(وإن كان) أي: سفره (في حج) أي: وإن كان السالك في سفر حج. (فإذا استوت به راحلته) أي: رفعته مستويًا على ظهرها، والباء للتعدية". قاله التوربشتي.
واعترض عليه الطيبي بأنَّ "استوى" إنما يتعدي بـ "على" لا بالباء، فقوله: "به" حال، وكذا قوله: (على البيداء) نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]. قال في "الكشاف": ﴿بِكُم﴾ في موضع الحال، بمعنى: فرقنا مُلْتَبِسًا بكم".
أقول: الظاهر أن الباء في الآية للسببية، وفي الحديث للمصاحبة، وقوله: "على البيداء" متعلق بـ "استوت"، وأغرب ميرك حيث قال: "الظاهر أن مراد التوربشتي التعديةَ المقابِلَةَ للُّزوم، فلا مجال لاعتراض الطيبي عليه بأن "استوى" إنما يتعدى بـ "على" لا بالباء، فتأمل فيه" انتهى. وغرابته ظاهرة، لا تخفى على المتأمل.
ثم المراد بالبيداء: هو الشَّرَفُ الذي أمام ذي الحليفة، وقال الطيبي: "البيداء: هي المفازة التي لا شيء بها، وهي ها هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما يراد بها هذا". وقال المؤلف: "بالمد، وهي: المفازة التي لا شيء بها" (^١).
(حمد الله، وسبح، وكبر) وهذه الثلاثة من دعوات الركوب. (خ) أي:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٤٨ ]
رواه البخاري عن أنس، (فإذا أحرم) أي: بالنية (لَبَّى) أي: إذا أراد الإحرام لبى ناويًا.
والحاصل: أن الإحرام عند علمائنا الحنفية ما يتم إلا بالنية والتلبية، وهما فرضان فيه، وهو شرط في كل من النسكين، وعند علماء الشافعية التلبية سنة، وهو من الأركان.
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) اعلم أن التلبية مصدر لبى، أي قال: لبيك، ومعنى لبيك: "سرعة الإجابة وإظهار الطاعة"، قال الخطابي وقال النحويون: "مأخوذ من ألبَّ الرجلُ المكانَ، وألب به: إذا لزمه"، قالوا: "ومعنى التلبية فيه للتوكيد والتكثير والمبالغة، كأنه قال: إلبابًا بإجابتك بعد إلباب، ولزومًا بطاعتك بعد لزوم، وإجابتك بعد إجابة".
وقال الأزهري: "أي: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، وأصلها إلبابين فحذفت النون للإضافة، وهذا أظهر الأقوال في معناها، لكن تمام مبناها أنه حذف الزوائد وأدغم الباء في الباء، وحركت الأولى بالفتح؛ لتعذر الابتداء بالساكن" (^١).
وقال بعض المحققين: "أصله إلبابين، نقلت حركة الباء إلى اللام، وحذفت الهمزة ثم حذفت الألف؛ لسكونها وسكون الباء الأولى وأدغمت في الثانية، ثم أضيفت إلى كاف الخطاب فحذفت النون للإضافة فصار لبيك، وتقديره: ألبيت يا رب بخدمتك إلبابًا بعد إلباب، أي: قمت بخدمتك قيامًا بعد قيام" انتهى، وتكلفه لا يخفى.
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٥/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٩٤٩ ]
ثم الظاهر المتبادر: أنه جواب إجابة للمنادي الإلهي من الجذبة أو الإلهام، أو إبراهيم الخليل ﵇ حيث بنى الكعبة، وقيل له: ادع عبادي إلى بيتي. فقال: أين عبادك، وأين صوتي منهم؟! فقيل له: عليك النداء، وعلينا التبليغ.
فقام على المقام، وقال: أيها الناس حجوا بيت ربكم. فقال الموفقون، الذين كتب الله لهم الحج وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، باللسان الروحي والبيان الروحي: لبيك اللهم لبيك. فقيل: كل من كرر التلبية في ذلك العالم، تكرر له الحج أو العمرة، والله أعلم.
(إنّ الحمد) بكسر الهمزة، وفي نسخة بفتحها، قال غير واحد من علمائنا: "يجوز الكسر والفتح، والمختار الكسر".
وفي قاضي خان: "إن شاء بالنَصْب، وإن شاء بالكسر"، وعن محمد: "الكسر أفضل" وهو اختيار الكسائي، وفي " المشكاة": "الكسر أصح".
قال الخطابي: "لهج العامة بالفتح"، وحكاه الزمخشري عن الشافعي، وقال: "إن الشافعي اختار الفتح، وإن أبا حنيفة اختار الكسر"، وقال النووي: "الكسر على الاستئناف، والفتح للتعليل، والكسر أجود عند الجمهور".
وقال المصنّف: "يُروى بفتح الهمزة وكسرها، وجهان مشهوران عند أهل الحديث والعربية، فإن الفتح رواية العامة، وقال ثعلب: "الاختيار بالكسر"، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، وَمَنْ فتح قال معناه: لبيك لهذا
[ ٢ / ٩٥٠ ]
السبب" (^١).
(والنعمة) بكسر النون، أي: الإنعام والإحسان (لك)، وهي بالنصب على الأصح، وفي نسخة بالرفع.
قال المصنّف: "المحفوظ نصبها عطفا عك الحمد، قال القاضي عياض: "ويجوز رفعها على الابتداء، أو يكون الخبر محذوفًا"، وقال ابن الأنباري: "وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا، تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك" (^٢)، انتهى.
ولعل القاضي أراد أن خبر النعمة محذوف يدل عليه خبر "إن الحمد"، وهو "لك" المذكور بعدها؛ فالجملة حالية معترضة، وأراد ابن الأنباري أن خبر "إن الحمد" محذوف وهو "لك"؛ بقرينة خبر الموجود للنعمة، وهو "لك" بعدها. والحاصل: أنه يجوز فيها الرفع، والنصب أحسن.
وأما قوله: (والملك) فالأصح أنه منصوب، ويستحب أن يقف عنده ثم يبتدئ: (لا شريك لك) وجُوِّز فيه الرفع، فيناسب الوقف على ما قبله أو وصل الكل، والأحسن أن يكون خبره محذوفًا، كما قال العسقلاني من أن: "الملك بالنصب في المشهور، ويجوز الرفع، أي: الملك كذلك"، انتهى.
وقوله: "لا شريك لك" يكون راجعًا إلى كل من: "الحمد"،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٥١ ]
و"النعمة"، و"الملك". (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عمر (^١).
(لبيك، لبيك) كذا في "أصل الجلال" مكررًا، وليس الثاني في "أصل الأصيل" (وسعديك) معناه: إسعادًا بعد إسعاد، والمراد: ساعدت على طاعتك مساعدةً بعد مساعدة، فهما منصوبان على المصدر.
(والخير بيديك) سبق تحقيقه، وفي رواية: "والخير في يديك"، وزيد في بعض النسخ: "لبيك".
(والرغباء إليك) "بالفتح والمد، وبالضم والقصر: الرّغبة"، كذا في "المغرب" وقيل: "هي على وزن النعماء، أو النعمى، أو الشكوى".
قال النووي: "معناه ها هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير، وهو المقصودُ بالعملِ المُسْتَحِقُّ للعبادة".
قال ميرك: "يريد أن قوله: (والعمل) عطف على الرغباء، وخبره محذوف يدل عليه المذكور، ومعناه: العمل منتهٍ إليك، وأنت المقصود في العمل، وفيه معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، كما أن في "الرغباء إليك" معنى ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ".
قلت: فالأَوْلَى أنْ يُقَدَّر: ولك العمل كما لا يخفى بحسب المبنى والمعنى. هذا، وفي "النهاية": جاء في الحديث أن ابن عمر كان يزيد في تلبيته: "والرغبى إليك والعمل" وفي رواية: "الرغباء" بالمد، وهما من الرغبة كالنعمى النعماء من النعمة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤) وأبو داو (١٨١٢) وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨ و٤١ و٤٨ و٧٧) والترمذي (٨٢٥) والنسائي ٥/ ١٦٠) وابن ماجة ٢٩١٨).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
(لبيك) قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا والنسخ الحاضرة، وليس في نسخ مسلم ولا في الترمذي ولا في ابن ماجه، ولم ينقله صاحب "المشكاة"، ولا صاحب "السلاح"، مع أنه نقل الحديث عن مسلم والأربعة؛ فأظنه وقع سهوًا من قلم نساخ "الحصن"، والله أعلم.
(موم عه) أي: رواه مسلم، والأربعة، موقوفًا من قول ابن عمر (^١).
(لبيك إله الحق) بالنصب على النداء، والإضافة بيانية (لبيك. س، ق، حب، مس) أي رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٨٤) (٢٠)، وأبو داود (١٨١٢) والترمذي (٨٢٦)، وابن ماجة (٢٩١٨) و(النسائي) (٥/ ١٦٠) والطبراني في "الصغير" (٢٣٧)، والدارقطني في "السنن" (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦) قال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق.
(٢) النسائي ٥/ ١٦١، وابن ماجه (٢٩٢٠)، و"ابن حبان" (٣٨٠٠) والحاكم (١/ ٤٤٩). والحديث ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٦٣) سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان من تلبية النبي لبيك اله الحق. قال أبي كذا حدثنا محمد بن إسماعيل بن البحتري عن يزيد وحدثنا أبو سلمة وغيره عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة لا يذكرون أبا سلمة قلت أيهما أصح قال لا أدري غير أن الناس على حديث الأعرج أكثر ويزيد بن هرون ثقة قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث عن عبد الله بن=
[ ٢ / ٩٥٣ ]
(وإذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعتقه من النار) أي: بأن يقول: اللهم إني أسألك مغفرتك ورضاك عني في دار القرار، وأن تعتقني من النار. وقال بعضهم: "يقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار". (ط) أي رواه: الطبراني عن خزيمة بن ثابت الأنصاري (^١).
(فإذا طاف) أي: شرع في الطواف مُبْتَدِئًا بالحجر الأسود، مُستلمًا مُقَبِّلًا، واضعًا وجهه عليه، مبسملًا مكبرًا مهللًا داعيًا: اللهم إيمانًا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاءا بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ.
(كلما أتى الركن) أي: الذي فيه الحجر الأسود (كبر) أي: قال: الله أكبر، مستلمًا مقبلًا أو مشيرًا إليه إذا كان ازدحامًا، وهل يرفع يديه كل مرة أو يكتفي بالمرة الأولى؟ احتمالان. (خ) أي: رواه البخاري عن ابن عباس (^٢).
وعن ابن عمر قال: "قبل عمر الحجر، ثم قال: أما والله قد علمتُ أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك، ما قبلتك "أخرجه
_________________
(١) = الفضل إلا عبد العزيز، رواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلًا اهـ. هكذا عبارة النسائي في المجتبى، وهكذا نقلها المزي في تحفة الأشراف ١٠/ ٢١١، وابن حجر في إتحاف المهرة ١٢/ ٢٢٠، وعقبها بقوله: قلت: فهذه علته.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٨٥) رقم (٣٧٢١)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٤): وفيه صالح بن محمد بن زائدة، وثقه أحمد، وضعفه خلق.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٣٢)، والترمذي (٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٢٣٣).
