النبي ﷺ، فإنه نوع من الإرسال أيضًا (^٤).
_________________
(١) من (ج) فقط.
(٢) قلت: حديث سعد الآتي لفظه: "عند النداء"، قال ابن الأثير في "النهاية" (٥/ ٣٧) مادة (ن د ي): "أي: عند الأذان بالصلاة"، وقد استدل به المصنف من ذي قبل على هذا، وليست فيه دلالة على استجابة الدعاء عند الإقامة؛ إنما أراد المصنف برمز الطبراني الحديث الذي رواه في "الكبير" (٨/ ٧٧١٣، ٧٧١٩)، والبيهقي أيضًا في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٦٠) عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة". قال الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٤٦٥): "ضعيف جدًّا".
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، والطبراني في "الدعاء" (٤٨٩)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي به مرفوعًا. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٣٠٧٩): "صحيح".
(٤) أخرجه الشافعي "الأم" (٥٩١) قال: أخبرني من لا أتهم، قال: حدثني=
[ ١ / ٣٢٧ ]
(وقال) أي: الشافعي (^١) زيادة على الإرسال، (قد) وفي نسخة: "وقد" (حفظت من) وفي نسخة صحيحة: "عن" (غير واحد) أي: عن كثير من السلف (طلب الإجابة عنده) أي: عند نزول الغيث.
(قلت: وعند رؤية الكعبة. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي هريرة، بلفظ: "يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة" (^٢). قال ميرك: "وإسناده ضعيف".
قلت: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال اتفاقًا، ويؤيده أنه ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا ومهابة"، رواه الطبراني عن حذيفة بن أسيد (^٣).
هذا، وفي قوله: "قلت" إشعار بأن أحدًا من العلماء قبله لم يعدها من أحوال الإجابة، وإن كان مأخذها موجودًا في السنة.
_________________
(١) = عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبي ﷺ، قال: "اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث". وقد حسنه الألباني بشواهده كما في "السلسلة الصحيحة" (١٤٦٩).
(٢) "الأم" للشافعي (٢/ رقم: ٥٩٢).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨/) رقم (٧٧١٣، ٧٧١٩) من حديث أبي أمامة مرفوعًا، ولفظه: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن … " وذكر الحديث. قال الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٤٦٥): "ضعيف جدًّا".
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣) رقم (٧٧١٣، ٧٧١٩) من حديث حذيفة بن أسيد به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤٢١٥): "موضوع".
[ ١ / ٣٢٨ ]
(وبين الجلالتين) أي: في قوله تعالى: ﴿رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (في الأنعام) أي: في سورته.
(حفظنا ذلك مجربًا) حال من المفعول، (عن) وفي نسخة: "من" (غير واحد من أهل العلم).
(ونص عليه الحافظ عبد الرزاق) أي: ابن رزق الله، محدث الجزيرة، توفي سنة إحدى وستين وست مئة (^١)، كذا في "التصحيح"، (الرَّسْعَنِيّ) بفتح الراء وسكون السين وفتح العين ونون مكسورة وياء مشددة، نسبة إلى بلدة من بلاد ديار بكر، يقال لها: رأس العين، وماء دجلة يخرج منها، كذا في "الأنساب" (^٢).
(في "تفسيره" (^٣) عن الشيخ العماد) بكسر العين (المقدسي) بفتح
_________________
(١) هو: عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف، أبو محمد، الجزري الرَّسْعَني الحنبلي، عز الدين، الإمام المحدث الرحال الحافظ المفسر عالم الجزيرة، كان إمامًا متقنًا ذا فنون وأدب، وعُنِيَ بعلم التفسير، وجمع وصنف تفسيرًا حسنًا سماه "رموز الكنوز"، وكتاب "فضل الحسين"، ولد سنة: ٥٨٩، وتُوُفِّيَ سنة: ٦٦١، راجع ترجمته في: "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (٤/ رقم: ٤١٩) "تاريخ الإسلام" للذهبي (٤٩/ ٧٢)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (٥٦).
(٢) "الأنساب" للسمعاني (٦/ ١١٩).
(٣) طُبع هذا التفسير، ولكن أشار محققه أنه ناقص من أواخر سورة النساء وحتى الآية ١٢٧ من سورة الأنعام؛ ولذا لم أقف على قوله هذا في المطبوع منه.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الميم وكسر الدال (^١)، قال ميرك: "وكذا نص عليه الشيخ الخطيب شرف الدين التبريزي (^٢) في "تفسيره"".
_________________
(١) هو: إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور، أبو إسحاق، العماد المقدسي الحنبلي، الزاهد القدوة، أخو الحافظ عبد الغني، رحل في طلب العلم، وكان عالمًا بالقراءات والنحو والفرائض، وكان من كثرة اشتغاله بالتعليم لا يتفرغ للتصنيف، ولد سنة: ٥٤٣، وتُوُفِّيَ سنة: ٦١٤، راجع ترجمته في: "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (٣/ رقم: ٢٨٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٤٧) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٤٤/ ١٨٢).
(٢) هو: يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام، أبو زكريا، الشيباني التبريزي الخطيب اللغوي، أحد الأعلام في اللسان، قرأ اللغة والأدب على أبي العلاء بن سليمان بالمعرة، تخرج عليه خلق، وله مصنفات كثيرة، منها: "شرح الحماسة"، و"شرح ديوان المتنبي"، و"شرح سقط الزند"، ولد سنة: ٤٢١، وتوفي سنة: ٥٠٢، راجع ترجمته في: "معجم الأدباء" لياقوت الحموي (٦/ رقم: ١٢٣٣)، و"سير أعلام النبلاء" (١٩/ ٢٦٩) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٣٥/ ٧٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]