[ ٢ / ٩٥٤ ]
البخاري ومسلم. وقال النسائي: "قبَّله ثلاثًا" (^١).
وفي رواية البخاري: "حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول ﷺ استلمك، ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: ما لنا وللرَّمَل، [إنما] (^٢) كنا رَاءَيْنَا به المشركين، وقد أهلكهم اللَّه تعالى، ثم قال: شيء صنعه رسول الله فلا نحب أن نتركه".
وعن يعلى بن أمية: "أنه طاف مع عمر فاستلم الأركان كلها، فقال عمر: أما رأيت رسول الله ﷺ قد طاف بالبيت؟ قال: بك. قال: ما رأيته يستلم إلا الحجر الأسود؟ قال: لا. قال: فما لك به أسوة؟ قال: بك. أخرجه الحسين بن قطان (^٣).
ولعله أراد الحجر الأسود وما يليه من الركن اليماني، فإنهما يُستلمان اتفاقًا، أو أراد بالاستلام التقبيل؛ فإنه مخصوص بالحجر على المعتمد [في] (^٤) مذهبنا، والله أعلم.
(ويقول بين الركنين) أي: الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦١٠) ومسلم (١٢٧٠)، والنسائي في "الكبرى (٣٩١٩).
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "إنا".
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط" (٥٠٥٣). وفي الإسناد المفضل بن صدقة وفيه ضعف، قال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. (الجرح ٤/ ١/ ٣١٥). وفيه ابن أبي ليلى: قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق سيء الحفظ جدًّا. (التقريب ٦٠٨١).
(٤) كذا في (أ) و(د) و(د)، وفي (ب): "من".
[ ٢ / ٩٥٥ ]
ويقال لهما: اليمانيان للتغليب، والركنان الآخران يقال لهما: الشاميان تغليبًا أيضًا؛ فإن أحدهما هو الركن العراقي والآخر الشامي، وإنما خص الركنان اليمانيان بالاستلام وزيادة الإكرام؛ لزيادة فضيلتين فيهما:
إحداهما: كونهما على بناء إبراهيم ﵇.
والثانية: كون الحجر الأسود في أحدهما.
هذا، وقال النووي: "اللغة الفصيحة المشهورة في اليماني التخفيف في الياء، وفيه لغة أخرى بتشديد الياء، فمن خففها قال: هذه نسبة إلى اليمن، والألف عوض من إحدى يائي النسبة، فبقي الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجُمِع بين العوض والمعوض. ومن شدَّدها قال: الألف زائدة" (^١).
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) مر معناه. (د، س، حب، مس) وفي "نسخة الجلال": "مص"، والظاهر أنه زيادة على "مس" لا أنه بدل منه، [كما] (^٢) سيأتي رمزهما منفردًا، أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن السائب (^٣).
_________________
(١) شرح مسلم (٩/ ١٤).
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "ما".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٠٦٣) وأبو داود (١٨٩٢)، والنسائي في الكبرى (٣٩٣٤). والحاكم (١/ ٤٥٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: فيه نظر، فقد قال الذهبي في عبيد مولى السائب: ما روى عنه سوى ابنه يحيى. يشير بذلك إلى جهالته. وقال ابن حجر في التقريب: مقبول. قلت: وروى له هذا الحديث ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان فيَ صحيحه.=
[ ٢ / ٩٥٦ ]
(وكذلك) أي: يقول ذلك بين الركن والحِجْر، بكسر فسكون، وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي من جملة البيت الشريف، أُخْرِجَ لقضية مشهورة، وقضيته في الكتب المبسوطة مسطورة. قال المصنّف: "يعني الركن الذي فيه الحجر الأسود، والحِجْر: بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو: المحوطة التي هي شمال البيت" (^١). (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا.
(وفي الطواف) أي: وكذلك يقول في سائر أحوال الطواف، أو في بقية أماكن المطاف. (مس) أي رواه: الحاكم عنه أيضًا.
(أو بين الركن والمقام) بفتح الميم، قال المصنّف: "يعني: مقام إبراهيم ﵇، وهو الذي تجاه الكعبة من الشرق" (^٢)، انتهى. والتُّجَاه من المواجهة، وأصله "وُجَاه" قلبت الواو تاءً كما في "تُقَاة". (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر (^٣).
(اللهم) وفي رواية ابن أبي شيبة: "رب" (قَنِّعْني) بتشديد النون
_________________
(١) = ثم مسلم لم يرو له أصلا. إنما روى له أبو داود والنسائي هذا الحديث الواحد وقال ابن القيم: حفظ عنه بين الركنين فذكره (الزاد ٢: ٢٠٨) وللحديث شواهد منها ما هو في الصحيح فلعله يحسن لغيره. قال الشافعي في "الأم" (٢/ ١٧٢ - ١٧٣) بعد أن أخرج حديث السائب: وهذا من أحب ما يقال في الطواف إلي، وأحب أن يقال في كله.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٤) انظر المصنف (٢٩٦٣٣) ط. الرشد.
[ ٢ / ٩٥٧ ]
المكسورة، قال المصنّف: "من القناعة، وهو: الرضا باليسير من العطاء" (^١)، انتهى، والمعنى: اللهم أعطني القناعة. (بما رزقتني) أي: من الكفاية. (وبارك لي فيه) أي: بعين العناية.
(واخلف) بهمز وصل وضم لام، أي: كن خلفا (على كل غائبة) أي: نفس غائبة، (لي بخير) أي: ملابسًا به، أو اجعل خلفًا على كل غائبة لي خيرًا، فالباء للتعدية، ففي "القاموس" (^٢): "خلفه خلافة: كان خليفته وبقي بعده، وخلف الله عليك، أي: كان خليفة من فقدته عليك"، وأما ما لهج بعض العامة من قوله: "عليَّ" بتشديد الياء؛ فهو تصحيف من المبنى، وتحريف في المعنى كما لا يخفى.
(مس، مو مص) أي رواه: الحاكم مرفوعًا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة موقوفًا من قوله (^٣).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٢) القاموس (ص ٨٠٨).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٥) وأخرجه موقوفا ابن أبي شيبة (١٦٠٦٤). وقال الحاكم: وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد اختلف في رفعه كما أشار إلى ذلك ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٥٢): سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن أبي قيس والحارث بن نبهان الجرمي عن عطاء بن السائب عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ: أنه كان يدعو اللهم قنعني بما رزقتني، ورواه وهيب بن خالد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال: ما يدرينا مرة، قال كذا، ومرة قال كذا. =
[ ٢ / ٩٥٨ ]
(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
(فإذا فرغ من الطواف تقدم) أي: ذهب (إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾) وقرئ بالكسر على الأمر، وبالفتح على الخبر، لكن قال المصنّف: "الرواية: بكسر الخاء المعجمة على الأمر" انتهى.
والمعنى: خذوا استحبابًا (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾) أي: بعض حواليه العرفية (﴿مُصَلًّى﴾) أي: موضع صلاة لركعتي الطواف " فإنه أفضل من سائر أمكنة المسجد وسائر الحرم، مع الجواز في خارجه أيضًا.
ثم عندنا معشر الحنفية: ركعتا الطواف واجبة عقيب كل طواف فرضًا كان أو نفلا، لكن يكره أداؤها في الأوقات المكروهة، وعند الشافعي سنة ولا وقت كراهة لها عنده.
(وجعل) أي: النبي ﷺ (المقام بينه وبين البيت) أي: لأنه أفضل مَحَالِّه، (وصلى ركعتين في الأولى) أي: بعد الأولى (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾)، وفي الثانية: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) أي: لدلالة كل واحدة منهما على التوحيد، ونفي الشرك على وجه التأكيد.
(ثم يرجع إلى الركن) أي: الركن الأعظم، (فيستلمه) أي: ثانيًا بمنزلة سلام التوديع بالانتقال إلى السعي، قال المصنّف: "قيل: هو يفتعل من
_________________
(١) = وانظر كلام ابن علان وقول الحافظ ابن حجر في "الفتوحات الربانية" (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
[ ٢ / ٩٥٩ ]
السلام بفتح السين، وهو التحية، وقيل: من السِّلام بالكسر، وهو الحجارة، أي: يلمسه بيده ويتناوله" (^١) انتهى كلامه.
والمعنى الثاني هو المشهور في هذا المقام، والمعنى: أنه يضع يديه عليه ويقبله، وقيل أيضًا: "يضع جبهته عليه".
(ثم يخرج من الباب) أي: من باب الصفا؛ فإنه أفضل، (إلى الصفا) أي: متوجها إليه، (فإذا دنا) أي: قرب (منه قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: شعائر الحج؛ آثاره وعلاماته، جمع شعيرة وهي العلامة، وقيل: "هو كل ما كان من أعماله كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك" كذا نقله الحنفي عن "النهاية" (^٢).
ولا يظهر فرق بين القولين، والأظهر أن يقال: المعنى من شعائر دينه مطلقًا أو من أعمال حجّ بيته. وقال المصنّف: "أي: من أعلام متعبداته" (^٣).
(أبدأ بما بدأ الله ﷿ به) قال المصنّف: "بفتح الهمزة الأولى، وضم الأخيرة على [الإخبار] (^٤)، وروي بهمزة الوصل مبدوءة بالكسر وواو بعد الهمزة المضمومة؛ على الأمر للجماعة المخاطَبين، وقيل: هذه الرواية دليل على الوجوب بابتداء ما بدئ به كترتيب الوضوء وغيره") (^٥)،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٢) النهاية (٢/ ٤٧٩).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٤) كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ج) و(د): "الاختيار".
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٦٠ ]
انتهى. وهو لما كان دليلًا ظنيًّا قلنا بوجوبه دون فرضيته.
(فيرقى) بفتح القاف أي: فيصعد (الصفا حتى يرى البيتَ، فيستقبل القبلة، فيوحد الله ويكبره) بأن يرفع يديه كما يرفعهما للدعاء، لا كما يفعله العامة من المعلمين وغيرهم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، (ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) زاد أبو عوانة: "يحيي ويميت" (وهو على كل شيء قدير).
قال ميرك: "قوله: "ويقول" يحتمل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا".
قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول؛ لما سيجيء في الحديث الثاني من أنه يكبر ثلاثا ويقول: "لا إله إلا الله … " إلى آخره.
(لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده) أي: صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
(ونصر عبده) أي: الفرد الأكمل، وهو الرسول الأفضل، (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم (وحده) إيماءً إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
ثم الأحزاب: جمع حزب، والمراد بهم القبائل الذين اجتمعوا على محاربة النبي ﷺ، وتوجهوا إلى المدينة واجتمعوا حولها، وتحزبوا يوم
[ ٢ / ٩٦١ ]
الخندق نحوًا من اثني عشر ألفًا سوى ما انضم إليهم من يهود قريظة والنضير، فأرسل الله [عليهم] (^١) كما قال: ﴿رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وبهذا يرتبط قوله ﷺ تكذيبًا لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وهذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق. قال بعضهم: "ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأزمنة والأمكنة"، والله أعلم.
(ثم يدعو بين ذلك، ويقول مثل هذا ثلاث مرات) قال ميرك: ""ثم": تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و"بين": تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر، بأنْ يدعو بعد قوله: "والله على كل شيء قدير"، فحمل المظهر بأن قال لما فرغ من قوله "وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ثلاث مرات".
أقول: وهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير، بأن يذكر ثم يدعو بين ذلك بعد قوله: "ويقول مثل هذا ثلاث مرات"، و"ثم" تكون للتراخي في الإخبار، لا لتأخر زمان الدعاء، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين.
قال النووي: "ويستحب أن يذكر الله بهذا الذكر ويدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور" انتهى.
ولا يخفى أن كلام النووي قابل للتأويل؛ بأن يقال: "ثلاث مرات" قيد للذكر، فالتقدير: ويدعو بهذا الدعاء فيما بين ذلك، ليوافق صريح
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "إليهم".
[ ٢ / ٩٦٢ ]
الحديث الصحيح، بل وفيه إيماءٌ إلى أن "ثُمَّ" في الحديث ليس للتراخي كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤] على ما ذهب إليه ابن مالك، ولا للترتيب كما ذهب إليه قوم في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (^١). ويؤيده أنه في آية أخرى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
وحاصله: أن "ثُمَّ" بمعنى الواو لمطلق الجمع كما سيأتي في رواية أخرى بلفظ: "ويدعو"، ولا يبعد أن يجعل "بين" بمعنى الوصل على ما "القاموس"، فيفيد أنه يدعو متصلًا بما ذكر، فيؤخذ منه تثليث الدعاء أيضًا.
(ثم ينزل المروة) بالنصب على نزع الخافض، أي: "إلى المروة" كما في نسخة، والمعنى: ينزل عن الصفا متوجها إلى المروة ويمشي أو يسير.
(حتى إذا انصبت) أي: انحدرت في المشي، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب. قال المصنّف: "بتشديد الباء، أي: انحدرت" (^٢) (قدماه في بطن الوادي) وهذا باعتبار ما كان في الزمن الأول من انخفاض الوادي، وارتفاع طرفيه من جانب الصفا والمروة، والمعنى: حتى يصل إليه وينزل فيه.
_________________
(١) تصحفت الآية في (أ) و(ج) و(د)، فجاءت هكذا: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها"، وتصحفت في (ب): "هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم خلق منها زوجها"، وما أثبتناه هو الموافق لسياق كلام المؤلف.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٦٣ ]
(سعى) أي: أسرع فيما بين الميلين، فإنه كان أولًا أيضًا مسطحًا قابلًا للسعي، ولعل هذا هو الوجه في العدول عن السعي من ابتداء الصفا إلى انتهاء المروة، كما يتوهمه بعض العوام؛ فإن فيه حرجًا عظيمًا، مع مخالفته لفعل هاجر أم إسماعيل ﵉، في القضية المشهورة عند العلماء الأعلام.
(حتى إذا صَعِدَ) بكسر العين، أي: طلع عن بطن الوادي، وهو كذا في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة "صعد" بصيغة المجرَّد، وفي نسخة: "أصعد".
قال ميرك: "الإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد، سواء في ذلك صعود وحدور، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] والمراد هنا: ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابله الانصباب، كذا في "الفائق".
قلت: ويؤيده ما في "القاموس" (^١): "صعد في السلم كسمع صعودًا، وصعد في الجبل وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسْمَعْ: صَعِدَ فيه. وأصْعَدَ: أتى مكَّةَ، وفي الأرضِ: مَضَى، وفي الوادِي: انْحَدَرَ".
والمعنى: إذا أتى آخر الوادي (مشى) أي: على هينته. (حتى إذا أتى المروة) أي: جاءها ووصلها، (فعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: من الصعود عليها بحيث يعاين الكعبة إن لم يكن مانعًا، ويستقبلها بأن يميل إلى جهة يساره ويرفع يديه، ويأتي بالأذكار المذكورة والدعوات المسطورة.
_________________
(١) القاموس (ص ٢٣٩).
[ ٢ / ٩٦٤ ]
(م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن جابر (^١).
(أو) وفي نسخة: "و" (إذا رَقِيَ) بكسر القاف، أي: طَلَعَ (الصفا كبر ثلاثًا، ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك سبع مرات، فيصير من التكبير إحدى وعشرون) أي: تكبيرة، (ومن التهليل سبع، ويدعو فيما بين ذلك) أي: ما ذكر من المرات السبع، أو فيما بين [صنعه] (^٢) ذلك، (ويسأل الله) عطف تفسير، أو الدعاء بالقلب والسؤال باللسان، أو على القلب، أو بالجمع بين لسان القال وبيان الحال.
(ثم يهبط) قال المصنف: "بكسر الباء، أي: ينزل" (^٣)، يعني: عن الصفا، ويمشي، ثم يسعى، ثم يمشي، (فإذا رقي على المروة صنع كما صنع على الصفا حتى يفرغ) أي: "من سعيه" كما في نسخة، والمراد به السعي سبعًا.
(مو طا مص) أي رواه: مالك في "الموطأ"، وابن أبي شيبة في "مُصَنَّفه"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥، ١٩٠٧، ١٩٠٩)، والنسائي (١/ ١٢٢) (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "صنيعه".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤٧١٧) ومالك في الموطأ (١٣١٥) رواية أبي مصعب الزهري.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
(ويدعو على الصفا) أي: أيضًا، أو: يخصه بهذا الدعاء (اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي﴾ أي: اسألوني (﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) أي: أجيب دعوتكم، (وإنك لا تخلف الميعاد) أي: مطلقًا.
(وإني أسألك كما هديتني للإسلام) أي: أولًا (أن لا تنزعه) أي: لا [تخلعه] (^١) آخرًا (مني) قال المصنّف: "بكسر الزاي، أي: تخرجه وتقلعه" (^٢)، انتهى. والمقصود منه الثبات والدوام.
(حتى تتوفاني) أي: تقبض روحي (وأنا مسلم) أي: والحال أني على دين الإسلام مستمر مستقر. (موطا) أي: رواه مالك أيضًا عنه موقوفًا (^٣).
(وبين الصفا والمروة) وهو بعمومه يشمل ما بين الميلين (رب اغفر وارحم؛ أنت الأعز الأكرم. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا (^٤).
(وإذا سار إلى عرفات) هي علم للموقف، وهي منونة لا غير، كذا في "المغرب". وقال القاضي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]: "هي جمع، سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر، وفيها العَلَمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة" يعني لنون جمع المذكر لا تنوين التمكن.
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "يخلفه".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٨٣١).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٨٠٧).
[ ٢ / ٩٦٦ ]
وإنما سمي الموقف عرفة؛ لأنه نُعِتَ لإبراهيم ﵇، فلما أبصره عَرَفَهُ. وقيل غير ذلك.
و"عرفات": للمبالغة في ذلك، وعندي أنه إنما جمع لأن كل جزء من أجزائها موقف إلا بطن عُرَنَةٍ، كما ورد في الحديث، فيكون نظير سراويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] المراد به: المسجد الحرام، وجمع لأن كل جهة منه مسجدٌ، أو: لأنه قبلة المساجد؛ فكأنه مساجد.
(لبى) أي: في طريقه مرة، (وكبر) أي: مرة أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد به تكبير التشريق؛ لكون ابتدائه من صبح عرفة، ويستحب أن يسير بعد فجرها من منى إلى عرفة، والتلبية لا تنقطع إلا عند الرمي. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن ابن عمر (^١).
(وخير الدعاء: دعاء يوم عرفة) الإضافة فيه إما بمعنى اللام، أي: دعاء خُصَّ بذلك اليوم، وإما بمعنى "في"، أي: دعاء وقع نيه أيَّ دعاء كان. ويؤيده ما وقع في نسخة: "وخير الدعاء يومَ عرفة" بالنصب، ويجوز أن يكون بالرفع، والتقدير: خير أوقات الدعاء يومُ عرفة.
(وخير ما قلت أنا والنبيون [من] (^٢) قبلي) يمكن المغايرة بينهما: بأن يكون الدعاء بالقلب والقول باللسان، وأن يكون عطف تفسير للأول، أو مغايرًا له بالكلية على ما فهم من بعض التقريرات السابقة، ولا يبعد أن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢٨٤) وأبو داود (١٨١٦).
(٢) من (ب) و(د) فقط.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
يراد بالدعاء معنى العبادة، أي: خيرها ما وقع في عرفة، فيزول الإشكال المشهور الآتي على الوجه المسطور.
فالقول لا الدعاء: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) قال المؤلف: "الحديث ليس فيه إلا الثناء على الله تعالى، وليس فيه من لفظ الدعاء شيء، وقد سُئل الإمام الكبير سفيان بن عيينة (^١) عن ذلك، فأجاب بقول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثنائي إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء (^٢)
وقال ميرك نقلًا عن الطيبي: "قوله: "وخير ما قلت" بمعنى: خير ما دعوت بيانًا لقوله "خير الدعاء"، فالدعاء قوله: "لا إله إلا الله".
فإن قلت: هذا ذكر وليس بدعاء، قلت: أجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه على سبيل التعريض تجنبًا عن التصريح؛ مراعاةً للأدب.
وثانيهما: الاشتغال بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على كرمه؛ فإنه لا يضيع أجر المحسنين".
قلت: ويؤيده قوله ﷺ (^٣): "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
ثم الفرق بين الوجهين: أن الذاكر في الأول، وإن لم يصرح بالطلب،
_________________
(١) أخرجه الدينوري في المجالسة (٤٩).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ، ب).
(٣) أي نقلا عن رب العزة ﷾.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح، بخلاف الثاني، أو أن الذاكر باللسان قد يكون سائلًا بالجنان بخلاف الثاني؛ فإنه في مقام التفويض لا في مرتبة التعريض، ولا شك أنه حال أكمل، وفي قيام حق الربوبية أجمل، كما قال قائل:
وكلت إلى المحبوب أمريَ كله … فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا
ثم قال ميرك: "ويجوز أن تكون الإضافة في قوله: "دعاء يوم عرفة" بمعنى "في"، فعلى هذا يعم الدعوات الواقعة فيه، فيكون قوله: "وخير ما قلت" عطفًا على قوله: "خير الدعاء" لا على البيان، بل يجري على المغايرة والعموم في القول، فيتناول الذكر والدعاء".
(ت) أي: رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو المراد بقوله في بعض النسخ: "عن ابن عَمْرو" (^١).
(وأكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي) بالجر، وفي نسخة بالرفع (بعرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) في "الفائق" (^٢): "إنما سمّي التهليل والتحميد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب صنع الله تعالى إنعامه"، ومنه الحديث: "يقول الله
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥). وفي إسناده محمد بن أبي حميد لقبه حماد قال الحافظ في التقريب: ضعيف (ت ٥٨٣٦)، وقول الذهبي في الكاشف (٢/ ١٦٦)، وذكره في المغني (٥٤٥٣). وقال عنه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي ليس بثقة الميزان (٢/ ١١٢).
(٢) الفائق (١/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
تعالى: إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَيَّ عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^١).
وقوله: "ودعاء الأنبياء" يجوز فيه الرفع على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
قلت: ويصح بلا تقدير مضاف أيضًا، لكن لا يفيد قيد الأكثرية، وهو غير لازم.
نعم، أكثر ما ورد في عدده أن يقال فيه مائة مرة، ثم الظاهر أن الدعاء في هذا الحديث لا يحتاج إلى تأويل؛ لقوله (اللهم اجعل في قلبي نورًا)، وإنما قدم التهليل والتحميد للتنبيه على أنه لا بد في الدعاء من تقديم الثناء.
(وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا) ترتيب الذكر يشعر بالأفضل، فالأفضل.
(اللهم اشرح) أي: وسمع (لي صدري) فيه إجمال وتبيين، وكذا في قوله: (ويسر لي أمري) أي: سهل لي جميع أموري، وعلامة شرح الصدر على ما ورد [به] (^٢) الخبر: "أن يزهد في الدنيا ويستعد للعقبى".
(وأعوذ بك من وساوس الصدر) أي: من الوساوس الكائنة من
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦)، والدارمي (٣٣٥٩) وإسناده ضعيف قال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٨٢) سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن -يعني هذا الحديث- فقال حديث منكر ومحمد بن الحسن ليس بالقوي أهـ.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "في".
[ ٢ / ٩٧٠ ]
النفس والشيطان الحاصلة في الصدر.
(وشتات الأمر) بفتح الشين، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدين بالاشتغال في أمور الدنيا، فإن جمعه بتحصيل المهم الأهم بأن يجعل [أكبر] (^١) همه هم الدين، فورد: "من جعل الهموم همًّا واحدًا، هم الدين، كفاه الكد هموم الدنيا والآخرة". (وفتنة القبر) أي: ومن الابتلاء فيه بالسؤال، أو من عذابه بالنكال.
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج) أي: يدخل (في الليل) أي: من المؤذيات (وشر ما يلج في النهار، وشر ما تَهُبُّ) بضم الهاء وتشديد الباء، أي: تجري (به الرياح) والباء للتعدية أو للملابسة. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن علي ﵁ (^٢).
(والتلبية بعرفات سنة) أي: قبل الوقوف وبعده إلى الرمي، والمعنى: أنها سنة مؤكدة؛ وإلا فهي في جميع أحوال الإحرام مستحبة إلا في ابتداء الإحرام، فإنها واجبة عندنا وسنة عند الشافعي.
(س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، عن ابن عباس، وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما" (^٣)، واعلم أن النسائي والحاكم أخرجاه
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "أكثر".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥١٣٥) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١١٧) وقال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليا.
(٣) أخرجه النسائي ٥/ ٢٥٣، وفي "الكبرى" (٣٩٧٩) و"ابن خزيمة" (٢٨٣٠) والحاكم (١/ ٤٦٥).
[ ٢ / ٩٧١ ]
من سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ فَقُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنّةَ مِنْ بُغضِ عَلِيٍّ" واللفظ للنسائي (^١)، كذا ذكره ميرك.
(ولما وقف) أي: النبي ﷺ (بعرفات وقال: لبيك اللهم لبيك، إنما الخير خير الآخرة) وفي رواية: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"؛ فكأنه ﷺ تذكر بعد كمال أمره، وكثرة أتباعه، وسعة جاهه، فناء الدنيا مع قلة غنائها، وكثرة عنائها، وخسة شركائها، وبقاء العقبى وأنواع نعيمها؛ فقال هذا القول.
كما أنه قاله أيضًا في حال كمال ضيقه وشدة جوعه، وكثرة محنته يوم الأحزاب، وقت حفر الخندق؛ تنبيهًا أن السالك ينبغي أن يذكر في الحالين الأخرى، فإنه لا يبقى شر الدنيا. "الأوسط" عن ابن عباس.
(فإذا صلى العصر) أي: في وقت الظهر في مسجد نمرة بقرب عرفة؛ فإنه جمع تقديم للنسك عندنا بشروط معروفة في كتب الفقه، وعند الشافعي للسفر.
(ووقف بعرفة) والأفضل: أن لا يكون فوق الجبل، بل [عن] (^٢) يسار
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٨٣٠) وصححَّه، والنسائي (٥/ ٢٥٣)، والحاكم (١/ ٤٦٥) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال شارح سنن النسائي: هذا الذي قاله ابن عباس ﵄ يحتمل أن يكونَ لما رأى معاوية ﵁ ترك التلبية بعرفة ظن أنَّه تركه لبغض علي، والظن قد يخطئ، والذي يظهر أنَّ معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. والله أعلم.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "على".
[ ٢ / ٩٧٢ ]
الجبل في موضع الصخرات السود؛ فإنه موقفه ﷺ.
(يرفع يديه ويقول: الكلُ أكبر وللَّه الحمد، الكلُ اكبر ولله الحمد، الله أكبر وللَّه الحمد) أي: ثلاث مرات. إلا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) والأظهر: أن يكمله لما ورد سابقًا، ولما فيه من زيادة الخير.
(اللهم اهدني بالهدى) بضم الهاء، أي: هديًا ملابسًا بهديك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣].
(ونقني) أمر من التنقية، قال المصنف: "أي: طهرني ونظفني من دنس الذنوب" (^١)، انتهى. والأظهر أن معناه: اجعلني نقيا طاهرا من العيوب (بالتقوى) أي: بسبب التزامها بترك الذنوب.
(واغفر لي) أي: ذنوبي (في الآخرة والأولى) أي: فيما وقع لي تقصير في أمر الدنيا والعقبى، وتأخير "الأولى" رعاية للسجع المعبر عنه بالفواصل، أو إشارة إلى أن الاهتمام بأمر الآخرة هو الأولى.
(ثم يرد يديه) أي: عن رفعهما (فيسكت قدر ما يقرأ إنسان فاتحة الكتاب) أي: متفكرًا في معانيه، أو مستغرقًا في الحضور الناشئ عن مبانيه، أو للاستراحة؛ فإنه كما ورد: "ساعة فساعة".
(ثم يعود فيرفع) وفي نسخة: "ويرفع" (يديه، ويقول مثل ذلك) أي: مثل ما تقدم من الثناء والدعاء، وقالوا: "يستحب تجديد التلبية أيضًا في الأثناء".
(مو مص) أي: رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر وفعله (^٢).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤٩٢٤).
[ ٢ / ٩٧٣ ]
(وإذا رجع) أي: من عرفة (وأتى المشعر الحرام) أي: عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾، أي: دفعتم ورجعتم. ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهو جبل بمزدلفة اسمه قزح، يقف عليه الإمام، كذا في "المغرب" وهو أفضل أماكن المزدلفة، وإلا فكلها موقف إلا وادي محسّر؛ على ما في حديث (^١).
_________________
(١) قال الشيخ المعلمي ﵀ في رسالته (سيرة النبي ﷺ من عرفات إلى مزدلفة): إذا ثبت أن محسرا يكره الكون به فوق ما لابد منه من المرور السريع وجب أن لا يكون من البقعة التي شرعت فيها البيتوتة ليالي التشريق والكون بها بقية نهارا لثامن وليلة التاسع ويوم النحر وأيام التشريق وهي منى فلا يكون محسرا من منى في الحكم وجاء ما يدل على أنه من منى في الاسم. فأما في الاسم فقد جاء ما يدل على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم وجاء على ما يدل أنه ليس من منى ولا مزدلفة. فأما الأول: فأخرج ابن جرير في تفسيره: عن زيد بن أسلم عن النبي قال: عرفة كلها موقف إلا عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسر. وأخرج عن ابن الزبير: "كل مزدلفة موقف إلا وادي محسر". وعن عروة بن الزبير مثله وخبر عبد الله بن الزبير في الموطأ عن هشام بن عروة عنه. والأصل في الاستثناء الاتصال فيكون محسرا داخلا في مزدلفة في الاسم خارجا عنها في الحكم فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضا. فإن قيل: قضية هذا أن تكون عرنة داخلة في اسم عرفة وإن خرجت عنها في الحكم. فقلت: لا مانع من هذا بل يشهد له ما ذكره صاحب القرى وغيره بعد ذكر ابن=
[ ٢ / ٩٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عباس لمعرفة أنه يدخل فيها عرنه. ويوافقه حديث ابن عمر في المسند وسنن ابن داوود: … غدا رسول الله … حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي به بعرفة … ونمرة من عرفة. وأما الثاني: فيدل عليه ما في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن أخيه الفضل: … وكان رديف رسول الله أنة قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة. وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: عليكم بحصى الحذف الذي يرمى به الجمرة. وقال: لم يزل رسول الله يلبي حتى رمى الجمرة. وفي المسند وسنن النسائي: "حتى إذا دخل "ثم ساقه مسلم من طريق ابن جريح عن أبي الزبير ولم يسق المتن وقد ساقه الإمام أحمد في المسند وفية: إذ دخل منى حين هبط محسرا قال: عليك بحصى الحذف … ولم يكون مقصود الفضل إلا الإخبار بما كان من النبي في مسيرة من المزدلفة إلى جمرة العقبة بدون نظر إلى البيتوتة فغاية ما يؤخذ من خبره أن محسرا من منى في الاسم. ومسلم أخرج هذا الحديث في صحيحة في أحاديث استدامة التلبية إلى رمي جمرة العقبة ولم يخرجه في الموضع الذي يتعلق بالبيتوتة. وبين الموضعين أربعة عشر بابا في تبويب النووي. ولم أجد هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير. وقد رواه جماعة غير أبي معبد عن ابن عباس ورواه جماعة غير ابن عباس عن الفضل. ولم أر في شيء من رواياتهم هذه الكلمة أو معناها أن محسرا من منى، وأبو الزبير وثقه جماعة ولينة آخرون. =
[ ٢ / ٩٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الشافعي: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. وقد لا يبعد أن تكون كلمة "وهو من منى" وهي في الرواية التي اتفق على إخراج لفظها أحمد ومسلم والنسائي مدرجة من قول أبي الزبير. وأن راوي الرواية الأخرى خفي عليه الإدراج وروى بالمعنى والله أعلم. وأما الثالث: وهو أن محسرا ليست داخلا في اسم منى ولا اسم مزدلفة فهو المشهور وفي تاريخ الأزرقي: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريح … قلت لعطاء: وأين مزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا وقفت من مأزمي عرفة فذلك إلى عرفة وفية ص ١٣٩: بهذا السند عن ابن جريح: "قال قلت لعطاء: أين منى؟ قال: من العقبة إلى محسر قال عطاء: فلا أحب أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر". وهو خبر واحد قطعه. وقد روى ابن جرير في تفسيره .. القطعة الأولى: حدثنا هناد قال ثنا ابن أبي زائدة قال: أنا ابن جريح قال: قلت لعطاء وسنده صحيح. فأما سند الأزرقي ففيه مسلم بن خالد فيه لين. لكنه فقيه مكة في عصره وهذا الحكم مما يعنى به فقهاء مكة وشيخه ابن جريج إمام وهو فقيه مكة في عصره أيضا. وهو ممن روى حديث ابن الزبير السابق وكأنه لم يعول على ما فيه مما يدل أن محسرا من منى وعطاء إمام وهو فقيه مكة في عصره وروى عن ابن عباس حديث الفضل وغيره ثم جاء فقيه عصره الإمام الشافعي وهو مكي أخذ عن مسلم بن خالد وغيره. قال في الأم (٢/ ١٧٩) والمزدلفة حين يفضي من مأزمي عرفة -وليس المأزمان من مزدلفة- إلى أنه يأتي قرن محسر. وقال ص ١٨٢: " ومنى ما بين العقبة وليست العقبة من منى إلى بطن محسر وليس بطن محسر من منى وهذا القول أعني أن محسرا ليس من المزدلفة =
[ ٢ / ٩٧٦ ]
وقال الأزهري: "الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها أو أمر القيام بها،
_________________
(١) = ولا من منى هو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابن حزم في المحك (ج ٧ ص ٨٨ المسئلة ٨٥٣): وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر؛ لأن عرفة من الحل وبطن عرنة من الحرم فهو غير عرفة وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام وهي من الحرم وبطن محسر من الحل فهو غير مزدلفة. ولا ريب أن منى عنده من الحرم فهي غير محسر الذي هو عنده من الحل. وقد أغرب في زعمه أن بطن عرنة من الحرم وأغرب من ذلك زعمه أن محسرا من الحل. احتج ابن حزم باختلاف المكانين في أن هذا من الحل وهذا من الحرم على تغايرهما واختلاف حكمهما وأنها لحجة لو صح ذاك الاختلاف. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناسكه: "ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن عرنة فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة وبين مزدلفة ومنى بطن محسر. كأنه نظر إلى عبارة ابن حزم وأعرض عما فيها من الخطأ. وقد أوضح ابن القيم ذلك فقال في الهدي: "ومحسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما. فمنى: من الحرم وهي مشعر. ومحسر: من الحرم وليس بمشعر. ومزدلفة: حرم ومشعر. وعرنة: ليست مشعرا وهي من الحل. وعرفة: حل ومشعر". ولا ريب أن الشيخين كانا عارفين بحديث ابن الزبير عن أبي معبد ومع ذلك قطعا بأن محسرًا ليس من منى وفي هذا سند قوي لما تقدم من الكلام فيه. والله أعلم ..) انتهى.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
ومنه سمي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع لها" انتهى (^١).
والبيتوتة بها سنة، والجمع بين العشاءين جمع تأخير واجب، وكذا الوقوف بعد الصبح ولو ساعه واجب عندنا، وعند الشافعي: الوقوف سنة. والبيتوتة بها أكثر الليل واجبة، وأما ما نسب صاحب "الهداية" إلى الشافعي أنها ركن عنده، فغير صحيح.
(استقبل القبلة، فدعاه) أي: فدعا الله تعالى (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلله) أي قال: لا إله إلا اللَّه (ووحده) أي قال: "لا إله إلا الله وحده … " إلى آخره. وقال الحنفي: "أي قال: إنه واحد".
(فلم يزل واقفًا) أي: بعد صلاة الفجر (حتى أسفر) أي: أضاء واستنار (الصبح) مأخوذ من السفر، وهو بياض النهار، على ما ذكره الجوهري، (جدًّا) أي: مبالغًا، فهو حال أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارًا بليغًا بحيث يقرب طلوع الشمس، ثم يتوجه إلى منًى.
وقد أخطأ الحنفي في قوله: "الضمير في "أسفر" إلى الرسول ﷺ، أي: صلى الصبح عند ضيائه" ومنشأ خطئه غفلته عن مسألة الإسفار؛ فإنه أفضل عندنا؛ لقوله ﷺ: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر".
وعند الشافعي أداء الصلوات في أوائل الأوقات أفضل بم لما ورد من: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت غفران الله"، لكن هذه الصلاة في هذا المكان مستثنًى بالإجماع، على أنه ﷺ صلاها بغلس، ولا خلاف للفقهاء فيه.
(م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
_________________
(١) النهاية (٢/ ٤٧٩).
[ ٢ / ٩٧٨ ]
ماجه، وأبو عوانة؛ كلهم عن جابر (^١).
(ولم يزل) أي: من يوم أحرم (يلبي حتى يرمي الجمرة) أي: فيقطعها في أول جمرة يرميها (أي: جمرة العقبة) أي: التي لا ترمى في أول أيام النحر إلا جمرتها، والتفسير من بعض الرواة. (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس.
(وإذا أراد رمي الجمار) أي: الجمرات الثلاث في ثاني النحر وما بعده، (فإذا أتى) أي: بعد الزوال، (الجمرة الدنيا) أي: القربى، التي تلي مسجد الخيف (رماها بسبع حصيات) أي: أحجار صغار نحو الباقلاء.
(يكبر على إثر كل حصاة) أي: عَقِيبها، وهو بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان؛ ففي التنزيل: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ بفتحتين عند الجمهور، وقرأ رويسٌ بالكسر والسكون. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر (^٢).
(أو مع كل حصاة) بأن يجمع بين القول والفعل، وهو الأظهر كما في الجمع بين غسل اليدين والبسملة في أول الوضوء.
(م، د، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن جابر (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود د (١٩٠٥، ١٩٠٧، ١٩٠٩)، والنسائي (١/ ١٢٢) (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٥٢)، والنسائي (٥/ ٢٧٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥، ١٩٠٧، ١٩٠٩)، والنسائي (١/ ١٢٢) (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
(ثم يتقدم) أي: عن موضع الجمرة إلى مَكَانٍ قُدَّامَهَا، (فَيُسهِل) بضم أوله، أي: فيدخل في السهل من الأرض، قال المصنف: "يقال أسهل يسهل، إذا صار إلى السهل من الأرض، وهو ضد الحزن، أو، (^١) صار إلى بطن الوادي، وهو معنى قوله: "ويستبطن الوادي"" (^٢)، يعني الآتي في جمرة العقبة.
لكنه وهم من المؤلف؛ إذ معناه أنه يدخل في بطن الوادي، ويرمي من بطنه لا من فوقه، فإنه هناك علو يمكن أن يرمي به، وأما الجمرتان الأوليان فهما في بطن الوادي بأصلهما، فالمطلوب هنا الدخول في أرض السهل، فالمغايرة بينهما ظاهرة للعارف بهما.
(فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا) قيل: "قدر قراءة سورة البقرة" (فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك) أي: مثل ما تقدم من اعتبار السبع ومراعاة التكبير.
(فيأخذ ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال عند تقدمه عن الجمرة، وإرادته الوقوف للدعاء، (فيُسْهِلُ، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه حتى يرمي الجمرة ذات العقبة) أي: الواقعة عندها (من بطن الوادي) أي: لا يرميها من فوق؛ فإنه مكروه عندنا، غير جائز عند الشافعي.
(ولا يقف عندها) أي: عند جمرة العقبة ولا حولها للدعاء، وهو لا
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "أراد".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
[ ٢ / ٩٨٠ ]
ينافي الدعاء، أو قيامًا طويلا فلا ينافي ما ورد من الدعاء كما سيأتي. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر (^١).
(ويستبطن الوادي) أي: يدخل في بطن الوادي، وهو المعنيُّ بقوله: "ويرمي من بطن الوادي" (حتى إذا فرغ) أي: من الرمي، (قال) أي: من غير وقوف، أو من غير إطالة، (اللهم اجعله) أي: حجنا (حَجًّا مبرورًا) أي: مقبولًا؛ ففي "النهاية": "جاء في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وهو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقيل: "هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب" يقال: برَّ حجُّه، وبرَّ الله حجَّه، وأبره بِرًّا بالكسر، وإبرارًا" انتهى. ويمكن أن يراد به: المقبول المقابل للمردود، فإنه أكثر الموجود.
(وذنبًا مغفورًا) كأنَّ المراد: واجعل ذنبنا ذنبًا مغفورًا، ذكره الحنفي وغيره. والأظهر أن يكون التقدير: اجعل [الجعل] (^٢) حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، أي: سبب بر الحج وغفران الذنب. وفي بعض الروايات وقع ما بينهما: "وسعيا مشكورا".
(مص، مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا، ورواه أيضًا موقوفًا من فِعْلِ ابن عمر (^٣) وقَولِه، ويؤيده ما سمع ممن يثق
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٥٣)، والنسائي (٥/ ٢٧٦).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "حجنا".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٢١٤) موقوفًا. قوله: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا"، وهذا إسناد ضعيف لضعف =
[ ٢ / ٩٨١ ]
به من "الجلال" أنه نقل عن المصنّف أنه قال: "يعني رواه ابن مسعود مرفوعًا، وابن عمر موقوفًا" لكن في بعض النسخ: "مس" بالسين موضع "مص" بالصاد، فيفيد أن الحاكم رواه عن ابن مسعود مرفوعًا، والعلم عند الله.
(ويدعو عند الجمرات) أي: عند رميها، (كلها) أو بعد فراغها، لكن من غير وقوف عند العقبة، ولعلها لدفع المضايقة، (ولا يُوَقِّت شيئًا) بتشديد القاف، يقال: وقت الشيء ووقته إذا بين حده، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، كذا في "الفائق"، وأراد به قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مؤقتًا معينًا، لا يجوز أداؤها قبله بخلاف قضائها، فالمعنى: لا يعين شيئا من الجمرات بالدعاء بل يعمها، أو لا يعين شيئًا من الأشياء بالدعاء عند الجمرات، بل يدعو بما بدا له من الحاجات، وهو اختيار الإمام محمد من أئمتنا؛ فإن تعيين الدعاء (^١) يذهب حالة الخضوع والخشوع، لكن ينبغي أن يحمل على غير الدعوات المأثورة.
(مو مص) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا عن الحسن البصري (^٢).
(وإذا ذبح) أي: أراد أن يذبح (سمى) أي: وجوبًا عندنا، وسنة عند الشافعي، (وكبر) بأن يقول: باسم الله، الله أكبر.
_________________
(١) = ليث، وهو ابن أبي سليم.
(٢) بعدها في (أ) زيادة: "به".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف" (١٤٢١٦. ٣٠٢٧٠).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
(ووضع) أي: والحال أنه قد وضع (رجله على صِفَاحِهِ) بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الفاء، وآخرها حاء مهملة، جمع صَفْح بالفتح ثم السكون، وهو: الجنب. وقيل: "جمع صفحة الوجه، وهي: عرضه" والمراد: الجانب الواحد من الأضحية، وهذا المعنيُّ بقول الراوي: (أي: عرض خده).
وقيل: المراد بصفاحه نواحي عنقه، وصَفْح الشيء ناحيته، وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن، وأحسن للمذبوح وأهون، ولئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.
(ع) أي رواه: الجماعة عن أنس (^١)، قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، وسمَّى وكبر ووضع رجله على [صفاحهما] (^٢) "، و"الأملح" على ما في "القاموس": "ما فيه بياض يخالطه سواد" (^٣).
(ويقول في الأضحية) وهي بضم الهمزة وتكسر؛ ففي "النهاية": "أن فيها أربع لغات: أُضْحِيَةٌ وأضحيّة والجمع أضاحيّ بتشديد الياء وتخفيفها، وضحية، وأضحاة بفتح الهمزة".
وفي "القاموس": "الأضحية شاة يضحى بها، أي: يذبح في الضحوة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٦٤) (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦)، والنسائي (٧/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٣١٢٠).
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج) و(د): "صفاحها"، وفي (ب): "صفاحه".
(٣) الصحاح (١/ ٤٠٧).
[ ٢ / ٩٨٣ ]
وهي ارتفاع النهار والجمع أضاحيّ، كالضحية [وجمعها] (^١) ضحايا، كالأضحاة والجمع أضحى، وبها سمي يوم النحر".
والمعنى يقول في وقت ذبحها: (باسم الله، اللهم تقبل مني) أي: أضحيتي، (ومن أمة محمد ﷺ) أي: ضحاياهم. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن عائشة (^٢).
(إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم) أي: حال كوني على وفق دينه من التوحيد والإخلاص والتفريد، وهو غير موجود في بعض النسخ، (حنيفًا) أي: مائلا إلى الحق، وهو حال من فاعل "وجهت"، (وما أنا من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا خفيًّا.
(إن صلاتي ونسكي) أي: عبادتي وتقربي أو ذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، إلا أن صلاة العيد ساقطة عن الحجاج بمنى، (ومحياي) أي: ما أتيته في حياتي، (ومماتي) أي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك) أي: الإخلاص، (أمرت، وأنا من المسلمين) وفي نسخة: "وأنا أول المسلمين".
(اللهم منك ولك) أي: هذه الأضحية، واصلة منك إليَّ، ومخلوقة ومملوكة لك، أو أنا [ناشئ] (^٣) منك وعبد لك، (باسم الله، والله أكبر ثم
_________________
(١) من (أ) و(ج) فقط.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢).
(٣) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "ناشٍ".
[ ٢ / ٩٨٤ ]
يذبح) أي: فيذبح.
(د، ق، مس) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر (^١).
(وقال ﷺ لفاطمة: قومي إلى أضحيتك) وهي: ما يذبح يوم النحر على وجه التقرب، (فاشْهَدِيهَا) بفتح الهاء، أي: فاحضريها، (فإنه) أي: الشأن، (يغفر لك عند أول قطرة من دمها) فيه إيماءٌ إلى المبالغة في سرعة القبول، وحصول المغفرة.
(كل ذنب عملته) أي: في جميع عمرك، وفي نسخة: "عملتيه" بإشباع الكسرة المتولد منها الياء، (وقولي: إن صلاتي ونسكي) إلى آخره.
(قال عمران) أي: راوي الحديث (قلت: يا رسول اللَّه، هذا) أي: هذا الأجر والثواب (لك) أي: مختص لك، (ولأهل بيتك خاصة؟ قال: بل للمسلمين عامة. مس) أي: رواه الحاكم عن عمران بن حصين (^٢).
(فإن كانت) أي: الأضحية أو الذبيحة، وهي: ما أريد ذبحه، (بدنة) أي: ناقة أو بقرة - على ما في "المهذب" وهو المذهب، خلافًا للشافعي؛ فإنها عنده الإبل لا غير، ويؤيده ما في "المغرب": "البدنة في اللغة من
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢١) والحاكم (١/ ٤٦٧) وإسناده صحيح بشواهده وقد ذكر الألباني طرقه في الإرواء (١١٣٨) فراجعه.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٢٢) وقال: "صحيح الإسناد" فرده الذهبي بقوله: "قلت: بل أبو حمزة ضعيف جدا، وابن إسماعيل ليس بذاك". قال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٨، رقم ١٥٩٦) وقال: سمعت أبي يقول: هو حديث منكر.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
الإبل خاصة، وتقع على الذكر والأنثى".
لكن المراد هنا الإبل اتفاقًا؛ لقوله: (فليقمها) من الإقامة، أي: فليوقفها بقصد نحرها، والنحر يُخَص بالإبل، والذبح بالبقر والغنم.
(ثم ليقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) أي: ثلاثًا. (اللهم منك ولك، ثم ليُسَمّ الله، ثم لينحرْ، وإن كانت) أي: الذبيحة، (عقيقة) وهي الشاة التي تذبح عن المولود يوم سابعه، (فعل كالأضحية. مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس وفعله (^١).
(ويسمي) بكسر الميم، ويجوز فتحها، (على العقيقة كما يسمي على الأضحية: باسم الله عقيقة فلان) أي: هذه عقيقة فلان، (ينويها) أو يذكرها بعد البسملة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول قتادة التابعي (^٢).
(وإذا دخل البيت) أي: البيت الحرام وهو الكعبة (كبَّر في نواحيه) أي: الأربعة. (خ، د) أي رواه: البخاري، وأبو داود، عن ابن عباس، (وفي زواياه. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٨٩) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. علقه البخاري في "الصحيح": (٢/ ١٨٥ - كتاب الحج/ باب نحر البدن قائمة). وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" (١/ ٢١٣)، والطبري في "التفسير" (١٨/ ٦٣٢)، والقاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (٢/ ٨٧) وإسناده صحيح. وقال الحافظ في "الدراية" (٢/ ٢٠٥): "ورجاله ثقات".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف" (٢٤٧٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٨) وأبو داود (٢٠٢٧).
[ ٢ / ٩٨٦ ]
والحاصل: أنهما رويا عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام، فقال النبي ﷺ: قاتلهم الله؛ لقد علموا أنهما ما استقسما قط، ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه" رواه البخاري وأبو داود، ولفظ أبي داود: "فكبر في نواحيه وفي زواياه".
قال ميرك: "الصحيح أن دخول النبي ﷺ الكعبة كان في فتح مكة" وقال بعضهم: "في حجة الوداع" قلت: الأصح أنه دخل عام الفتح، ويحتمل أنه دخل عام الوداع أيضًا. نعم، سيأتي في رواية أسامة: "أنه ﷺ لما دخل البيت صلى"، والمُثْبِتُ مُقَدَّم عَلَى النَّافِي، مع أن حديث أسامة متفق عليه، وأسامة أضبط وأعلم بالقضية من ابن عباس؛ لكونه صغيرًا، وأيضًا: لم يكن معه ﷺ حال الدخول (^١).
(ويدعو في نواحيه كلها، فإذا خرج ركع) أي: صلى (في قُبُل البيت) بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابل البيت، أو ما استقبلك منه وهو وجهه.
قال التوربشتي: "المراد الجهة التي فيها الباب" قلت: المشهور عند أهل مكة أنه ﷺ صلى في الموضع الذي يقال له: المعجنة. وأيضًا يقال له: مقام جبريل ﵇. حيث أمَّ بالنبي ﷺ فيه خمس صلوات في يومين لتعليم أوائل الأوقات وأواخرها، (ركعتين) أي: وقال: "هذه القبلة" كما في
_________________
(١) وللجمع بين القولين انظر "فتح الباري" (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
رواية. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن أسامة بن زيد (^١).
وهو في هذا الحديث ساكت عن صلاته داخل الكعبة بخلافه في الحديث الآتي، وهو قول المؤلف: (ودخل النبي ﷺ الكعبة، هو وأسامة) أي: "ابن زيد" كما في نسخة، (وعثمان بن طلحة) أي: الشيبي (الحَجَبِيُّ) بفتح الحاء والجيم وكسر الموحدة وتشديد التحتية للنسبة إلى الحجابة، والحاجب: البواب، (وبلال بن رباح) بفتح فتخفيف موحدة.
(فأغلقها) أي: رد بابها عثمان لكونه وظيفته، أو بلال بأمره ﵇ لما سيأتي، (عليه) أي: على النبي ﵇ خوفًا للازدحام محليه، (ومكث) بفتح الكاف وضمها، أي: توقف، (فيها) أي: في الكعبة.
(ثم خرج، فسألت بلالًا) السائل: ابن عمر الراوي للحديث، (حين خرج) أي: بلال أو رسول الله ﷺ وهو معه، (ماذا صنع رسول اللَّه ﷺ؟) يحتمل أن يكون "ما" استفهامية، و"ذا" بمعنى الذي، وما بعده صلته، والمجموع خبر "ما"، وأن يكون "ما" مع "ذا" اسمًا واحدًا بمعنى "أي شيء" منصوب المحل على المفعولية مثل ما صنع رسول الله ﷺ.
(فقال) أي: أسامة، (جعل) أي: النبي ﷺ، (عمودًا عن يساره،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٣٨٩٢)، وابن عباس ثبت في السنن الكبرى ولم يثبت في المجتبى (٥/ ٢١٨)، ورجح الحافظ في الفتح (١/ ٥٠١) أن الحديث عن أسامة. انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ٣٨٠ - ٣٨١)، وشرح السنة للبغوي (٢/ ٣٣٤)، وفتح الباري (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩) وفيه تفصيل جيد.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) وفي بعض الروايات: "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه"، فالجمع على ثبوت تعدد الدخول ظاهر، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء، واللَّه أعلم.
(وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) أي: بخلاف اليوم، فإنه حينئذٍ على ثلاثة أعمدة، (ثم صلى) أي: وهو متوجه إلى الجهة التي فيها المستجار محاذيًا للباب قريبًا من الجدار تخمينا: ثلاثة أذرع. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر (^١).
(ولما دخل النبي ﷺ البيت أمر بلالًا فأجاف) أي: أغلق أو رد بلال (الباب) أي: باب الكعبة، مخافة الزحمة المانعة من الحضور الموجب لزيادة الرحمة، (والبيت إذ ذاك) أي: وقتئذٍ، (على ستة أعمدة، فمضى) أي: ذهب من جهة الباب، أي: محاذيه من الجدار، (حتى إذا كان بين الاصطوانتين) وفي نسخة: "الاسطوانتين" كما هو الأصل، لكن أبدل السين صادًا [لقرب] (^٢) الطاء الملائم للصاد في موافقة صفة الإطباق، كما حُقِّقَ في صِرَاطٍ، (اللتين تليان) أي: تقربان، (باب الكعبة) [أي: المسدود] (^٣).
(جلس) أي: بعد الصلاة، أو قبلها، وهو المتبادر من العبارة الظاهرة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٥)، ومسلم (١٣٢٩) وأبو داود (٢٠٢٣) و(٢٠٢٤)، والنسائي في "المجتبى" (٢/ ٦٣).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "للقرب من".
(٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): "أي: المردود"، وهي ساقطة من (د).
[ ٢ / ٩٨٩ ]
من كلام الراوي، (فحمد اللَّه) أي: شكره على ما منح عليه، وفتح لديه، وأحسن إليه جزيلًا، (وأثنى عليه) أي: ثناءً جميلًا، (وسأله) أي: المزيد من فضله، (واستغفره) أي: [من] (^١) التقصير في فعله، (ثم قام، حتى إذا أتى ما استقبل) أي: ما واجه قبالته، (من دبر الكعبة) أي: بالنسبة إلى باب المواجهة، (فوضع وجهه) أي: كله أو جبينه، (وخدّه عليه) أي: تبركًا منه وتواضعًا لديه، (وحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير) أي: مصحوبًا به، (والتهليل والتسبيح، والثناء على الله، والمسألة) أي: السؤال للمنال، (والاستغفار) أي: طلب المغفرة للأفعال.
(ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجه الكعبة) أي: كما تقدم، (ثم انصرف) أي: إلى محله. (س) أي: رواه النسائي من حديث ابن عباس عن أسامة (^٢).
(وإذا شرب ماء زمزم) قيل: سمي به لأنه لما رأت هاجر نبع الماء من تحت قدم إسماعيل ﵇ وأراد أن يجري، قالت بلسان القبط: "زم زم"، أي: قف قف. والمعنى: إذا أراد أن يشرب من ماء زمزم، (فليستقبل [الكعبة] (^٣)، وليذكر اسم الله، وليتنفس ثلاثًا) أي: ليشرب منه بثلاثة أنفاس خارج الإناء، (وليتضلع) قال المصنّف: "أي: يكثر من الشرب
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "عن".
(٢) أخرجه النسائي (٥/ ٢٥٤).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "القبلة".
[ ٢ / ٩٩٠ ]
حتى يمتلئ جنبه وأضلاعه" (^١) (منها) أي: من ماء [بئر] (^٢) زمزم.
(فإذا فرغ) أي: من الشرب، (فليحمد اللَّه إن آية ما بيننا) أي: العلامة الواقعة الفارقة بيننا، (وبين المنافقين لا يتضلعون) أي: هي أن لا يتضلعوا، (من زمزم) وحاصله: إن آية الإيمان التضلع منه، وآية المنافق عدم التضلع منه. (ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس (^٣).
روي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: "كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ينبغي؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، قال رسول الله ﷺ: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٢) من (أ) و(ج) فقط.
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٥٧) وابن ماجه (٣٠٦١)، قال البوصيري (٣/ ٢٠٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال المناوي (١/ ٦١): قال الحافظ: حديث حسن والحاصل أن بعض أسانيده رجالها ثقات لكن فيه انقطاع وهذا الانقطاع بين عثمان بن الأسود وابن عباس عند الحاكم فقط أما عند الباقين فالحديث متصل. والحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢) والإرواء (١١٢٥).
[ ٢ / ٩٩١ ]
يتضلعون من ماء زمزم"، رواه ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في "المستدرك"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وبهذا يتبين أن صدر الحديث موقوف وآخره مرفوع، وأن المصنّف رواه بالمعنى، ولفظ "الجامع": "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم"، رواه البخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس.
(وماء زمزم لما شرب له) بصيغة المجهول، أي: معتبر لأي قصد شرب له، (فإن شربته) أي: أيها الشارب، (تستشفي به) أي: "لتستشفي به" كما في نسخة، أو مستشفيًا به، (شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا) أي: مستجيرًا من أحد أو من بلاء، (أعاذك الله) أي: أجارك منه.
(وإن شربته لتقطع ظمأك) بصيغة [المخاطب] (^١) المعلوم، وهو المناسب لما قبله، ويجوز أن يكون على صيغة الغائب للفاعل، ويؤيده قوله: (قطعه) والفاعل هو اللَّه أو زمزم مجازًا.
وفي "أصل الجلال" بصيغة المذكر المجهول وَرَفْعِ "ظمأك"، وفي "أصل الأصيل" (^٢) غير مقيد بالفاعل والمفعول، ثم الظمأ: بفتحتين مهموز الآخر مقصورًا، وهو العطش، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "الخطاب".
(٢) بعدها في (أ) زيادة: "بالياء التحتية".
[ ٢ / ٩٩٢ ]
قال ميرك -نقلًا عن الشيخ-: "وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا؛ لأنّي رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا".
قلت: قد ذكر مولانا سنان الرومي في "حاشية البيضاوي": "في الآية أن الظمأ يمد ويقصر وقرئ بهما، وهو شدة العطش"، ثم إني رأيت في كتاب "الشواذ": "أن الظمأ بالمد قراءة [ابن أبي عمير] (^١) ".
(وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم) أي: إذا أراد شربه، (قال) أي: بعد البسملة أو قبلها، وهو الأظهر، (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: لي ولغيري، وهو [عِلْم] (^٢) الكتاب والسنة، (ورزقًا واسعًا) أي: حلالًا يسعني أن أتناوله شرعًا، أو قدرًا كافيًا، (وشفاءً من كل داء) أي: ظاهرًا وباطنًا.
(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، أخرجه من طريق مجاهد، عنه، قال العسقلاني: "رجاله موثوقون إلا أنه اختلف في وصله إرساله" (^٣).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "ابن عمر".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "عِلمَي".
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٣) وقال هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي ولم يخرجاه. قول الحاكم: إن سلم من الجارودي، قال ابن القطان: سلم من الجارودي فهو صدوق. لكن الراوي عنه مجهول. وقال ابن حجر في الفتح ٣: ٤٩٣ رجاله موثوقون =
[ ٢ / ٩٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكن اختلف في وصله وإرساله. وإرساله أصح. والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة. وقال في الإتحاف (٨٨١٦): وهم الجارودي في رفعه، والمحفوظ عن ابن عيينة وقفه على مجاهد كذا رواه الحميدي وابن أبي عمر وعبد الرزاق، وغيرهم … محمد بن حبيب بن محمد الجارودي بصري، وقال الخطيب في تاريخه: صدوق. انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٧)، والثقات لابن حبان (٩/ ١١٠). وفي المغني في الضعفاء (٥٣٨٠) غمزه الحاكم. وقال الذهبي في الميزان: (٣/ ٥٠٨): "أتى بخبر باطل اتهم بسنده". وقال الحافظ في لسان الميزان (٥/ ١١٥): "والحديث المذكور في المستدرك … وذكر كلام الخطيب فيحتمل ان يكون هو هذا، وجزم أبو الحسن القطان بأنه هو وتبعه علي ذلك ابن دقيق العيد، والدمياطي وقد أخرج الدارقطني والحاكم … فهذا خطأ الجارودي وصله وإنما رواه ابن عيينة موقوفا على مجاهد كذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم. وقال الحافظ ابن حجر: "ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به" وانظر المقاصد الحسنة (ص ٥٦٨). وقال مرة: "غريب، حسن بشواهده" فيض القدير: (٥/ ٤٠٤). قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٩٣): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وأرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الكل بن المؤمل المكي، فذى العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في =
[ ٢ / ٩٩٤ ]
قلت: ويؤيد وصله ما سيجيء في "الجامع الصغير" من الطرق الموصولة، على أن الإرسال حجة عندنا وعند جمهور العلماء، مع أن الضعيف يجوز به العمل في فضائل الأعمال إجماعًا.
ثم فيه أن ذيل الحديث موقوف، وصدره مرفوع، ولفظ "الجامع": ""ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل" رواه الدارقطني، والحاكم، عن ابن عباس مرفوعًا" (^١) [وهزمها] (^٢): أي: ضربها برجله فنبع الماء، وهو لا ينافي ما روي عن إسماعيل بمثله.
وروى المستغفري في "الطب" عن جابر مرفوعًا، ولفظه: "ماء زمزم لما شرب له، من شرب لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله) وروى الديلمي في "الفردوس" عن صفية مرفوعًا: "ماء زمزم شفاء من كل داء" (^٣).
_________________
(١) = "فوائد ابن المقري" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٨٩).
(٣) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "وهزمتها".
(٤) أخرجه الديلمي (٤/ ١٥٢) رقم (٦٤٧١).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
(ولما أتى الإمام) أي: مقتدى الأنام، (الحجة) أي: حجة الإسلام، (عبد الله بن المبارك) وهو من أجلَّاء التابعين وزهادهم وعبَّادهم، الجامع بين الحديث والفقه، وهو من أصحاب إمامنا الأعظم، والمعنى: لما جاء (زمزم واستقى) أي: أراد أن يشرب (منه) أي: من ماء زمزم (شربة، ثم استقبل القبلة قال: اللهم إن ابن أبي الموالي) بفتح الميم (حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله قال: "ماء زمزم لما شرب له" وهذا) أي: هذا الماء (أشربه) أو: هذا أنا أشرب ماء زمزم العطش يوم القيامة) أي: لدفع العطش فيه (ثم شرب).
(قلت: هذا سندٌ صحيحٌ، والراوي عن ابن المبارك ذلك سويد) بالتصغير (بن سعيد، ثقة، روى له مسلم في "صحيحه"، وابن أبي الموالي) أي: الراوي عنه ابن المبارك (ثقة روى له البخاري في "صحيحه") أي: وابن المنكدر جلالته أظهر من أن يقال في حقه: ثقة (فصح الحديث) أي: لصحة سنده (والحمد لله).
قال الحنفي: "فيه تأمل؛ لأنه لا يثبت صحته بمجرد توثيق شيخ ابن المبارك، وتوثيق الراوي عنه، بل لا بد من توثيق من بعده أيضًا حتى يثبت".
قلت: وتوجيهه يظهر بما ذكره ابن القيم الجوزي في "زاد المعاد"، حيث قال: "قد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل [راويه] (^١)
_________________
(١) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "رواية".
[ ٢ / ٩٩٦ ]
عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، [عن جابر] (^١)، عن نبيك أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وإني أشربه لظمأ يوم القيامة.
وابن أبي الموالي ثقة؛ فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة (^٢).
_________________
(١) خلت جميع النسخ من هذه الزيادة، واستدركناها من "زاد المعاد".
(٢) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣٨٣٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (١٠/ ١٦٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٧٩) و(٣٢/ ٤٣٦) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة ثم شربه ثم قال البيهقي غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه. وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٣٦) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه" ٣٦١) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخوي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل … الحديث وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٢٨١) قال ابن خراش ابن المبارك =
[ ٢ / ٩٩٧ ]
وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله تعالى، وشاهدت من
_________________
(١) = مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه. كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٣٠٥): سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم. وانظر أيضًا: فتح الباري (٣/ ٤٩٣) وقال: "غريب، تفرد به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) (٢/ ٢٦٨) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات … إلى أن قال: وقد خلط في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المؤمل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فجعله سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغتر الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاري، وسويدا انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خولف =
[ ٢ / ٩٩٨ ]
يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارًا".
ثم قال ابن القيم: "وماء زمزم سيد المياه وأشرفها، وأجلها قدرًا، وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمنًا، وأنفسها عند الناس، وهو هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل ﵉.
وثبت في الصحيح عن النبي ﵇: "قال لأبي ذر، وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، ليس له طعام غيره، فقال ﷺ: "إنها طعام طعم"، وزاد غير مسلم بإسناده: "وشفاء سقم" انتهى (^١).
وفي "منتخب المقاصد" لابن الديبع: "إن حديث "ماء زمزم لما شرب له": رواه ابن ماجه من حديث جابر أبه، (^٢) مرفوعًا، وسنده ضعيف، وقد رواه الحاكم، وقال: "إنه صحيح الإسناد"، وقد صحح هذا الحديث ابن عيينة من المتقدمين، والدمياطي من المتأخرين، والمنذري، وضعفه النووي" انتهى. وقال الزركشي: "رواه ابن ماجه مرفوعًا بسند جيد، والخطيب في "التاريخ " بسند صححه الدمياطي".
قال السيوطي: "وصححه أيضًا المنذري، وضعفه النووي، وحسنه
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ٣٥٩).
(٢) من (أ) و(ج) فقط.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
ابن حجر -يعني العسقلاني-؛ لوروده من طرق عن جابر. (^١) ووروده
_________________
(١) حديث جابر ﵁. أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/ ٣٥٧، ٣٧٢)، والطبراني في (الأوسط) (٨٥٣)، والبيهقي (٥/ ١٤٨)، والعقيلي في (الضعفاء) (٢/ ٣٠٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (٣/ ١٧٩)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٦) من طرق، عن: عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به. قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير. وهذا الإسناد ضعيف، لضعف عبد الله بن المؤمل، وبه ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: (٣/ ٤٧٨) (١٢٤٣). وضعفه -أيضًا- النووي في (المجموع) (٨/ ١٩٨). وقال العقيلي: "لا يتابع عليه". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين) (٢/ ٢٨). وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المؤمل". وقال البيهقي عقب إخراجه: "تفرد به عبد الله بن المؤمل". قلت: أما تضعيفه بابن المؤمل: فنعم، وأما القول بأنه تفرد به: فلا، فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نبه على ذلك صاحب (الجوهر النقي) (٥/ ١٤٨). فقال -متعقبًا البيهقي-: "قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفيه قصة. وأعل الحافظ ابن حجر ﵀ هذه المتابعة لابن المؤمل، فقال في التلخيص الحبير: (٢/ ٢٦٨): "ولا يصح عن إبراهيم … إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل". وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول. وانظر: التلخيص الحبير (٢/ ٢٦٨). =
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعًا (^١)، أخرجه الحاكم، والدارقطني.
_________________
(١) = وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب" (٤١٢٧) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "ماء زمزم لما شرب له".
(٢) أخرجه: الدارقطني (٢/ ٢٨٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٣). والحديث فيه ثلاث علل:
(٣) المخالفة: أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولًا، وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٦٨): "والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله".
(٤) جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان: "لا يعرف حاله".
(٥) ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر. فقال الذهبي في "الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم" (ص ٣٩) قال: عبد الله بن المؤمل لين، وقال الدارقطني: ثنا عمر بن الحسن بن علي، ثنا محمد بن هشام المروزي -يعني ابن أبي الدميك- ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ: "ماء زمزم لما شرب". قلت: هؤلاء ثقات سوى عمر الأشناني إنا نتهمه بوضعه. وذكره في ترجمته في (الميزان) (٣/ ١٨٥): فقال "صاحب بلايا" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: "وابن حبيب -يعني الجارودي- صدوق، =
[ ٢ / ١٠٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فآفة هذا هو عمر، فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا". وتعقبه الحافظ في "اللسان" (٤/ ٢٩١) حيث قال: والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أث بتأثيمه الدارقطني فإن الأشناني لم ينفرد بهذا تابعه عليه في مستدركه الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من حفاظ أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه. وهذا الحديث يُروى عن جابر ﵁ من طريقين: الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/ ٣٥٧، ٣٧٢)، والطبراني في (الأوسط) (٨٥٣)، والبيهقي (٥/ ١٤٨)، والعقيلي في (الضعفاء) (٢/ ٣٠٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (٣/ ١٧٩)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٦) من طرق عن عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به. قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل، وبه ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: (٣/ ٤٧٨) ح (١٢٤٣) وضعفه -أيضًا- النووي في "المجموع) (٨/ ١٩٨). وقال العقيلي: "لا يُتابع عليه". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين) (٢/ ٢٨). وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل". وقال البيهقي عقب إخراجه: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل". قلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي) (٥/ ١٤٨). فقال =
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = -متعقبًا البيهقي-: قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلَّاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفيه قصة. وأعلَّ الحافظ ابن حجر ﵀ هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال في التلخيص الحبير: (٢/ ٢٦٨): "ولا يصحُّ عن إبراهيم … إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل". وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول. وانظر: التلخيص الحبير (٢/ ٢٦٨). وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب" (٤١٢٧) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ ماء زمزم لما شرب له. الطريق الثاني: أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣٨٣٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (١٠/ ١٦٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٧٩) و(٣٢/ ٤٣٦) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة" ثم شربه ثم قال البيهقي: غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٣٦) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه" (٣٦١) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخويي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوًا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل … الحديث =
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٢٨١) قال ابن خراش ابن المبارك مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة" ثم شربه. كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٣٠٥): "سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم". وانظر أيضًا: فتح الباري (٣/ ٤٩٣) وقال: "غريب، تَفَرَّدَ به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) (٢/ ٢٦٨) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات … " إلى أن قال: "وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويدًا انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خُولف فيه". وقد جعله السخاوي شاهد الحديث جابر المقاصد الحسنة (ح ٩٢٨). فقال: ولحديث جابر شاهد آخر عن معاوية ﷺ موقوف عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة) (ص ٥٦٨). =
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقال -بعد أن ساق حديثٌ جابر وابن عباس الماضيين-: "وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت … " فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلو من زمزم، فشربه، ثم قال: ازمزم شفاء، وهي لما شرب له". قال السخاوي: "بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفًا. وأفرد فيه جزءًا". قلت: ومما يشهد لمعناه: حديثٌ أبي ذر ﵁ يرفعه: "إنها مباركة وهي طعام طعم، وشفاء سقم". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم، وهو في (مسند الطيالسي) (٤٥٩). وقال الحافظ ابن حجر: "ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به" وانظر المقاصد الحسنة (ص ٥٦٨). وقال مرة: "غريب، حسن بشواهده". فيض القدير: (٥/ ٤٠٤). ذكر من صححه:
(٢) صححه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. انظر: التّقييد والإيضاح (١/ ٢٤).
(٣) ابن الملقن في "الخلاصة" (٢/ ٢٦): "حديث ماء زمزم لما شرب له ذكرته تبرعا وقد رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي الزبير عن جابر قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل قلت لا بل توبع وعبد الله هذا سيء الحفظ ضعفوه قال العقيلي ولا يتابع عليه قلت بلى وقال أبو محمد المنذري هو حديثٌ حسنٌ وأعله ابن القطان بتدليس أبي الزبير عن جابر. قلت: قد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجه وذكره الحافظ شرف الدين الدمياطي من حديثٌ جابر وليس فيه عبد الله هذا وقال إنه على رسم الصحيح ورواه الحاكم والدارقطني من رواية ابن عباس وقال صحيح الإسناد إن سلم من رواية =
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الجارودي قلت سلم منه فإنه صدوق لكن الراوي عنه مجهول وروى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء أن سفيان بن عيينة سئل عن حديث ماء زمزم لما شرب له فقال حديث صحيح".
(٢) ابن عيينة: حكاه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٣٠٨) أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني عن أبي بكر الحداد أنا تمام بن محمد نا أبو الميمون بن راشد نا عمر بن علي الحلواني بدمشق قال سمعت ابن المقرئ يقول كنا عند ابن عيينة فجاءه رجل فقال يا أبا محمد ألستم تزعمون أن النبي ﷺ قال ماء زمزم لما شرب له قال نعم قال فإنِّي قد شربته لتحدثني بمائتي حديث قال اقعد فحدثه بها قال وسمعت ابن عيينة يقول قال عمر بن الخطاب اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة. قلت: عمر بن علي الحلواني حدث بدمشق عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقرئ روى عنه أبو الميمون البجلي كذا ترجمه ابن عساكر فهو مجهول.
(٣) وابن خزيمة: ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٢٥٦) قال الحاكم أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر سمعت ابن خزيمة وسئل من أين أوتيت العلم فقال قال رسول الله ﷺ: ماء زمزم لما شرب له وإني لما شربت سألت الله علمًا نافعًا.
(٤) والعراقي في ذيل ميزان الاعتدال (١/ ١٨٨) في ترجمة محمد بن هشام بن علي المروذي روى عن محمد بن حبيب الجارودي عن ابن عيينة حديث ماء زمزم لما شرب له. قال ابن القطان: "لا يعرف". قلت: "كلام الحاكم يقتضي أنه عرفه بالثقة؛ فإنه قال عقب هذا الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، فدل أن بقية رواته ثقات عنده".
(٥) والمنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٣٦) قال: "وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: ماء … رواه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد إن سلم من الجارود يعني محمد بن حبيب. =
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
ومن حديثٌ عبد الله بن عمرو مرفوعًا، أخرجه البيهقي. وعن معاوية موقوفًا، أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"، وأخرجه الديلمي من حديثٌ
_________________
(١) = قال الحافظ سلم منه فإنه صدوق قاله الخطيب البغدادي وغيره لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي لا أعرفه".
(٢) قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٩٣): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وأرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في "فوائد ابن المقري" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. وروي عن ابن عمر: ذكره الحافظ في "اللسان" (١/ ١٨٦) في ترجمة: أحمد بن صالح الشمومي عن أبي صالح كاتب الليث قال ابن حبان يأتي عن الإثبات بالمعضلات انتهى وقال أيضًا ابن حبان يكنى أبا جعفر يجب مجانبة ما روى لتنكبه الطريق المستقيم في الرواية ولم يكن أصحاب الحديث يكتبون عنه وقال: ومن مناكير الشمومي ما روى الحاكم في تاريخه حدثنا محمد بن صالح ثنا محمد بن إبراهيم يعني ابن مقاتل ثنا أحمد بن صالح الشمومي بمكة ثنا عبد الله عن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ رفعه قال ماء زمزم لما شرب له".
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
صفية: "ماء زمزم شفاء من كل داء"، وسنده ضعيف جدًّا" (^١).
وقال السيوطي في "الفتاوى الحديثية": "حديث "ماء زمزم لما شرب له": أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسنادٍ جيّدٍ، ورواه الخطيب في "تاريخ بغداد" بإسناد صحيح، وقد ألف الحافظ ابن حجر "جزءًا في حديث ماء زمزم"، وحاصل ما ذكره: أنه مختلف فيه؛ فضعفه جماعة وصححه آخرون، قال: والصَّواب أنه حسن بشواهده" (^٢).
وذكر تلميذ الحافظ السيوطي شمس الدين العلقمي في شرحه على "الجامع الصغير": "قال شيخنا: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيرًا، واختلف الحفاظ فيه؛ فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه، والمعتمد الأول، وجازف من قال: حديث "الباذنجان لما أكل له" أصح؛ فإن حديث "الباذنجان" موضوع كذب" انتهى.
وقد نقل بعض الفضلاء من تلامذة المصنّف -وهو مولانا جلال الدين القائني- في هذا المقام أنه قال المؤلف بعد قوله: "فصح الحديث والحمد لله": "وأما حديث "الباذنجان" فإنه من وضع الزنادقة؛ ليوقعوا
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر: الديلمي في مسند الفردوس من طريق الحسن بن أبي جعفر، عَن محمد بن عبد الرحمن، عَن صفية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال ماء زمزم شفاء من كل داء الحسن فيه ضعف وشيخه ما عرفته ولا أدري اسمع من صفية أم لا؟. (الإصابة ١٣/ ٥٤٨). وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٠٧).
(٢) انظر: الحاوي للفتاوي (١/ ٤٢١). وجزء ابن حجر المشار إليه مطبوع بتحقيق كل من: الشيخ مسعد السعدني، والشيخ كيلاني محمد خليفة.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
الطعن في نبوة من لا ينطق عن الهوى، حيث كان الباذنجان أضر شيء، وقد نبّه على هذا ابن الجوزي في "موضوعاته"".
قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن أبي رواد قال: "إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل" (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن عسكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٤٢٨) وانظر الإصابة (٣/ ٢٦٧).
[ ٢ / ١٠٠٩ ]